العلماء قــدوة المجتمع المسلم وقُـوّته؛

بواسطة : الدكتور أحمد الإدريـــسي

بسم الله الرحمن الرحيم

العلماء قــدوة المجتمع المسلم وقُـوّته؛

بقلم: الدكتور أحمد الإدريـــسي

 

     الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمين، وعلى ءاله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، وبعد؛

     لقد كانت مواقف كثير من العلماء مشرفة ومشرقة من تاريخ أمتنا الإسلامية، مواقف تصور حال العلماء مع الخلفاء والملوك، فكانوا يقولون الحق ولا يخافون في الله لومة لائم، وكانت لهم مكانة خاصة في عين السلاطين وعامة المسلمين.

     وكان العلماء في بعض الأحيان يصطدمون مع السلطة السياسية القائمة في عصورهم؛ حيث يخالف رأي أو موقف الحاكم موقف العالم المستند إلى نصوص شرعية أو إلى اجتهاد مغاير، وكان صمود عدد من العلماء وإصرارهم سببا في إنقاذ الأمة من أخطار محققة مثلما حصل من العز بن عبد السلام إبان حكم المماليك، وكان موقفه سببا في انتصار مصر على الغزو المغولي في معركة عين جالوت (25 رمضان 658هـ)[1].

     فلا ينبغي للعالم أن يلتزم الحياد وعدم الخوض في القضايا السياسية الراهنة، ولو انكبّ عن الوعظ والترغيب والترهيب، وسرد سير السلف الصالح بلا ربط يذكر مع الواقع، ولا اتخاذ مواقف رجولية، أما خوفا من بطش النظم الحاكمة أو سلطة الاحتلال الأجنبي، وقد يبرر بأن إصلاح القلب والنفس مقدم على القضايا الأخرى، أو درء الفتنة، أو أن الأمة تعاقب من ربها بسبب معاصيها.

أولا: الفقـهاء ومسئولية الإصلاح:  

      من أعظم مهام العلماء؛ النظر في أحوال الناس، من حيث أخلاقهم، ومن حيث ما يجري بينهم من المعاملات، فيصلحون ما كان فاسدا، ويصلون ما كان منقطعا. وفي المقابل نرى أنه؛ ما فسدت الأخلاق والمروءات، وشاعت المعاملات التي نهي عنها الدين في غير مبالاة، إلا حين قل من يعظ الناس في ارتكاب المعاملات المخالفة للشرع، ويبين للناس سوء عاقبتها. ونؤكد على مسئولية العلماء ليقوموا بدورهم المطلوب تجاه إصلاح المجتمع، ونشر التعاليم الإسلامية لتطهر المجتمع من فساده الثقافي والإنساني والأخلاقي في السلوك والمعاملات، إضافة إلى نشر قيم التعاون والتواصل الثقافي، والقيم الإنسانية والخلق العظيم والسلوك الرفيع. ثم إن دور العلماء لا يقف عند حد التعليم والإرشاد والتوجيه، بل يتجاوز ذلك إلى المجال السياسي، وتسيير شؤون الدولة، فينبغي أن يكونوا إما مشاركين فيها بالقرار والتدبير وإدارة بعض المؤسسات والأجهزة؛ كجهاز العدل والقضاء مثلًا، أو مستشارين ومفتــين، مع ضمان الحرية التامة لآرائهم.

     وقد أبان عدد من الفقهاء عن شجاعتهم وصرامتهم، من خلال مكافحتهم لمظاهر التطرف والانحراف العقدي، والانحلال الأخلاقي، والسهر على وحدة المسلمين وتماسكهم، والتصدِّي لكل ما من شأنه أن يزعزع أمنَهم واستقرارهم. ومنهم من كانت لهم مواقفَ إصلاحيةٍ حميدة، وإشارات واقتراحات سياسية سديدة، تطالع القارئ لسِيَرهم ومناقبهم؛ فقد "خالطوا الناس، واهتموا بشؤونهم، وأجابوا عن قضاياهم وأسئلتهم، وأبانوا لهم وجهَ الحق، وجانب الصواب في ممارساتهم وتصرفاتهم، "بالمخالطة، والوعظ، والإرشاد، والتربية، والنصيحة المباشرة، لا بمجرد التصنيف في الآداب والأخلاق والقيم النظرية فحسب"[2].

ثانيا: العلماء قــوّة المجتمع، وقدوته:

     الإنسان في حاجة إلى قدوة وإلى مثل أعلى يقتدي به ويقتفي أثره ويحذو حذوه، ويزيد الأمر إلحاحا في العمل بشرع الله تعالى؛ وذلك بسبب ضعف فهم الناس للدين وقلة تطبيقهم لهم، ولغلبة الأهواء وإيثار المصالح العاجلة، لذا يجب تقديم نماذج القدوة حتى تـنشأ الأجيال متأثرا بنماذج إيجابية.

     والإسلام له في مجال صناعة القدوة الحسنة منهجًا متكاملًا من أوامر ربانية وتوجيهات نبوية، ثم تجربة إسلامية عريقة تمتد من زمن السلف الصالح إلى عصور النهضة الإسلامية الممتدة لأكثر من ألف سنة من عمر هذه الأمة.

     ويعتبر تعظيم دور القدوة الحسنة في المجتمع من أهم القيم التربوية والسلوكية التي أكدها عليها الإسلام. وقدوتنا ومعلمنا الأول هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالي: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا" (الأحزاب:21). ثم يأتي دور العلماء والفقهاء، ليكونوا قدوة حسنة في مجتمعهم، وذلك بالتحلي بأخلاق القرآن، والسير على النهج النبوي القويم، واتخاذ أفضل المواقف، والتوجه إلى الأمة بالحكمة والموعظة الحسنة.

        وقد تأكدت حاجة المسلمين في هذه الظروف التي نعيشها إلى قدوات وريادات من الفقهاء والعلماء وغيرهم تكون نموذجا واقعيا ومثالا حيا يرون فيهم معاني الرجولة والثبات، معاني الدين الصحيح علما وعملا، قوة وجهرا بالحق، فيُـقبلوا عليهم ويسمعوا نصائحهم، وينجذبوا إليهم؛ لأنَّ التأثير بالأفعال والأحوال أبلغ وأشدّ من التأثير بالكلام والخطب، وقد قيل:  "شاهد الحال أقوى من شاهد المقال".

ثالثا: نماذج يُحتذى بها:  

1- طاووس بن كيسان (ت 106هـ).

        لما دخل التابعي الجليل طاووس رحمه الله على هشام بن عبد الملك خلع نعليه بحاشية بساطه ولم يسلم عليه بإمرة المؤمنين، ولكن قال: السلام عليك يا هشام. ولم يكنه وجلس بإزائه. وقال: كيف أنت يا هشام؟ فغضب هشام غضبا شديدا حتى همَّ بقتله. فقيل له: أنت في حرم الله وحرم رسوله، ولا يمكنك ذلك. فقال: يا طاووس، ما الذي حملك على ما صنعت؟. قال: وما الذي صنعت. قال هشام: خلعت نعليك بحاشية بساطي ولم تقبِّل يدي ولم تسلم بإمرة المؤمنين ولم تكنني وجلست بإزائي دون إذني، وقلت كيف أنت يا هشام؟. وكان من جواب طاووس: "... وأما قولك لم تسلم عليَّ بإمرة المؤمنين فليس كل الناس راضين بإمرتك، فكرهت أن أكذب، وأما قولك لم تكنني فإن الله سمَّى أنبياءه وأولياءه فقال: يا داود ويا يحيى ويا عيسى، وكنَّى أعداءه فقال: "تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ". وأما قولك جلست بإزائي فإني سمعت أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه يقول: إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار فانظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام. فقال هشام: عظني. قال طاووس: سمعت أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه يقول: "إن في جهنم حيَّات كالقلال وعقارب كالبغال، تلدغ كل أمير لا يعدل في رعيته". ثم قام وخرج[3].

2- الإمام مالك بن أنس(ت 179هـ):

     من الأئمة الأعلام، الذين كانوا قدوة يُـحتدى بها في إصلاح المجتمع؛ الإمام مالك رحمه الله، فقد رُوي عنه أنه قال لأبي جعفر المنصور، لَمَّا أشار عليه بحمل الناس على كتاب واحد: "يا أمير المؤمنين، إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرَّقوا في البلاد، فأفتى كلٌّ في مصره بما رأى، وإن لأهل المدينة قولًا، ولأهل العراق قولًا، فقال أبو جعفر: أما أهل العراق، فتضرب عليه عامتهم بالسيف، وتقطع عليه ظهورهم بالسياط، ولست أقبل منهم صرفًا ولا عدلًا، فالعلم علم أهل المدينة، فضَعْ للناس العلم، فقال مالك رحمه الله: لا تفعل يا أمير المؤمنين، فإن رَدَّهم عما اعتقدوه شديدٌ، فدَعِ الناس وما هم عليه، وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم"[4].

       إن موقف الإمام مالك هذا، وتبصره لمآل ما هَمَّ بفعلِه أبو جعفر المنصور، "يعتبر ضربا من ضروب حِفاظ العلماء على الأمن والاستقرار الاجتماعي، ونوع من أنواع حرصهم على وحدة المسلمين وتماسكهم، حتى تأثر بمنهجه رحمه الله أتباعُه من بعده، وظهر أثرُه في فتاويهم وأقضيتهم، والتزموا به في بلادهم، ومنَعُوا الناس من الخروج عن مذهب مالك لأجل الاستقرار الاجتماعي"[5].

3- أسد بن الفرات (ت 213هـ):

     هو أحد الفقهاء الذين أخذوا عن مالك بالمدينة، كان قائد الجيش الذي فتح صقلية. خرج أسد بن الفرات من القيروان في حملة عسكرية كبيرة قوامها عشرة آلاف من المجاهدين المشاة، وسبعمائة فارس بخيولهم في أكثر من مائة سفينة كبيرة وصغيرة، خرجت من ميناء سوسة على البحر المتوسط وسط جمع عظيم من أهل البلد، الذين خرجوا لتوديع الحملة المجاهدة... ونفذ أسد بن الفرات على رأس جنده إلى شرقي الجزيرة، وهناك وجد قوَّة رومية بقيادة الثائر "فيمي"، الذي طلب مساعدة ابن الأغلب لاستعادة حكمه على الجزيرة، وعرض فيمى على أسد بن الفرات الاشتراك معه في القتال ضدَّ أهل صقلية، ولكنَّ القائد العالم بأحكام الشريعة، رفض الاستعانة بالمشركين تأسِّيًا بالنبي صلى الله عليه وسلم، الذي رفض الاستعانة باليهود يوم أحد[6].

4- شعيب بن حرب (ت 297هـ):

      قال شعيب بن حرب: بينما أنا في طريق مكة، إذ رأيت هارون الرشيد، فقلت في نفسي: "قد وجب عليك الأمر والنهي"، فقالت لي: لا تفعل فإن هذا رجل جبار ومتى أكرهته ضرب عنقك. فقلت في نفسي: لا بد من ذلك. فلما دنا مني صحت: يا هارون، قد آذيت الأمة وأتعبت البهائم، فقال: خذوه. ثم أدخلت عليه وهو على كرسي وفي يده عمود يلعب به. فقال: ممن الرجل؟. فقلت: من أفناء الناس. فقال: ممن ثكلتك أمك؟. قال: من الأبناء، وفي رواية: من الأنبار. قال: وما حملك أن تدعوني باسمي؟. قال شعيب: فورد على قلبي كلمة ما خطرت لي قط على بال، قال: فقلت له: أنا أدعو الله باسمه فأقول يا الله، يا رحمن، وما ينكر من دعائي باسمك، وقد رأيت الله سمى في كتابه أحب الخلق إليه محمد، وكنى أبغض الخلق إليه أبا لهب. فقال: أخرجوه[7].

5- الإمام ابن حزم الظاهري، الأندلسي، (ت 456هـ):

        كان ابن حزم الأندلسي الظاهري من العلماء الذين خالطوا السلاطين وحذروهم من موالاة اليهود الذين عُرفوا بمكرهم وخُـبثهم، قال رحمه الله: (إن أملي لقوي وإن رجائي مستحكم في أن يكون الله تعالى يُسلِّط على من قرب اليهود وأدناهم وجعلهم بطانةً وخاصةً، ما سلط على اليهود، وهو يسمع كلام الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا لا تَتَّخِذُوا اليَهودَ وَالنَّصارى أَولِياءَ بَعضُهُم أَولِياءُ بَعضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِنكُم فَإِنَّهُ مِنهُم إِنَّ اللهَ لا يَهدِي القَومَ الظّالِمينَ﴾. وعرض ءايات في الباب، ثم قال: "فمن سمع هذا كله، ثم أدناهم وخالطهم بنفسه من ملوك الإسلام فإنه إن شاء الله تعالى قمين[8] أن يحيق الله عز وجل به ما أحاق بهم من الذلة والمسكنة والهوان والصغار والخزي في الدنيا سوى العذاب المؤلم في الآخرة")[9].

6- العز؛ بن عبد السلام، (ت 660هـ). هو عبد العزيز بن عبد السلام، المغربي أصلاً، الدمشقي مولداً، ثم المصري داراً ووفاة، والشافعي مذهباً، الإمام الفقيه والعالم المجتهد.

      كانت تخشاه السلاطين والملوك. ولم يشغله العلم عن مقاومة الظلم ومواجهة الحُكام والجهاد ضد الأعداء. وعاش في شبابه ظروفا سياسية مضطربة، وعصرَ ضعف وانهيار الدولة العباسية والانشقاقات الداخلية وتكالب الصليبيين والمغول على الأمة. في هذه الظروف فضّل كثيرون من أهل العلم السكوت عن الحق واعتزال المشهد العام، في حين انخرط العز في قلب هذه الأزمات مقدمًا صورة مغايرة للعالم المسلم الذي يجاهد في سبيل الله ولا يخشى أحدًا. وأنقذ المسلمين من التتار إبان حكم المماليك، وحرضهم على القتال، حتى انتصروا في مصر على الغزو المغولي[10].

7- الإمام النووي (ت 676هـ). 

       لما خرج الظاهر بيبرس إلى قتال التتار بالشام، أخذ فتاوى العلماء بجواز أخذ مال من الرعية يستنصر به على قتالهم، فكتب له فقهاء الشام بذلك فأجازوه. فقال: هل بقي أحد؟. فقيل له: نعم بقي الشيخ محيى الدين النووي. فطلبه فحضر. فقال له: اكتب خطابك مع الفقهاء، فامتنع. فقال: ما سبب امتناعك؟. فقال النووي: أنا أعرف أنك كنت في الرق للأمير بندقار وليس لك مال، ثم منَّ الله عليك وجعلك ملكا وسمعت عندك ألف مملوك، كل مملوك له حياصة من ذهب، وعندك مئتا جارية لكل جارية حق من الحليّ، فإذا أنفقت ذلك كله وبقيت مماليكك بالبنود والصرف بدلا من الحوائص وبقيت الجواري بثيابهن دون الحليّ، أفتيتك بأخذ المال من الرعية. فغضب الظاهر من كلامه، وقال: أخرج من بلدي -يعني دمشق-. فقال: السمع والطاعة، وخرج إلى نوى. فقال الفقهاء: إن هذا من كبار علمائنا وصلحائنا وممن يقتدى به، فأعده إلى دمشق. فرسم برجوعه، فامتنع الشيخ. وقال: لا أدخلها والظاهر فيها، فمات بعد شهر[11].

8- شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728هـ):

      كانت لشيخ الإسلام ابن تيمية مواقف العلماء الربانيين، حيث أنقذ المسلمين من مذابح التتار، لما حرضهم على القتال ونههاهم عن الفرار، قال رحمه الله: (... وهي أحد ما اعتمدته في تحضيضي المسلمين على غزو التتار، وأمري لهم بلزوم دمشق، ونهيي لهم عن الفرار إلى مصر، واستدعائي العسكر المصري إلى الشام)[12].

9- الدكتور يوسف القرضاوي:

     انتقد الشيخ يوسف القرضاوي روسيا في دعمها العسكري للأسد بما يمكّنه من قتل شعبه، مطالبًا موسكو بوقف الدعم لبشار الأسد إن كانت لديها نية صادقة في التقارب مع العرب. وطالب مجلس الأمن بإصدار موقف واضح من الثورة السورية، وحث على التحرك العسكري لوقت نزيف الدم في سوريا، مؤكدًا أنه واجب على أحرار العالم والأمم المتحدة والمنظمات الدولية الوقوف بجانب الشعب السوري[13]. وأشار الدكتور القرضاوي، في مناسبات عدة إلى أن الأمة الإسلامية مستعدة للتضحية والجهاد، وأنه لابد للشعوب الإسلامية من المناداة بالجهاد للدفاع عن دين الله وشريعته.

     وفي أيامنا هذه، انكشف أمر المطبعين مع الكيان الإسرائيلي، فجاء موقف الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين واضحا في الدفاع عن فلسطين والمقدسات الإسلامية وقضايا الأمة، ونظّـم علماء ومفكرون ندوات وأنشطة علمية للردّ على كل من يسوغ للطبيع ويُدافع عنه، ومنها ندوة " نحو تفكيك خطاب علماء التطبيع".

     وبعدها بأيام كان ردّ أمين عام الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين؛ الشيخ علي محيي الدين القره داغي على الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، حين هاجم المسلمين، وادعى أن الإسلام في أزمة، وهو الردّ الذي وصفته ب"الرد الجميل".

خــاتـمة:

      العلماء لهم دورٌ رائد في أحلك المواقف وأصعب الأزمات، حرصا منهم على الاستقرار الاجتماعي والأمن الروحي، والدعوة لا تنهض بالأمة إلا علماؤها وفقهاؤها بعد أن يوحدوا صفوفهم ويجمعوا كلمتهم، كما قال محمد الخضر حسين: (أدركنا شدة الحاجة إلى أن يكون المتصدي للدعوة جماعة مؤلفة من رجال رسخوا في علوم الشريعة وألمّـوا بالعلوم العمرانية، والشؤون المدنية، يجتمعون فيبحثون ويسيرون تحت راية الإخلاص والإنصاف ولو تقارب ما بين من درسوا علوم الإسلام، ومن درسوا العلوم الأخرى من المؤمنين وتعاونوا على الدعوة، لأقاموها على وجهها المتين وشادوا من قوة إيمان الأمة وشرف أخلاقها وسعة معارفها وشدة عزمها حصوناً تتساقط دونها مكائد عدوها خاسئة)[14].

      إن مسئولية الإصلاح تعود أساسا إلى العلماء في أن يقوموا بواجبهم تجاه في إصلاح المجتمع، فإن وجوه الإصلاح كثيرة، وذلك لأجل التصدي للمنكرات والفساد الأخلاقي والأمراض الروحية، ولأجل نشر تعاليم الدين الحنيف ليكون المجتمع المسلم نموذجاً حياً للبشرية. ولا بد من شورى ومؤسسات علمية قوية وصادقة يجتمع عليها العلماء للخروج برأي موحد، ونبذ أي عالم أو مؤسسة تـبـيح الاستبداد أو تشجع القتل من أي حاكم كان، وبأي ذريعة كانت. نسأل الله اليقين والثبات على الحق.

والحمد لله رب العالمين.

*الدكتور أحمد الإدريـــسي: عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وباحث في المالية والاقتصاد الإسلامي

 


[1] - أبو العباس، تقي الدين أحمد بن علي المقريزي. السلوك لمعرفة دول الملوك، حوادث سنة 658 هجري.

[2] - د.هيثم بن فهد الرومي، إصلاح الفقيه فصول في الإصلاح الفقهي؛ (مركز نماء للبحوث والدراسات،

    بيروت - لبنان، الطبعة الثانية: 2017م). الصفحة: 56.

[3] - ابن خلكان: وفيات الأعيان. (دار صادر – بيروت)، ج: 2 / ص: 510.

[4] - القاضي عياض، ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك؛ تحقيق: عبد القادر

     الصحراوي، (وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - المغرب، الطبعة الثانية 1403 هـ، 1983م).

     ج:2 / ص:72.

[5] - هيثم بن فهد الرومي، إصلاح الفقيه فصول في الإصلاح الفقهي، (مرجع سابق). الصفحة: 41.

[6] - شمس الدين، الذهبي. سير أعلام النبلاء. (الناشر بيت الأفكار). ج: 10 / ص: 225-226.

[7] - ابن خلكان: وفيات الأعيان، ج:2/ص:471. الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد، ج:10/ص:330.

[8] - معنى قمين: جدير.

[9] - رسائل ابن حزم، ج: 3 / ص: 67.

[10] - يُـنظر: تاج الدين السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، (هجر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 1413هـ). ج:5/ص:83.

[11] - السيوطي، جلال الدين، حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة. (دار إحياء الكتب العربية). ج:2 / ص:105.

[12] - فتاوى ابن تيمية، (دار الكتب العلمية، الطبعة الثنية، 2005م). ج: 27 / ص: 222.

[13] - ينظر: جريدة السبيل الإلكترونية، بتاريخ: الجمعة 14 يونيو 2013.

[14] - محمد الخضر حسين: الدعوة إلى الإصلاح، (المطبعة السلفية، القاهرة، طبعة: 1346هـ).

     الصفحة: 16.

 

اترك تعليق