آخر الأخبار

بناء مشاعر الحب وفق المنهج النبوي .. حديث عمر بن الخطاب أنموذجاً

شارك المقال على:

مشاعر الحُبّ من أنبل المشاعر وأطيبها وأقدرها على إحداث سلوكات أو تغييرها إذا أحسن المُربّي توظيفها وكانت منضبطةً بشرائع الله، ولا أحسن وأجود عملاً بذلك من المبلّغ عن ربه المصطفى من الخلائق النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم

وحتى نُقرّب الصورة وتتَّضح المفاهيم ويسهل علينا الاقتداء والانتفاع ممَّا سبق لابد من نماذج

عمليَّة من سيرة سيد الخلق أجمعين نبينا وقدوتنا محمد الأمين

وفيما يلي سأقدم نموذجاً عن بناء شعورٍ الحب وأثره في المنهج النبوي .

١. التربية النبوية لمشاعر الحب:

يقول عبد الله بن هشام: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ لله وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بِنِ الخَطَّابِ، فقالَ لَهُ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ للهِ: «لا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ» فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّهُ الآنَّ وَاللهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ

النَّبِيُّ لله: «الآنَ يَا عُمَرُ»

ومعنى هذا الحديث: أنَّ حُبّ الإنسان نفسه طَبْعٌ وحبه غيره اختيار بتوسُط الأسباب، وإنما أراد ال بقوله لعُمر حُبّ الاختيار، إذ لا سبيل إلى قلب الطّباع وتغْييرها عمّا جُبلت عليه، يقول: لا تصدق في حُبي حتى تَفْدى في طاعتي وتُوثر رضاي على هواك وإنْ كان فيه هلاكك.

ودلَّ الحديث على أنَّ محبة النبي لي مقدَّمة على حُبّ النفس وحب كلّ شيء، سواء كانت

المحبة لأهل الفضل والمَنْقبة، أو للأهل والذرية.

فإذا تقرَّر هذا، فلابد من بيان منهج النبي الكريم في تربية شعور المحبة عند الصحابة الكرام من

خلال هذا النموذج:

أولاً: في أخذه  ليد عمر بن الخطاب، أي: إمساكه لها وهو في حضرة جمع من الصحابة الكرام دلالةً واضحة على:

١. حبه لعمر بن الخطاب رضي اللّٰه عنه ومكانته القلبية لديه، فهو الذي خصَّه بهذا الشرف وأخذ بيده دوناً عمن سواه من الصحابة الكرام، ولهذا الفعل الأثر العظيم في نفس المُتربّي؛ إذ أنه يُشعِره بمكانته ويُهيّؤُه لاستقبال التَّوجيه والانتفاع به.

. وفيه أيضاً: إشارة إلى أثر المُلامسة والمصافحة والإمساك على مشاعر المحبَّة، ففيه تعبيرٌ عن المحبة لعمر من جانب النبيّ الكريم، وفيه دليل على سرعة التأثر بهذا الفعل من جهة عمر، حيث سارع للتَّعبير عن شعور محبته للنبي في قائلاً: (لأنتَ أحبُّ إليَّ من كل شيء إلّا نفسي)

فجعل حُبه للنبي الكريم أعظم محبَّة ممَّا سواه ماعدا نفسه.

ولا يخفى على المُربين الأثر العظيم للملامسة في تعديل السلوك، وتحسين لغة التواصل بين الأولاد ووالديهم، وكان من جملة أفعاله مع أحفاده أن قبلهم، فعن أبي هريرة رضي اللّٰه عنه قال: قَبَّل رَسُولُ اللَّهِ عِ الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الأقْرَعُ بْنُ حَابِسِ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا، فَقَالَ الأقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ وَلِلِثُمَّ قَالَ: ((مَنْ لاَ يَرْحَمُ لاَ يُرْحَمُ)»

وفي هذا دلالة واضحة على تأثير الملامسة على المتربين.

وهذا كاف لدفع المربين إلى التقرب من أبنائهم حقيقة قرب الملامسة وقرب الشعور، مما

يؤهلهم للتأثير في أولادهم ويُهيّؤُ الأولاد لاستقبال التّوجيه وتقبِّله والعمل به.

والذي يلحظ في هذا العصر الجفاف العاطفي في الأسر، وبين الأبناء ووالديهم، فلايكاد أحدهم يُقبِّل ابنه أو يحضنه إلا في عيد أو مناسبة، مع شيوع صور الحب المحرمة والمنحرفة في وسائل الإعلام، وواقع الأولاد المعاش في أسرهم اليوم يفتقدون فيه حب والديهم لهم، وهم في أمس الحاجة له، وتكمن أهمية الاكتفاء بهذا الشعور منهم حتى لا يخرجوا باحثين عن مشاعر المحبَّة وإشباعها بصُورِها المنحرفة خارج بيوتهم، وهذا حاصل ومشاهد وأثبته الواقع.

ثانياً: في رده لي على عمر قائلاً: ((لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك)

إشاراتٌ ودلالات ومنها:

١. لابد من الوضوح والصدق في مشاعر المحبة على اختلاف أشكالها ومراتبها، فحبُّه وَل يم صادق لعمر، ومن لوازمه إيضاح كيفية كماله وتمامه لضمان نفعه ودوامه، فلم يتركه دون تنبيه وايضاح للنقص في مشاعره، بل عَلمه وأرشده كيف يُتمّم هذا النقص بقوله: ((حتى أكون أحب…)).

٢. أن حقيقة مشاعر المحبة الصافية المتبادلة لا تحكمها الرغبات ولا هوى النفس، بل تكون وفق حال المحبوب والكيفية الصحيحة بحسب رتبة المحبة، بعيداً عن الصور التي تُروّج لها وسائل الإعلام وتفرضها على ذائقة الناس عند اعتياد مشاهدتها، فمثلاً:

يحب الأبناء أصدقاءهم لكن حبهم لوالديهم أكبر وأهم؛ لأن المحبة تستلزم الطاعة والمتابعة، وطاعة والديهم فيها نفعهم في دنياهم وأخراهم، على خلاف طاعتهم لأقرانهم بدافع المحبة وهم أقل خبرة وأقرب للخطأ.

ويحب الأبناء ألعاباً أو أماكن أو أنشطةً لكن لابد من ترتيبها لهم ببيان مراتبها وأهميتها وأثرها، فحبه لنشاطٍ معين لا ينبغي أن يكون أكثر مِن حبه للصلاة، فلا يُفوِت الصلاة؛ لأنه مشغول بعملٍ يحبه أو لعبة يلعبها.

ثالثاً: وفي جواب عمر للنبي الكريم (فالآن والله لأنتَ أحبَّ إليَّ من نفسي)) إشاراتٌ ودلالات

منها :

  • السرعة في الامتثال، فكان جوابه رضي اللّٰه عنه دون تريُّث أو تحيير ولا تخيير؛ دلالة على صدق المحبة وحقيقتها وشعوره بالثقة التامة، والانقياد التام لمحبوبه وهو أجلُّ محبوب .

 فيما يلحظ في عصرنا أن الآباء لا يكادون يجدون مفرا من نقاش مطول وجدال في بعض المُسلَّمات مع أبنائهم إذا أرادوا توجيههم في سلوك أو فعل، ولعل هذا ناتجٌ عن نمطٍ سادَ لدى الأجيال الحديثة بوجوب الرفض وكثرة الجدل لكل ما هو منسوب لمن قبلهم في محاولةٍ لإثبات الذات ولكن بطرق مغلوطة.

٢. أما قول عمر رضي اللّٰه عنه: ((فلأنت الآن» يقول ابن حجر: ((فجواب عمر أولاً كان حسب الطبع، ثم تأمَّل فعرفَ بالاستدلال أنَّ النبي لهِ أحبَّ إليه من نفسه لكونه السبب في نجاتها من المهلكات في الدنيا والأخرى؛ فأخبر بما اقتضاه الاختيار، ولذلك حصل الجواب بقوله: ((الآن يا عمر)) أي: الآن عرفتَ فنطقت بما يجب)) .

وفي هذا دلالة على أن الرجوع للحق أصوب، وترك الحال الخاطئ والسعي لتغييره للأفضل

والأقوم من لوازم المحبة.

١. لا بأس بالخطأ في المحبة، فكل نقص فيها يجبر بالبيان والتوضيح، وهذا يرفع قدرها ويجعلها تزكو وتربو، وكل ترفُّع عن النصح فيها والتصحيح سببٌ لنقصها وضياعها، يشهد لهذا صدق النبي الكريم في  جواب عمر حين قال: ((الآن ياعمر)) أي: الآن استكملت المحبة بأبهى صورها وأصدقها، فجاء جوابه له بمثابة هدية وجائزة لعمر على سرعة الاستجابة

وهنا يجدر بنا القول: أن مشاعر المحبة الوالدية تجاه الأبناء تعتريها لحظات فتور وضعف، وهذا مرتبط بالتغيرات التي تطرأ للأبناء جسدياً ونفسياً وعمرياً، ومع شيوع أنماط الحياة الجديدة والترويج لها على أنها الأصح من خلال التمرد على الثوابت، ورفض التوجيه ومحاولات إثبات الذات بالمخالفة لغرض المخالفة، يُغذّي هذا الضخ المستمر والدعوات المتتالية من خلال وسائل الإعلام والتواصل المختلفة، ودعم صور التمرد ومحاولات إشهارها وجعلها قدوة للأولاد، مما يدفعهم للتقليد والتجربة.

والحلُّ في مثل هذه الحالات ليس الابتعاد ولا الهجر ولا الترك ولا كثرة العتاب، بل برد الأبناء للجادَّة بالحب، وموفور الحب والنقاش الهادئ، والحوار الفعال المثمر، والاستماع للأبناء مع حسن الإصغاء لهم، وإذا أحسَّ الأبناء صدق المحبة من والديهم فمهما بعدوا أو قسوا فهم لابد عائدون للحضن الامن، والحصن المنيع.

في هذا الحديث النبوي الكريم المزيد مما يمكن استخلاصه والإفادة منه في هذا المجال وتثويره والله الموفق والهادي للصواب ..

نفعنا الله وإياكم بهدي الحبيب المصطفى قولا وعملا

د.إيمان سفيان
+ posts

الوسوم

أخبار ذات صلة

رسالة المسجد في العصر الرقمي.. بين الواقع والمأمول

لقد كان المسجد عبر التاريخ الإسلامي من أهم مرتكزات الحضارة

سلسلة مدرسة أُمنا هاجر (عليها السلام) – الحلقة الرابعة: الأمومة المؤمنة بين الفطرة والتسليم

تمهيد: من أكثر القضايا التي يختل فهمها في بعض الخطابات

الصلاة غذاء الروح وسكينة النفس

المقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء

آخر المقالات

100%