نوح ﷺ والطوفان العظيم (ميلاد الحضارة الإنسانية الثانية)

بواسطة : علي محمَّد محمَّد الصَّلَّابيِّ

نوح ﷺ والطوفان العظيم (ميلاد الحضارة الإنسانية الثانية)

  بقلم: علي محمَّد محمَّد الصَّلَّابيِّ

 

مقدمة

إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1].

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70 -71].

اللَّهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، ولك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرِضى.

أما بعد هذا الكتاب امتدادٌ لمشروعٍ علمي جديد يتعلق بالدراسة المستفيضة عن أولي العزم وقصص الأنبياء والمرسلين في القرآن الكريم.

وهو جزء من موسوعة ﴿أولوا العزم من المرسلين﴾ التي أحلم بإتمامها، وأرجو من الله تعالى أن تكون لوجهه الكريم خالصة، ولعباده نافعة، فإن البشرية في أشد الحاجة لمعرفة سير الأنبياء والمرسلين من خلال كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وشرح تراجمهم وأخلاقهم وأصول دعوتهم من أحاديث الرسول ﷺ الصحيحة، وأقوال العلماء الراسخين بأسلوب عصري يلائم المرحلة التي تمرُّ بها الإنسانية الباحثة عن إجابات شافية لتساؤلها عن الله والكون والحياة، والجنة والنار، والقضاء والقدر، والرسالات والنبوات والحضارات الإنسانية القديمة، ومتى نشأت؟ وما مصيرها؟ وسنن الله في خلقه، وأصول الأخلاق، والقيم الروحية...إلخ، وإدارة الصراع بين الحق والباطل والهدى والضلال والخير والشر والكفر والإيمان...إلخ.

إنني أحمد الله العلي الكبير أن وفقني للاهتمام بهذه المواضيع، وأحمده وأشكره على نعمه التي لا تحصى ولا تعدّ، وأسأله أن يمدني بتوفيقه وتسديده وتأييده في الكتابة المنهجية النافعة لبني الإنسان، وأن يطرح لها القبول بين الناس، ويجعلها سبباً في هداية الباحثين عن الحقائق الكبرى في الوجود للوصول إلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، وأن تسهم هذه الكتابات في تنوير العقول وتطهير النفوس وتزكية الأرواح البشرية؛ لاستشراف الحق والتمسك به والذود عنه.

ويتحدث هذا الكتاب عن النبيِّ نوح عليه السلام، وقد سميته {نوح عليه السلام والطوفان العظيم وميلاد الحضارة الإنسانية الثانية}، وقد قسمته إلى مجموعة من المباحث، وهي كالآتي:

 

 

في المبحث الأول:

تحدثت فيه عن فترة ما قبل نوح عليه السلام، وبيَّنت أنه ليس بين آدم ونوح رسول، وأن الأصل في الإنسان التوحيد، وشرحت فيه الآيات التي أكدت هذا الأمر:

كقوله تعالى: ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ [البقرة: 213].

وقال تعالى: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الروم:30] .

وقال تعالى:﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ﴾[الأعراف: 172].

ووضحت من خلال القرآن الكريم أنَّ التوحيد هو أصل دعوة الرسل، وإليه دعوا أقوامهم، قال تعالى: ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: 13] .

وذكرت أقوال علماء الآثار والباحثين في الأديان في أصل التوحيد، وتطرقت إلى أول شرك وقع في بني آدم، واعتمدت على القرآن الكريم في المادة التاريخية، واعتبرته مصدراً لا يعلو عليه، ونسبة الحقيقة فيه مطلقة 100% غير قابلة للشك ولا الطعن؛ لأنه كتاب الله الذي " لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ "، فقد احتوى على معلومات عظيمة متعلقة بسير الأنبياء والمرسلين وقصصهم، قال تعالى: ﴿وَكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [هود120].

في المبحث الثاني:

كان الحديث فيه عن دعوة نوح عليه السلام، ومعنى النبيِّ والرسول في اللغة والاصطلاح وحقيقة النبوة، والحكمة من بعث الرسل والأمور التي تفرد بها الأنبياء، كالوحي وعدم التوريث وأعينهم تنام وقلوبهم لا تنام، والأرض لا تأكل أجسادهم وعصمتهم وأهمية الإيمان بالرسل والأنبياء والمرسلين، وكون نوح من أولي العزم، وكونه أول الرسل إلى أهل الأرض، والأب الثاني للبشرية، وأبو الأنبياء والمرسلين، ووصف﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ﴾ [الإسراء:2]، والمدة التي عاشها نوح عليه السلام على الأرض.

وتكلمت عن توحيد الله في رسالة نوح عليه السلام وقيامه بدعوة قومه إلى عبادة الله وتقواه وطاعته وإفراده بالعبادة، وأن الإسلام هو دين نوح عليه السلام والرسل جميعاً، وأن الأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد.

في المبحث الثالث:

وضحت فيه مواقف قوم نوح من دعوته من سورة هود، وسور الأعراف والمؤمنون والشعراء، وكيف كان رد نوح على شبهاتهم بالفعل والمنطق والحجة والبرهان، كقوله لقومه: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ [هود:28]، وكيف واجه قومه بالتحدي والشجاعة والتوكل على الله لما آذوه واتهموه بالجنون والضلال، وسخروا منه وأساؤوا الأدب معه، وتوعدوه بالرجم وغير ذلك، فتحداهم أكبر التحدي قال تعالى: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنظِرُونِ * فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ﴾ [يونس:71-73] .

ووقفت على صفات قوم نوح عليه السلام متأملاً ومتدبراً الآيات القرآنية التي وضحت أنهم:

  • ﴿كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ [الأعراف: 64] عمون
  • ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [هود: 44] ظالمون
  • ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنبياء: 77] قوم سوء
  • ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ [القمر: 9] التكذيب
  • ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الذاريات: 46] فاسقون
  • ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ  إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾ [النجم: 52] الطغيان

وذكرت معوقات قبول دعوة نوح عليه السلام من قومه والتي منها:

  • المعوق الأول: الكبر
  • المعوق الثاني: العناد
  • المعوق الثالث: التقليد الأعمى
  • المعوق الرابع: الوثنية
  • المعوق الخامس: الملأ، وقد تم شرحها في الكتاب مع تفعيل أعمال الملأ من المكر والترف.

في المبحث الرابع:

وتناولت فيه بيان نوح لربه تجاه قومه وشكواه من معصيتهم له، ودعاؤه عليهم في سورة نوح حيث فسرت الآيات التي جاءت في سورة نوح بأسلوب سهل مع عمق وعلم واستفادة من علماء التفسير الكبار، وكانت هناك وقفات من خلال الآيات مع أساليبه في الدعوة في السر والعلن والليل والنهار والحرص على هدايتهم، وترغيبه لقومه وحثهم على الاستغفار، حتى ينالوا مغفرة الله، وتنهال عليهم الخيرات، قال تعالى: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ﴾ [نوح 10-12]، ودعوتهم إلى التفكر في عالم الأنفس﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا* وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾[نوح 13-14]، ودعوتهم إلى التفكر في السموات والأرض وما فيهن، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح: 15-16]، ودعوته إلى التفكر في البعث والنشور﴿وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا* ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ [نوح:17-18]، ودعوته لتذكر نعم الله في تسهيل العيش على الأرض﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا * لِّتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾ [نوح: 19-20]، وعرضت الآيات التي بيَّنت شكوى نوح عليه السلام من معصية قومه له، ودعاؤه عليهم، وتفسير العلماء لهذه الآيات الكريمة إلى نهاية سورة نوح عليه السلام.

 

في المبحث الخامس:

كان الحديث فيه عن سفينة نوح عليه السلام والطوفان العظيم، وتفسير الآيات المتعلقة بهذه الأمور ابتداءً من:

 قول الله تعالى: ﴿ وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [هود:36].

وقوله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ [هود:37].

وقوله تعالى: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ  قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ* فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ [هود:38-39].

وقوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ * وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [هود:40-41].

وكيف تم إغراق الأرض بالماء؟ وكيف حدث الطوفان؟ وبيَّنت ذلك الحدث الكوني العظيم من خلال الآيات الكريمة التي ذكرها الله في سورة القمر: قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ* فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ* فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ* وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ* وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ* تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ* وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ* فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر:9-16].

وتحدثت عن الحوار الذي ذكره الله بين الأب المؤمن بالله العظيم الحريص على سلامة ابنه في دينه ودنياه، وبين الابن العاق البعيد عن هداية الإيمان المنغمس في سجن الكفر والضلال في قوله تعالى: ﴿وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ* قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود:42-43].

وفي غمرة الأحداث التي تصورها الآيات القرآنية، وبين صخب الأمواج التي تنحسر وتمتد في بحر هذه الأرض كلها، ينطوي هذا المشهد فجأة لنرى من ورائه مباشرة عودة الهدوء إلى الدنيا ورجوع كل شيء إلى نظامه السابق، فقد هدأت الزمجرة وسكتت العاصفة، وولدت الدنيا كما كانت من جديد، وتعال فلنتأمل في اللوحة الإلهية التي رسمت هذا المشهد[1]، قال تعالى: ﴿ وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [هود:44] .

إن هذه الجمل القرآنية العجيبة تصور لك معنى الإرادة الإلهية وسلطانها الرهيب المنبسط على الكون كله، بل القابض عليه كله، تتصرف به كما تشاء في سمائه وأرضه، وبحاره وجباله وفي كل شيء، ليس في حسابها أي معنى لكبير وصغير أو لعظيم وحقير، ألا ترى كيف علقت الآية رجوع كل شيء إلى ما كان عليه بعد أن التقت مياه السماء والأرض على طوفان هائل مخيف على كلمة صغيرة "وقيل"؛ لتصور لك سهولة الأمر وأنه لا يحتاج إلا لهذا الأمر الإلهي الذي به قيام الدنيا وزوالها.

وقد وقفت مع سؤال نوح عليه السلام ربه في شأن ابنه وطلبه المغفرة والرحمة من عند الله متأملاً ومتدبراً ومسترشداً بأقوال علماء أهل التخصص من أئمة التفسير في قوله تعالى: ﴿وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ* قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود:45-46-47].

وذكرت زوجة نوح الكافرة وماذا قال الله فيها، مستخرجاً الدروس والعبر والفوائد من الآيات الكريمة من قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التحريم:10].

إنَّ نوحاً عليه السلام جاء في نهاية الحضارة الإنسانية الأولى والتي بدأت من آدم عليه السلام، ثم انحرفت عن التوحيد وإفراد العبادة للخالق العظيم وتطورت الحياة الإنسانية على وجه الأرض في قضاياها المادية، وضعفت وأخطأت السبيل في قيمها الروحية ومعرفتها بخالقها العظيم، فأرسل الله عز وجل نوحاً عليه السلام إلى قومه فأقام عليهم الحجة، ومضت سنة الله في زوالهم واستئصالهم وآمن معه القليل الذين أنشأ بهم حضارة السلام والبركات بعد الطوفان العظيم.

 

إنَّ من أسباب ونهاية الحضارة الإنسانية الأولى عوامل عديدة من أهمها:

- الكفر بالله عزَّ وجل: وقد رفض قوم نوح دعوة التوحيد ورسالات الله وكفروا بها وحاربوها، ووصفهم الله بالكفر كما مر معنا في قوله تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ [هود:27].

- الشرك بالله: وقد سجل القرآن الكريم موقفهم النهائي من الشرك وعبادة الأصنام بعد المواعظ البليغة والنصائح الغالية التي بذلها لهم نوح عليه السلام، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:23].

- الظلم: يعتبر من أكبر عوامل سقوط الحضارات وزوال الأقوام:

قال تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:14].

وقال تعالى: ﴿ وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ﴾ [هود:37].

وقال تعالى: ﴿ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [هود:44].

- تكذيب الرسول الكريم (نوح عليه السلام): وردت آيات كثيرة تدل على أن تكذيب الرسل كان سبباً في هلاك الأمم السابقة وهذه الآيات واضحة الدلالة وصريحة في العلاقة بين تكذيب الرسل وبين ما حاق بهم من الهلاك والدمار

قال تعالى: ﴿ وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ ۝ وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَىٰ فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [الحج:42-44].

وقال تعالى: ﴿ وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً ﴾ [الفرقان:37].

- إيذاء نوح عليه السلام بأنواع الإيذاء ودعاؤه عليهم:

قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ [القمر:9].

وقال تعالى: ﴿قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ ﴾ [الشعراء:116].

وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ﴾ [الصافات:75].

وقال تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ ﴾ [القمر:10].

وقد استجاب الله لنبيه فأغرق الكافرين الظالمين عن آخرهم.

- استعجال العذاب: ومن أسباب العقاب الإلهي الذي نزل بقوم نوح، استعجالهم بالعذاب فقوم نوح عندما يئسوا من مناهضة الحجة بالحجة أخذتهم العزة بالإثم واستكبروا وأبوا الإذعان للبرهان العقلي والفطري وإذا هم يتركون الجدال إلى التحدي، فقد كانوا قوماً عمين، قال تعالى: ﴿ قالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [هود:32] .

الجدال بالباطل: قال تعالى: ﴿ مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ * كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ﴾ [غافر:4-5] .

- الترف: ومن أسباب العقاب الإلهي الترف، قال تعالى: ﴿ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾ [هود:116‑117].

وبيَّن نوح أن جماهير قومه اتبعوا رؤساءهم وأهل الثروة منهم الذين لم يزدهم كثرة المال والولد إلا ضلالاً في الدنيا وعقوبة في الآخرة، قال تعالى: ﴿ وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا ﴾ [نوح:21].

- البطر: ومن الجرائم التي يعاقب عليها الأمم البطر، والبطر: هو الطغيان والإشراك وكفر النعم، قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا  فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا  وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص:58] .

ولقد قام نوح عليه السلام بتذكير قومه بنعم الله عليهم في الانفس والآفاق، قال تعالى: ﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا * أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا * وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا * وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا * لِّتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا ﴾ [نوح:13-20]، لكن القوم اعتادوا البطر وكفران النعم، فمضت فيهم سنة الله عز وجل.

- الاستكبار: ومن أسباب هلاك قوم نوح الاستكبار، قال تعالى: ﴿ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ﴾ [نوح:7].

- المكر: لقد تعرض نوح عليه السلام لأمر عظيم من مكر الكافرين، قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا ﴾ [نوح:22].

وقد كان المكر صفة بارزة في قوم نوح، واستخدم الملأ من قومه كافة وسائل وأساليب المكر لصد الناس عن دعوة التوحيد والاستجابة لعبادة الله، وآثروا الشبهات والاتهامات الباطلة ووضعوا العوائق والعراقيل أمام دعوته، لقد دبروا الحيل ونصبوا الحبائل ليمكروا بنوح عليه السلام فأبطلها الله وجعلها سبيلاً لهلاكهم، ومضت سنة الله في الماكرين، قال تعالى: ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ [الانعام:123].

- الخطايا والذنوب: إن من أسباب سقوط وهلاك الحضارة الإنسانية الأولى ظهور المعاصي وارتكاب الخطايا والانغماس في الذنوب، قال تعالى: ﴿ مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا ﴾ [نوح:25].

- الاشتغال بالدنيا ونسيان الآخرة: فقد اشتغل قوم نوح بأمور الدنيا وأصابهم الغرور بها، ونسوا الآخرة وفرحوا بالأموال والأولاد والمتاع الزائل وغاب عنهم الاستعداد ليوم الرحيل وتطاولوا على أهل الإيمان ووقعوا في سنة الاستدراج الرباني، فكثرت أموالهم وأولادهم وأبطرتهم هذه النعم الكثيرة وتحقق فيهم قول الله تعالى: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:44-45].

- سنة الاستبدال: قال تعالى: ﴿ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم ﴾  [محمد:38]، فقد مضت سنة الله في الاجتماع البشري على أنه ما أهلك قوماً إلا أنشأ من بعدهم قوماً آخرين يقومون بعمارة الأرض، والحضارات كما أن لها سنن قيام وسقوط، لها سنن تجدد وانبعاث واستبدال، وقد تحدث القرآن الكريم عن الاستبدال الحضاري، وهذا ما حدث لقوم نوح عليه السلام حيث تجمعت فيهم أسباب الهلاك، فمضت سنة الله فيهم بالطوفان، ولكي تستأنف الإنسانية رسالتها استبدلها الله بنوح عليه السلام والذين آمنوا برسالته.

- سنة الله في الأجل الجماعي: قال تعالى: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ [الأعراف:34]، كما جعل الله عز وجل لكل فرد أجلاً تنتهي به حياته الدنيا، جعل سبحانه وتعالى للأمم والحضارات آجالاً تنتهي إليها وتسقط في نهايتها ويسدل الستار عليها، وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ * مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ ﴾ [الحجر:4-5].

وبيَّنت الآية أن كل القرى الهالكة كان لها اجل مقدر في أسباب هلاكها، وذلك لما أقام الله الحجة على أهلها بتقديم النُّذُر وفرص الإمهال وسنن الاستدراج[2]، الذي قدره الله لها مرتب على سلوكها وأعمالها وعلى اعتقادها وصورها، ومن خلال هذا تنفذ مشيئة الله، فلا يغر المكذبين تخلف بأس الله عنهم فترة من الوقت، ومن عدل الله أن يذوق كل واحد جزاء عمله وتصرفه، وسنة الله في طريقها المعلوم تمضي رويداً رويداً نحو الأجل المقدر الذي يمنحه الله لتلك القرى، وحتى لا تبقى بقية خير، عند ذلك تبلغ الأمة أجلها وتنتهي إلى مصيرها[3]، وما من أمة عرفت الحياة ثم تمردت عن الحق وتولت عن العدل إلا والله مهلها قبل يوم القيامة أو معذبها، وهذا قدر مقدر في الكتاب المسطور، قال تعالى: ﴿إِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا ﴾ [الإسراء: 85].

وهذا ما حدث لقوم نوح، حيث بعث الله لهم رسولاً لهدايتهم فردوا دعوته كبراً وعناداً، وأعرضوا عنها جحوداً وطلبوا منه تعجيل العذاب وكذبوا وجحدوا وظلموا وبطروا وأترفوا ...إلخ فوقع عليهم العقاب الإلهي بسبب ذنوبهم مع تقدير الله لهم وفق سنة " لكل أمة أجل " فعلم الله لا يتبدل وسنته لا تتحول وهي جارية وحاكمة وفق مشيئته وإرادته وعلمه وحكمته سبحانه وتعالى.

- سنة الهلاك: قال تعالى: ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ﴾ [الإسراء:17]، ويفهم من هذه الآية الكريمة أن الهلاك بدأ بقوم نوح، ثم استمر إلى الفترة ما قبل البعثة النبوية حيث كان هلاك أصحاب الفيل.

والهلاك في الاصطلاح القرآني هو: هو ما ينزله الله تعالى بأعدائه من العذاب المستأصل المبيد، وقد ورد هذا بكثرة في حديث الكتاب العزيز عن مصير الأمم الغابرة التي انحرفت عن جادة الصراط المستقيم وجحدت أوامر الله عز وجل وآذت رسله. ومن أصناف الهلاك الذي حل بقوم نوح الغرق، فكان عقاباً وهلاكاً عليهم.

- سنة الخسران: فقد تحققت سنة الخسران في قوم نوح، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [ الزمر: 63 ] من سنة الله أن الكافرين لا يفلحون، وأنهم خاسرون، وهي سنة نافذة لا تتخلف، كما أن الفلاح للمؤمنين طرف من سنن الله الجارية، ولقد خسر قوم نوح الإدراك والبصيرة فضاعوا في صحاري الشبهات وبحار الشهوات ووديان الضلال، ومضت فيهم سنة الخسران.

- الغفلة عن أسباب الهلاك:ومن أسباب هلاك قوم نوح ومضيّ سنة الله فيهم، غفلتهم عن أسباب الهلاك، فلم ينتبهوا إلى خطورتها بل مارسوها على مستوى الأفراد والمجتمع.

إنَّ القرآن الكريم في قصة نوح عليه السلام وجه الأنظار إلى الاعتبار بأحوالهم، وهي مليئة بالدروس والعبر والفوائد والسنن وقوانين الله في حركة الشعوب وزوال الحضارات وازدهارها.

هذه بعض الأسباب التي وصلنا إليها من خلال البحث والدراسة في معرفة عوامل هلاك الحضارة الإنسانية الأولى، واللافت للنظر أن مقومات حضارة جديدة بزغت من خلال محنة نوح عليه السلام وساهمت في انطلاقها بعد هبوط السفينة على الجودي، وقد بدأت باسم الله والحمد لله على النجاة من القوم الظالمين، والدعاء لله بأن ينزلهم منزلاً مباركاً والله خير المنزلين.

وكانت بذور تلك الحضارة متوفرة في سفينة نوح عليه السلام من الإنسان والحيوان والطيور والنباتات، مع القيم الروحية والمبادئ الأخلاقية، والتطورات الفكرية عن الله والحياة والكون والوجود والجنة والنار والرسالة والنبوة ...إلخ من خلال وحي الله عز وجل لنوح عليه السلام.

هذا وقد حذرت من خطورة الخرافات والأساطير والإسرائيليات والموضوعات التي ألصقت بقصة نوح عليه السلام، وقد لعبت الإسرائيليات دوراً عكر صفاء قصة نوح عليه السلام في كثير من الأحايين، وليس هناك باحث منصف يستطيع أن ينكر أثر الإسرائيليات في هذه الروايات التي تجنح إلى الخيال أحياناً، وإلى منافاتها العقيدة الإسلامية الصحيحة أحياناً أخرى، وإلى تعارض بعضها مع البعض الآخر في مناسبات كثيرة.

ومن الإسرائيليات - على سبيل المثال لا الحصر-: ما ذكره ابن كثير نقلاً عن التوراة فقال: وقد ذكر أن [حاماً ] ــ ولد نوح ــ واقع امرأته في السفينة فدعا عليه نوح أن تتشوه خلقة نطفته فولد له ولد أسود، وهو [ كنعان بن حام ] جد السودان، وقيل: بل رأى أباه نائماً، وقد بدت عورته فلم يسترها، وسترها أخواه، فلهذا دعا عليه أن يغير نطفته وأن يكون أولاده عبيداً لإخوته، وغير ذلك من الأخطاء والموضوعات والإسرائيليات المخالفة للمعقول والمنقول، والتي للأسف تأثرت بها كتب التواريخ وأيام الناس وتسربت إلى التفاسير، فنسجت خرافات وأساطير شوهت كتب التراث، ولذلك يجب تنقية كتب التراث منها، والاعتماد أولاً وأخيراً على الرؤية الحضارية القرآنية التي قدمها القرآن الكريم وما ثبت عن رسول الله ﷺ في قصة نوح عليه السلام.

وفي هذا الكتاب تم  الكشف عن الافتراءات التي نسبها بعض علماء بني إسرائيل إلى نوح عليه السلام، وتحدثت عن مسألة: هل عم طوفان نوح الكرة الأرضية؟ وبيَّنت أقوال العلماء في هذه القضية التي أخذت حيزاً من التفكير الإنساني، ووضحت اهتمام علماء الآثار وتاريخ الأديان بالطوفان العظيم، وكشفت بعض الروايات ضعيفة الإسناد التي نسبت للرسول ﷺ، وتكلمت عن رأي العلماء في مصير الأطفال من قوم نوح عليه السلام.

المبحث السادس:

كان الحديث فيه عن ميلاد الحضارة الإنسانية الثانية، وذكرت أقوال العلماء وأهل التفسير في قول الله تعالى: ﴿ قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِّنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [هود: 48- 49].

وذكرت في هذا المبحث صفات نوح عليه السلام وأخلاقه التي تجسدت في شخصه الكريم، فقد كان من أولي العزم من الرسل الذين حققوا التوحيد وإفراد الله بالعبادة، ودعوا إلى ذلك وآمن بعض الناس برسالته وربيَّ من اتبعه على أخلاق وصفات حميدة ساهمت في تأسيس الحضارة الإنسانية الثانية من أهمها:

الإخلاص، والصبر، والتقوى، والاستغفار، والدعاء، والعبودية: من شكرٍ لله وكثرة السجود وتوكل، وذكر ويقين وإحسان، والعلم والعفة والأمانة والثبات وبرّ الوالدين، وغير ذلك مما غرسه نوح عليه السلام في أتباعه مما ساهم في نهضة حضارة السلام والبركات، وبيّنت كيف تعامل نوح عليه السلام مع السنن الربانية والتي منها:

  • سنة الله في التغيير وعلاقتها بالبناء العقدي.
  • سنة الله في الابتلاء.
  • سنة الله في الأخذ بالأسباب.
  • سنة الله في التدافع.
  • سنة الله في النصر والتمكين.

ووضحت خصائص الحضارة الإنسانية الثانية حيث قامت على أساس الوحدانية المطلقة لله عز وجل،  

ومن خصائصها أنها إنسانية، وأنها أخلاقية، وتؤمن بالعلم، وقامت على حرية الاعتقاد وحرية الاختيار العقلي والفطري والمنطقي والوجداني، قال تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ ﴾ [هود:28]، فالدين والعقيدة والفكر المستنير بالإقناع والنظر والتدبر لا بالقهر والسلطان والإخضاع، فحرية الاختيار في المعتقد والتوحيد قامت عليها الحضارة الإنسانية الثانية.

ووضحت عوامل نشوء الحضارة الإنسانية الثانية والتي منها:

  • العامل العقدي.
  • العامل الصناعي والاقتصادي.
  • عامل البيئة.
  • العامل الاجتماعي.
  • العامل الأخلاقي.
  • العامل السياسي.
  • عامل الجمال.

والتي استطاعت أن تحقق:

  • الإخاء والمحبة.
  • التعاطف والتراحم.
  • التساند والتعاون.
  • التكافل والتضامن.
  • التواصي والتناصح.
  • التطهر والترقي.
  • العدالة والإنصاف.
  • التقدم الفعلي والمنطقي والروحي والنفسي والمادي.

وقد حققت الأهداف الأساسية للحياة الإنسانية من أبرزها:

- العبادة لله: قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [ الذاريات56].

- خلافة الله في الأرض: قال تعالى: ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ ﴾ [يونس73].

- عمارة الأرض: ﴿ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ ﴾ [هود:61]، طلب عمارتكم لها.

لقد استطاع نوح عليه السلام أن يؤسس للحضارة الإنسانية الثانية بين الروائع المادية المقيدة بالفترة الزمانية التي عاش فيها، وبين المعاني الإيمانية والروحية والأخلاقية التي كانت هي الدوافع الحقيقية من وراء الإبداع الحضاري في مسيرة البشرية في روعة الإيمان والأخلاق والربانية.

وقمت بتفسير الآيات التي تحدثت عن الجارية والفلك المشحون وعلى ترك الثناء الحسن عليه على مرِّ الدهور، قال تعالى: ﴿ إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ﴾ [الحاقة:11- 12]، وقول الله تعالى: ﴿ وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ﴾ [يس:41]، وقال تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:78-79]، ثم كان الحديث عن وصيته ووفاته عليه السلام.

هذا وقد انتهيت من هذا الكتاب يوم السبت في 17 ذو القعدة 1440ه/ الموافق لــــ 20 يوليو 2019م في الساعة الثانية وعشرة دقائق ظهراً في مدينة استانبول، والفضل لله من قبل ومن بعد، وأسأله سبحانه وتعالى أن يتقبل هذا العمل قبولاً حسناً، وأن يكرمنا برفقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

ولا يسعني في نهاية هذا الكتاب إلا أن أقف بقلب خاشع منيب أمام خالقي العظيم وإلهي الكريم، معترفاً بفضله وكرمه وجوده، متبرئاً من حولي وقوتي ملتجئاً إليه في كل حركاتي، وسكناتي، وحياتي ومماتي، فالله خالقي هو المتفضل، وربي الكريم هو المعين، وإلهي العظيم هو الموفق، فلو تخلى عني ووكلني إلى عقلي ونفسي لتبلد مني العقل، وغابت الذاكرة، ويبست الأصابع، وجفت العواطف، وتحجرت المشاعر، وعجز القلم عن البيان.

اللهم بصرني بما يرضيك، واشرح صدري، وجنبني اللهم ما لا يرضيك، واصرفه عن قلبي وتفكيري، وأسألك يا الله بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا أن تثيبني وإخواني الذين أعانوني على إتمام هذا الجهد.

اللهم اجعله لوجهك خالصاً، ولعبادك نافعاً، واطرح فيه البركة والقبول والنفع العظيم لبني الإنسان، ونرجو من كل من يطلع على هذا الكتاب ألا ينسى العبد الفقير إلى عفو ربه ومغفرته ورحمته ورضوانه ودعائه، قال تعالى: ﴿ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ﴾ [النمل: 19].

والحمد لله رب العالمين

الفقير إلى عفو ربِّه ومغفرته ورحمته ورضوانه

                                             علي محمَّد محمَّد الصَّلَّابيِّ

                                        غفر الله ولوالديه ولجميع المسلمين      

 


[1]محمد سعيد رمضان البوطي، من روائع القرآن؛ تأملات علمية وأدبية في كتاب الله عز وجل، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، 1999 م، ص 574.

[2] محمد هيشور، سنن القرآن في قيام الحضارات وسقوطها، دار الوفاء للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، 1997م، ص 302.

[3] المرجع نفسه، ص 303.

 

اترك تعليق