إنّ لفظ (التّمويل) من المصطلحات الحديثة، ويرجع لغة إلى (المال)، وهو مصدر لمال وموّل، «والمال هو كلّ ما ملكته من جميع الأشياء، قال ابن الأثير: المال في الأصل ما يُملك من الذّهب والفضّة، ثمّ أطلق على كلّ ما يُقتنى ويملك من الأعيان، ومُلْتَ وتَمَوَّلْتَ واسْتمَلْتَ كلّه كَثرَ مالك، وهو ما مَلَكْتَه من شيء». وجاء لفظ (تموّل) في قوله ﷺ لعمر رضي الله عنه حينما تحرّج من مال أعطاه له: «خذه فتموّله، أو تصدّق به». وقريبا منه حديث عمر بن الخطّاب رضي الله عنه حينما استأمر النّبيّ ﷺ في أرض بخيبر، فقال: «…ويطعم غير متموّل…». ومنه تعريف القاضي عبد الوهّاب المال بأنّه: «يقطع في جميع المتموّلات التي تتموّل في العادة، ويجوز أخذ الأعواض عليها». وقال الشّاطبيّ: «وأعني بـ(المال) ما يقع عليه الملك، ويستبدّ به المالك عن غيره إذا أخذه من وجهه، ويستوي في ذلك الطّعام والشّراب واللّباس على اختلافها، وما يؤدّي إليها من جميع المتموّلات».
ويتجاوز مفهوم (المال) النّقد إلى مجال أوسع، ليضمّ العروض، والقنية، والعقارات، والأنعام، والزّروع، والدّيون الثّابتة في الذّمّة، والمنافع والحقوق ذات القيمة الماليّة (كحقوق النّشر والتّأليف وبراءة الاختراعات..)، والأسهم، والصّكوك…. وكلّ ما يمكن تداوله بين النّاس بالمعاوضة، وما يتجاذب فيه النّاس ويتشاكسون.
لقد تطوّر مفهوم (التّمويل Financing) منذ عقود، حتّى ارتبط بمنظومة مؤسّسات الإقراض وقواعد معاملاتها عامّة، فالتّمويل يعني: «توفير الأموال (السّيولة النّقديّة)، من أجل إنفاقها على الاستثمارات، وتكـوين رأس المال الثّابت، بهدف زيادة الإنتاج والاستهلاك». أو هو «توفير المبالغ النّقديّة اللّازمة لإنشاء، أو تطوير مشروع خاصّ، أو عامّ». وعرّفه آخرون بأنّه :«انتقال لرؤوس الأموال في وقت الحاجة إليها من أصحاب الفوائض إلى أصحاب العجز، عن طريق قنوات الوساطة بشتّى أنواعها؛ من أجل الاستغلال الأمثل للموارد المتاحة، وتحقيقا لعوائد في مستوى مقبول من الخطر». ويغلب إطلاق مصطلح (التّمويل) على الإمداد بالمبالغ النّقديّة، أو منح الائتمان المصرفيّ، والاعتمادات المستنديّة، على أساس سعر محدّد للفائدة؛ غالبا بغرض بعث المشاريع الخاصّة، أو العامّة، أو تطويرها، وقت الحاجة إليها.
لم يرد لفظ (التّمويل) في القرآن، بل تمّ التّعبير عنه بمعنى (إيتاء المال) ومنحه للغير بقصد التّمويل؛ سواء على وجه التّبرّع، كما في الهبات والتّطوّعات، أو على وجه الوجوب، كما في الزّكاة، وهو ما سمّي لاحقا بـ(التّمويل غير الرّبحيّ)، أو على الوجه المحرّم في الرّبا، فقال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النّاس فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (الروم/39). وقال تعالى: ﴿أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزّكاة﴾ (الحج/41). وخصّ الوحي التّمويل الرّبويّ بتغليظ تحريمه، وقطع أسبابه في المجتمع الإسلاميّ، ونفي أيّ تشابه متوهّم بينه وبين البيوع والتّجارات، فقال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (البقرة/275). وتُعدّ آية تحريم الرّبا، وتحليل البيع، أصلا للتّمويل الرّبحيّ في إباحة البيوع كلّها بشروطها الصّحيحة، ومنع الرّبا كلّه مهما تعدّدت أنواعه، حتّى قال صاحب “التّحرير والتّنوير”: «و(الـ) في كلّ من (البيع والرّبا) لتعريف الجنس، فثبت بها حكم أصلين عظيمين في معاملات النّاس… وظاهر تعريف الجنس أنّ الله أحلّ البيع بجنسه، فيشمل التّحليل سائر أفراده، وأنّه حرّم الرّبا بجنسه كذلك». ومن صيغ التّمويل ما عبّر عنه القرآن بالقرض الحسن، كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ (البقرة/275)، ومعناه «دفع المال على وجه القربة لله تعالى لينتفع به آخذه، ثمّ يردّ له مثله، أو عينه».
كما عبّر القرآن عن التّمويل بأشهر صيغه المتداولة، وهي (التّداين) في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (البقرة/282)، وإن نزلت هذه الآية في السّلم خاصّة، فقد نقل القرطبيّ أنّها «تتناول جميع المداينات إجماعا». قال صاحب “التّحرير والتّنوير” : «والتّداين من أعظم أسباب رواج المعاملات؛ لأنّ المقتدر على تنمية المال قد يعوزه المال، فيضطرّ إلى التّداين ليظهر مواهبه في التّجارة، أو الصّناعة، أو الزّراعة».
وعبّر الفقهاء عن التّمويل بالمضاربة بأن «يدفع رجل ماله إلى آخر ليتّجر له فيه، على أنّ ما حصل من الرّبح بينهما حسب ما يشترطانه»، وعبّروا عنه في المزارعة «بإعطاء الأرض لمن يزرعها، على أن يكون له نصيب ممّا يخرج منها، كالنّصف، أو الثّلث، أو حسب ما يتّفقان عليه». وقد فصّل الفقهاء القول في ضوابط هذه العقود التّمويليّة، وصيغها الجائزة؛ كالمضاربات، والمشاركات، والمرابحات، والمساقاة، والمزارعة، والمغارسة، والسّلم، والاستصناع، والإيجارات، وغيرها من المعاملات.