آخر الأخبار

رسالة المسجد في العصر الرقمي.. بين الواقع والمأمول

شارك المقال على:

لقد كان المسجد عبر التاريخ الإسلامي من أهم مرتكزات الحضارة الإسلامية، فللمسجد مكانة سامقة في الإسلام، منه ينطلق الإشعاع الإيماني، والحراك الدعوي العالمي، وإليه يلجأ من يروم صناعة الرجال.

وتتجلى محورية المسجد في العمارة الإسلامية، فالمسجد الجامع في قلب المدن الإسلامية، ومن حوله تتشكل مرافق المدينة الحيوية من إدارات ومتاجر ومصانع ومساكن، ولم يقتصر اهتمام المعماريين المسلمين في تصميم المساجد بالنواحي الجمالية والفنية والعملية في عمارتها، بل أولوا الملحقات الأساسية والفرعية في تخطيط عمرانها لتلبي احتياجات الدور المنوط بها كأماكن للصلاة والتعليم والإفتاء والوعظ والإرشاد.

وبقي المسجد محافظاً على دوره وريادته عبر العصور، إلا أنه في العصور الحديثة تم تجريده من كثير من أدواره فأصبح مجرد مكان لأداء شعيرة الصلاة سرعان ما يغلق بعدها، وأُبعد عن منابرها كثير من الدعاة العاملين والعلماء الربانيين في عدة دول إسلامية، ففقد المسجد دوره كحاضنة للشباب ومكان تتعلق فيه قلوب المؤمنين.

على إدارة المسجد إشراك الشباب في إطلاق مواقع إلكترونية للمسجد لبث الدروس وخطب الجمعة

ولاستعادة دور المسجد الريادي في حياتنا، خاصة في استقطاب جيل الشباب، ما بات يُعرف بـ«جيل زد»، الذي انغمس في استعمال الوسائل الرقمية وصارت جزءاً لا يتجزأ من حياته، لا بد من إطلاق نهضة في العمل المسجدي تلبي احتياجات الشباب، وتستثمر طاقاته في الاتجاه الصحيح لعمارة الأرض، ولاستعادة ريادة المسلمين كحملة لرسالة الله وما يترتب على ذلك من واجبات.

وفيما يأتي بعض المقترحات التي قد تخدم هذا الجانب.

أولاً: المسجد الرقمي:

ليس المقصود بالمسجد الرقمي تحويل المساجد إلى كيانات افتراضية، بل المقصود أن يصبح لكل مسجد في العالم الحقيقي وجود مؤثر في العالم الافتراضي، فتحرص إدارة المسجد على إشراك الشباب في إطلاق وإدارة مواقع إلكترونية للمسجد في المنصات المتاحة، يتم من خلالها بث دروس المسجد وخطب الجمعة، ونشر مقاطع قصيرة لأهم مقتطفات الدروس والخطب، ويطلق منتديات ثقافية يتحاور فيها أهل المسجد وغيرهم فتتلاقح الأفكار وتشحذ الهمم وتتناقل التجارب والخبرات، ومن خلالها يمكن استضافة شخصيات دعوية عالمية شعبية ورسمية تثري الحوار وترفع مستواه.

ومن مهمات المنصات الرقمية للمساجد تفعيل الجانب الاجتماعي لروادها، ومتابعة أحوالهم وأخبارهم، وهذا مدخل عظيم لتحقيق التكافل بينهم وتمتين أواصر الأخوة، ومن خلالها يتعرف الناس على أحوال المسلمين والأقليات الإسلامية في العالم، فنحقق مفهوم الأمة الواحدة، ونصبح بحق أمة الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

ثانياً: المسجد الشامل:

ومن وسائل استقطاب الشباب خاصة ليكونوا من عمار المساجد، تطوير بنية المساجد لتضم في جنباتها قاعات للأنشطة المختلفة كمكتبة رقمية، وقاعة للمنتديات مزودة بأحدث وسائل التقنية، ومتحفاً إسلامياً يربط الشباب بمقدساته، وقاعة دعوية للتعريف بالإسلام، وقاعة لعرض المواد المرئية الإسلامية بتقنية الأبعاد الثلاثية، وقاعة مجهزة لعقد الدورات التدريبية.

من وسائل استقطاب الشباب ليكونوا من عمّار المساجد تطوير بنيتها لتضم قاعات للأنشطة المختلفة

ويكفي وجود مسجد شامل واحد في كل حي من أحياء المدينة، يجمع شبابه في جنباته، يقدم لهم الرعاية المتكاملة الشاملة، ومؤشر النجاح في استقطاب الشباب هو إطالة أمد بقائهم في المساجد حباً ورغبة، والشوق إلى الرجوع إليها بعد خروجهم منها، فيتحقق فيهم «شاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد».

وهناك تجارب ناجحة في تحقيق المسجد الشامل، ولكنها تحتاج إلى تطوير دائم، من ذلك تجربة مسجد الدولة الكبير في الكويت، حيث تقوم إدارته بفعاليات دورية عامة متنوعة، من منتديات ومعارض واستضافات، وأخرى خاصة بغير المسلمين لترغيبهم في الإسلام وتعريفهم بقيمه.

ومنها ما قامت به تركيا مؤخراً؛ حيث افتتحت جامع تشامليجا في إسطنبول، ويضم متحفاً إسلامياً رائعاً، وقاعات عديدة من ضمنها قاعة تعرض أهم المساجد في العالم الإسلامي باستخدام التقنيات الحديثة، بالإضافة إلى مقهى واستراحة.

التحديات

للنجاح في استقطاب الشباب واستعادة دور المساجد كمصانع للرجال، وحاضنة للعلم الشرعي، ومركز للنهوض الحضاري، لا بد من التغلب على التحديات التي تواجه هذا المسار، ويمكن تقسيمها إلى تحديات داخلية وأخرى خارجية.

أولاً: التحديات الداخلية:

إن أبرز التحديات التي تواجه تجسير الفجوة بين جيل الشباب والمؤسسة الدينية بما فيها من مساجد ومراكز ودعاة وخطباء، هو عدم جاذبية الخطاب الدعوي، فما زال الخطاب الدعوي تقليدياً لم يرق إلى استثمار أدوات العصر الحديث الرقمية، وطرق التأثير الفعالة، ولم يقترب من اهتمامات الشباب من حيث الموضوعات المتداولة ولا من حيث طريقة طرحها.

فما زال أسلوب التلقين مهيمناً على المحاضرين، بل إن كثيراً من المحاضرين يمنعون أو يحدون من مشاركة الجمهور وإبداء وجهات نظر أخرى أو طرح أسئلة جريئة، إما لعجزهم عن الإجابة بشكل مقنع، أو لعدم اعتيادهم على مجرد مقاطعتهم أثناء الحديث.

على الدعاة المعاصرين رفع مهاراتهم في التأثير والتمكن من العلوم ومواكبة وسائل التقنية

إن أمام الدعاة المعاصرين تحدياً كبيراً يلزمهم العمل على رفع مهاراتهم في التبليغ والتأثير، والتمكن من العلوم التي يدرسونها، ومواكبة كل جديد من أدوات ووسائل التقنية، والانتقال من أسلوب التلقين -الذي لا يصلح إلا للأطفال في مرحلة سنية مبكرة- إلى أسلوب الحوار المتبادل، وتنزيل العلوم النظرية على الواقع المعيش، والمزاوجة بين الأصالة والمعاصرة، والاهتمام بعلم المقاصد والأولويات والتأصيل الشرعي للنوازل المعاصرة، والاهتمام باحتياجات الشباب وبيان البدائل الشرعية للمحظورات.

وعلى القائمين على العمل الدعوي إشراك الشباب في وضع الخطط والبرامج التي تهمهم وتلبي طموحاتهم، ولا ينبغي التعامل معهم بنوع من الفوقية وفرض طقوس في طريقة تحيتهم واستقبالهم، فالاحترام والتقدير لا يفرض فرضاً، بل يأتي تلقائياً ببركة بذل العلم والإخلاص فيه.

ثانياً: التحديات الخارجية:

التعرف على التحديات يعيننا على التغلب عليها ووضع الحلول المناسبة لتجاوزها، ولعل من أبرز التحديات الخارجية التي تعيق جذب الشباب لعمارة المساجد، هو ضعف صورة المساجد في الإعلام وتصويرها على أنها مجرد أماكن لأداء صلاة الجمع والجماعات، ولعل العمل على مشروعيّ المسجد الرقمي والشامل يصوب نظرة الشباب إلى المساجد.

أما التحدي الخارجي الأكبر فهو ما يمكن تسميته «الحرب الرقمية»، وهي حرب شرسة بين دعاة الفضيلة والرذيلة، حيث يبث أعداء الأمة سمومهم في الفضاء الإلكتروني، وقد نجحوا بدخول عالم الشباب حتى أصبح العالم الافتراضي جزءاً مهماً في حياتهم، ووسيلة فعالة في التأثير عليهم وتوجيه مسارات مستقبلهم، بل صارت البرامج والتطبيقات والألعاب الرقمية تعيد صياغة القيم والأخلاق في المجتمع.

وإن صعوبة توفير أسباب المعيشة الكريمة للشباب في ظل التضخم الاقتصادي الذي تعاني منه كثير من مجتمعاتنا، مع ارتفاع نسبة البطالة، سيؤثر بالضرورة على ارتفاع سن الزواج وتفشي العنوسة بين الإناث والذكور، على حد سواء، وهذا سيزيد من الضغوط النفسية والاجتماعية التي تواجه الشباب مما يقلل من ارتباطه بالمساجد؛ وعليه، فإن الشباب اليوم هم الأكثر حاجة لبيئة صحية تعينهم على مواجهة هذه التحديات وتأخذ بهم برفق إلى بر الأمان، وليس أفضل من المساجد للقيام بهذا الدور الحيوي إن نجحنا في:

1- استعادة دورها الريادي.

2- مواجهة التحديات المتجددة بخطاب ديني يتسم بالمرونة والواقعية.

3- إدارة المساجد من جهة فنية تتعاون مع المختصين في مجالات التقنية، والتدريب والإرشاد الأسري والتوجيه القيمي؛ ما يجعلها أكثر قدرة على تقديم محتوى مؤثر يتماشى مع المتغيرات في عصرنا.

د. إبراهيم أحمد مهنا
+ posts

الوسوم

أخبار ذات صلة

بناء مشاعر الحب وفق المنهج النبوي .. حديث عمر بن الخطاب أنموذجاً

مشاعر الحُبّ من أنبل المشاعر وأطيبها وأقدرها على إحداث سلوكات

سلسلة مدرسة أُمنا هاجر (عليها السلام) – الحلقة الرابعة: الأمومة المؤمنة بين الفطرة والتسليم

تمهيد: من أكثر القضايا التي يختل فهمها في بعض الخطابات

الصلاة غذاء الروح وسكينة النفس

المقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء

آخر المقالات

100%