مقامات إيمانية: الحلقة الأولى

بواسطة : د . عبد الكامل أوزال

مقامات إيمانية: الحلقة الأولى

د. عبد الكامل أوزال ــ عضو الاتحاد 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على نبي الهدى والرحمة المهداة والنعمة المسداة، سيدنا محمد عليه أفضل الصلوات وأزكى التسليمات، وعلى آله وصحبه أجمعين.

إن للإيمان مقامات ومدارج ينبغي للمسلم المؤمن أن يتعرف عليها، ويحيط بجوانبها، وما تزخر به من إشراقات نورانية، ليثبت على صراط الله المستقيم، ويسير على هُدى كتابه العظيم وهَدْي نبيّه المصطفى الأمين صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.

فأول مقام يصادفنا في سفرِنا إلى الله تبارك وتعالى، هو مقام النية والقصد. وهو الأساس الأول في عقيدتنا السّمحة وشريعتنا الغرّاء.

1. مقام تجديد النية والقصد:

       1.1. في أوّل الأعمال:

أول ما ينبغي التنبيه إليه بالنسبة للمؤمن المقبل على كتاب الله، وما يكتنفه من جواهر وكنوز لا تفنى ولا ينضب معينها ما دامت السماوات والأرض، هو أن يخطَّ الخط الأول في مضمار السفر إلى الله تعالى، والعروج إلى ملكوته الأعلى. وهو خط يبدأ، أولا بتجديد النية والقصد في كل وقت وحين. يقول الراغب الأصفهاني في معجمه النفيس: »النية : تكون مصدرا واسما من: نويت، وهي توجّه القلب نحو العمل»  ومحلها القلب وهي من شروط قبول العمل الموافق للشرع لا المخالف له  ومن ثم يقرر الإمام الغزالي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿لن ينال اللهَ لحومُها ولا دماؤُها ولكن يناله التقوى منكم﴾، الحج، 35، أن أعمال القلب تكون »على الجملة أفضل من حركات الجوارح، ثم يجب أن تكون النّية من جملتها أفضل، لأنها عبارة عن ميل القلب إلى الخير وإرادته له» . ومن ثم يحتل مقام "النية" في الإسلام مكانة سامية ودرجة عالية لخطورة المسؤولية التي تتضمنها، لأنها الموجّه الأساسي والمحرك الفعلي لكل الأعمال، سواء في العبادات أو في المعاملات. فإذا سلمت النية وصحّت سلمت الأعمال وصحّت، وإذا فسدت، فسدت معها والعياذ بالله. تأمّل قوله تعالى : ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرِهان مقبوضة، فإن امن بعضكم بعضا فلْيُودّ الذي اوتُمن أمانته وليتّق الله ربَّه ولا تَكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنّه آثم قلبه والله بما تعملون عليم﴾، البقرة، 282. يقول الإمام الجصّاص في تفسيره لهذه الآية : »وقد كان نهيه عن الكتمان مفيدا لوجوب أدائها، ولكنه تعالى أكّد الفرض فيها بقوله : ﴿ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾، وإنما أضاف الإثم إلى القلب وإن كان في الحقيقة، الكاتم هو الآثم، لأنّ المأثم فيه إنما يتعلق بعقد القلب، ولأن كتمان الشهادة إنما هو عقد النية لترك أدائها باللسان. فعقد النية من أفعال القلب لا نصيب للجوارح فيه. وقد انتظم الكاتم للشهادة المأثم من وجهين: أحدهما عزمه على أن لا يؤدّيها، والثاني: ترك أدائها باللسان»

ولذلك فإن النية تعدّ بحق مقدمة خطيرة في توجيه العمل وتأطير السلوك البشري. وهذا هو مضمون الحديث الذي رواه الشيخان والمتفق على صحته. فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: »إنما الأعمال بالنيّات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكِحُها، فهِجْرتُه إلى ما هاجَر إليه»)

تخريج الحديث:

رواه البخاري في صحيحه قال : »حدثنا الحميدي عبد الله بن الزبير قال : حدثنا سفيان قال : حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري قال : أخبرني محمد بن إبراهيم التّيْمي : أنه سمع علقمة بن وقّاص الليثي يقول : سمعتُ عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المنبر قال : سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إنّما الأعمال بالنيات ـ الحديث»(

وفي صحيح الجامع للبخاري أيضا صيغة أخرى قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة قال: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة بن وقاص، عن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: »الأعمال بالنية، ولكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه»

وأخرجه مسلم في صحيحه قال: حدثنا عبد الله بن مَسْلمة بنِ قعْنب. حدثنا مالك عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة بن وقّاص، عن عمر بن الخطّاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »إنما الأعمال بالنية ـ الحديث»

وأخرجه أبو داود في سننه، باب: فيما عُنِي به الطّلاق والنّيات. قال:( حدثنا ابن كثير أنبأنا سفيان حدثني يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي قال: سمعتُ عمرَ بنَ الخطّاب يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »إنما الأعمال بالنيات ـ الحديث»)

وأخرجه الترمذي في سننه قال : (حدثنا محمد بن المثنّى، قال : حدثنا عبد الوهّاب الثّقفي، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن عَلقمة بن وقاص اللّيثي، عن عمر بن الخطاب، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : »إنما الأعمال بالنّية وإنما لامرئ ما نوى ـ الحديث». هذا حديث حسن صحيح، وقد روى مالك بن أنس وسفيان الثّوري وغير واحد من الأئمة هذا عن يحيى بن سعيد، ولا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري. قال عبد الرحمن بن مهدي: ينبغي أن نضع هذا الحديث في كل باب)

سنــد الحديث:

اشتهر برواية هذا الحديث، يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التّيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ولم يصح هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذه الرواية المذكورة كما يقول الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم( وهذا يتفق فيه الشيخان، فكلاهما أحالا على إسناد مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد الأنصاري الذي روى عنه هذا الحديث أكثر من مائتي راوٍ (. وقد اتفق جميع العلماء على صحته وتلقيه بالقبول (. ومما يتميز به سند هذا الحديث الشريف، كونه يشتمل على ثلاث طرق تَحمُّلِ الحديث وهي: التحديث (حدثنا)، والإخبار (أخبرني) والسّماع (أنه سمع ـيقول: سمعتُ...). يقول الإمام البغدادي: »من أرفع عبارات التحّمل أن يقول الراوي سمعتُ»( وفي هذه الصيغ الثلاث ما يفيد دلالة اتصال الحديث وصحته وقوّته.

أهمية الحديث:

أجمع العلماء على أهمية هذا الحديث وصحته وكثرة الفوائد والدروس التي يزخر بها. فالشافعي يعتبره »ثلث الإسلام ... ويدخل في سبعين بابا من الفقه» . ويعتبر هذا الحديث مقدمة أساسية لطالب العلم الشرعي، لذلك نجد أغلب العلماء والفقهاء يصدرون كتبهم ومصنفاتهم به (. بالإضافة إلى ذلك فإن هذا الحديث النبوي الشريف يعد بحق، قاعدة فقهية كلية تشتمل على مسائل كثيرة ومتنوعة من أبواب الفقه .

 

النماذج التربوية المستخلصة من الحديث:

في المجال العقائدي:

إن المعيار الأساسي الذي تقاس به الأعمال والأقوال والأفعال والأحوال هو معيار إخلاص النية لله عز وجل. يقول الله تبارك وتعالى: ﴿قل إنّي أُمرتُ أن اعبد الله مخلصًا له الدّين وأُمِرتُ لأنَ أكون أولَ المسلمين﴾، الزمر:12. ويقول سبحانه وتعالى أيضا: ﴿وما أُمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ...﴾، البينة، 5، أي »متحنّفين عن الشرك إلى التوحيد» ( وفي هذا الخصوص تحقيق معنى إفراد الطاعة لله تعالى، وعدم تدنيسها بالشرك الذي يطفئ نور الإيمان، كما فعل اليهود عندما قالوا: إن عزيرا ابن الله، وكما قالت النصارى في المسيح مثل ذلك »وجحودهم نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم» 

ومن ثم فإن الطاعات مهما بلغ شأنها وعلا صَرْحها، لابد لها من الإخلاص المميز لها عن سائر الأعمال الأخرى، وإلا أحبطت وكان مآل أصحابها الخسران المبين، يقول تعالى: ﴿قل هل ننبّئكم بالاخسرين أعمالا الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وَزْنًا﴾، الكهف: 99 ــ 100، وفي الدعاء كثيرا ما نسأل الله تعالى أن يجعل أعمالنا كلّها صالحة، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، فتأمّل رعاك الله، واعتبر وانظر بعيدا إلى المآلات والعواقب.

 

 

في مجال العبادات:

إن كل الأعمال التي يقوم بها المكلّف في هذا المجال، لابد أن تكون قائمة على أساس النية التي تتميّز بها العبادات من العادات، »ولهذا اتفق العلماء على أنّ العبادة المقصودة لنفسها كالصلاة والصيام، والحج، لا تصحّ إلا بنية، واختلفوا في الطهارة، مثل من يكون على جنابة فينساها ويغتسل للنظافة، فقال مالك والشافعي وأحمد: النية شرط لطهارة الأحداث. وقال أبو حنيفة: لا تشترط في الطهارة بالماء بخلاف التيمّم» . كما تتميز، بالنية، العبادات عن بعضها البعض، تتميّز مراتبها في ذاتها، »فمن العبادات فرائض كأركان الإسلام، ومنها سنن ونوافل، ومن الفرائض ما هو فرض على العين كالصلوات الخمس المفروضة، والصيام، ومنها ما هو على الكفاية كالجنازة، وتعلم العلوم، والقضاء» ( فالأقوال والأعمال كلها ترجع إلى نية صاحبها ومقصوده منها. فعن سفيان قال: »لا يستقيم قول إلا بعمل، ولا قول وعمل إلا بنية، ولا قول ولا عمل ولا نية إلا موافقا للسنة».

ولما كانت النية مسؤولية فردية ترجع للعبد الذي يُقْدم على العمل، لقول النبي صلى الله عليه وسلم »وإنما لكل امرئ ما نوى»، فإنّها لا تجوز فيها النيابة خاصة في العبادات، ولا التوكيل أيضا باستثناء »الزكاة وذبح الأضحية فيجوز التوكيل فيهما في النية والذبح والتفرقة مع القدرة على النية، أما الحج فلا تجوز النيابة فيه عن الحيّ، سواء كان المحجوج عنه مستطيعا أوْ لا، وسواء كان الحج فرضا أو نفلا، ولا يصحّ إلا عن ميت أوصى بالحج مع الكراهة، كما يكره للنائب أن يبدأ بالحج الذي أوصى به الميت، ويؤخر حجه المفروض عليه»

وعلى هذا الأساس توزن الأعمال عند الله تعالى بميزان النيات، فإذا صحت النية وصدقت صحّ العمل وقُبِل، وإذا كان فيها غبش وانطمست فيها معالم الصفاء والوضوح بطل واندرست آثاره فأصبح هشيما تَذْروه الرياح. ها هنا يبرز معْلم آخر من معالم النية المقصودة في الحديث، ألا وهو مراقبة الله تعالى في السر والعلن. إن حياة الناس، في جميع المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والعلمية تسير وفق هذا المعيار التعبّدي الذي به تتميز الأعمال وتتفاضل عند الله تعالى، فلا نسبَ ولا حسبَ ولا جاهَ ولا سلطان يعلو فوقه، إذ مراقبة الله تعالى في نفس العبد أثناء مزاولة العمل، أو القيام به تبعث على أدائه الأداء الحسن، فيتقنه ويبدع فيه فتنعكس آثاره على الفرد والجماعة والأمة بأسرها، لكون نيته في ذلك كله ليست لدنيا يصيبها أو لامرأة ينكحها كما جاء في متن الحديث، وإنما سعيه أن يرضي ربه ويجتهد في إتيان ما أمر الله به، واجتناب ما نهى عنه »في تحقيق الفروض الكفائية المتعلقة بحاجيات المجتمع الإسلامي، من هندسة وميكنة، وصيدلة وزراعة ...»( والعبد في سيره ذاك، على أساس نيته الموجِّهة لعمله يبقى ملتزما صراط الله المستقيم، والطرق الموصلة إليه، ولو كان لوحده دون سائر الناس، لأنه يعلم حق العلم أن الله تعالى سيؤازره وينصره مهما طال الزمن أو قصُر، إن عاجلا أو آجلا، سواء في الدنيا أو في الآخرة. يقول العالم الرباني الفضيل بن عياض: »اتبع طرق الهُدى ولا يضرّك قلّة السالكين، وإيّاك وطرق الضلالة ولا تَغْتَرَّ بكثرة الهالكين» 

في مجال الأخلاق:

يزخر هذا الحديث الشريف بخلق رفيع وأدب كريم يعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلاله، كيف نحافظ على سِتْر الأعراض وعدم انتهاكها، ونعمل جاهدين على تمتين أواصر الأخوّة في الله، بعدم التّعريض بالأشخاص بما يكرهون، ولو كان ذلك من خصالهم، فها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم بحقيقة ذلك المهاجر الذي هاجر مع المهاجرين لتحقيق مصلحة شخصية يريدها لذاته، وهي الزواج من تلك المرأة التي اشترطت عليه الهجرة مقابل اقترانها به. وبالرغم من ذلك لم يُعرض به الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يفضح أمره بين الناس، بل ستره وأشار إليه تلميحا باستعمال الكُنية التي عُرف بها لاحقا وهي »مهاجر أم قيس». »... ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه». فمن هذا المعنى نتعلم كيف نكسب ودّ الناس، ولو كانت فيهم نقائص بعدم ذكرها في حضورهم وغيابهم، فانظر مليا وتأمّل واعتبر.

إن تجديد النية في كل عمل من الأعمال ضرورة ملحّة وفرض عين على المكلّف، إذ بدونها يبطل هذا العمل، ولا مسوّغ له بدونها. وبدون هذا التجديد يبقى القلب ميتا يعلوه الرّان الذي يعمي البصيرة ويبعدها عن طريق الحق والهدى. يقول تعالى: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾ المطفّفين: 14، من كثرة الذنوب والخطايا التي حجبت عن قلوبهم نور الإيمان 

إن تجديد النية يحييها من جديد ويجعلها تسطع بنور الإيمان الذي يشعّ على القلب، فيمنع الصدأ أن يتسرّب إليه، أو أن يغشاه، ولذلك قال الله تبارك وتعالى في محكم التنزيل: ﴿وما يستوي الأعمى والبصير﴾، فاطر: 19، فعن قتادة قال في تفسير هذه الآية: »فأما المؤمن فعبد حيّ الأثر، حي البصر، حي النية، حي العمل. وأما الكافر فعبد ميت، ميت البصر، ميت القلب، ميت العمل» ( وشبيه بهذا قوله عز وجل: ﴿وما أنت بمُسْمع من القبور﴾، فاطر: 22. فالمقصود به، كما جاء في تفسير القرطبي: »الكفار الذين أمات الكفر قلوبهم، أي كما لا تُسمع من مات، كذلك لا تُسمع من مات قلبه ... فهم بمنزلة أهل القبور في أنهم لا ينتفعون بما يسمعونه ولا يقبلونه»

 

       2.1. في باب الصدق والإخلاص:

يقول تعالى: ﴿فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم﴾ محمد: 22.

جاء في المفردات: »العزم والعزيمة: عقد القلب على إمضاء الأمر» (. يقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى (فلو صدقوا الله)، »أي خلصوا له النية» (. وعند الطبري» فلو صدقوا الله ما وعدوه قبل نزول السورة بالقتال، إذ قيل لهم: إن الله سيأمركم بالقتال طاعة، فوفوا له بذلك، لكان خيرا لهم في عاجل دنياهم وآجل معادهم» (2). وعند القرطبي: »(فلو صدقوا الله) أي في الإيمان والجهاد (لكان خيرا لهم) من المعصية والمخالفة» وكل هذه التخريجات لمعنى الصدق في الآية الكريمة تلتقي كلّها في كون العبد إذا اجتمع عنده صدق العزيمة وصدق الفعل، حاز السبق في سعادة الدارين، ونال المنزلة الرفيعة عند الله فيهما، ذلك أن »عزيمة القصد تمنعه من ضعف الإرادة والهمّة، وصدق الفعل يمنعه من الكسل والفتور. ومن صدق الله في جميع أموره صنع الله له فوق ما يصنع لغيره ... فأصدق الناس من صحّ إخلاصُه وتوكُّلُه» (. ويقول الله تبارك وتعالى في محكم التنزيل: ﴿ليس البرّ أن تُولوا وجوهكم قِبل المشرق والمغرب ولكن البرّ من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبييئن وآتى المالَ على حُبِّه ذوي القربى واليتمى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرّقاب وأقام الصلاة وآتى الزّكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصّابرين في البأساء والضَّرَّاء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك همُ المتّقون﴾ البقرة: 176. جمعت هذه الآية الكريمة القواعد الكلية التي يتأسس عليها الإيمان، ويستقيم عليها أمر العقيدة الصحيحة. لذلك عدّ الحق سبحانه وتعالى»  هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات هم الذين صدقوا في إيمانهم، لأنهم حقّقوا الإيمان القلبي بالأقوال والأفعال، فهؤلاء هم الذين صدقوا (وأولئك هم المتقون) لأنهم اتقوا المحارم وفعلوا الطاعات« ( ولذلك وصفهم الله تبارك وتعالى بأكمل الصفات المجتمعة في كونهم يصدّقون ويتّقون الله عز وجل في أمورهم كلها، ويُوفون بها، (وهذا غاية الثناء والصدق، خلاف الكذب ... والصّدّيق: الملازم للصدق، وفي الحديث:»  عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البرّ، وإن البرّ يهدي إلى الجنّة. وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصّدق حتى يُكتبَ عند الله صدّيقا « )(.

ولئن كانت النية الصادقة المنبثقة من قلب سليم طاهر، بابا رئيسيا لابد من ولوجه، فإن مفتاحه الذي يمكّن العبد من عملية الولوج هو الصدق والإخلاص، وهذا مقام رفيع في معراج التربية الإيمانية، وسُدّة عالية في معمار البناء البشري للفرد والمجتمع والدولة والأمة بأسرها. لذلك قال الله عز وجل: ﴿إنّا أنزلنا إليك الكتابَ بالحقّ فاعبد الله مخلصًا له الدّين﴾ الزمر: 2. جاء في تفسير القرطبي في المسألة الثانية » قال ابن العربي: هذه الآية دليل على وجوب النية في كل عمل...»(. وبالتالي فالعبد الفرد مسؤول عن نيته وعمله أمام الله تعالى، كما يقرر العلامة محمد المكي الناصري رحمه الله .

إن الإخلاص ها هنا »هو تصفية النية في طاعة الله تعالى» (، ويكون ذلك بتحقيق التبرؤ من كل عقيدة فاسدة مشركة بالله عز وجل. وهذا هو حال المسلم المؤمنِ العابدِ المتبتّل الذي أخلص دينه لله تعالى، ودخل في زمرة من شملتهم الآية الكريمة التي يقول الله عز وجل فيها: » ﴿وأخلصوا دينهم لله﴾ النساء:145... فحقيقة الإخلاص: التبري عن كل ما دون الله تعالى «  . يقول الإمام الطبري في تفسير هذه الآية: »وأخلصوا طاعتهم وأعمالهم التي يعملونها لله، فأرادوه بها، ولم يعملوها رئاء الناس، ولا على شك منهم في دينهم وامتراء منهم ... متقربين بها إلى الله مريدين بها وجه الله، فذلك معنى إخلاصهم لله دينهم»( فالنية المتجددة الخالصة لله تعالى تجعل صاحبها في مقام الإخلاص الرّفيع الذي عُدّ منزلة متميزة، خصّها الله تبارك وتعالى لفئة من العباد أدركت حقيقة معنى الإخلاص في النية، والنية عمل، بأن جعلتها لله تعالى، وعلى سنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلم، بالمعنى الذي فسّر به الفضيل بن عياض دلالة الإخلاص في العمل

إن تجديد النية في كل وقت وحين يترتب عنه تجديد العمل، وبثّ حركية جديدة في أنفاسه وشرايينه. وكل توقّف للنية في هذا الخصوص إنما هو توقف للعمل والحجر عليه، فلا عمل بدون نية، كما أنه لا نية بدون عمل، يقول تعالى: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه، ... الآية﴾ الأنعام: 53. يقول القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿يريدون وجهه﴾، » أي طاعته والإخلاص فيها» (. ويقول ابن كثير في تفسيرها: »أي يريدون بذلك العمل وجه الله الكريم، وهم مخلصون فيما هم فيه من العبادات والطاعات»  وهذا يدل دلالة ثابتة أن توفيق الله إلى إخلاصهم في الأعمال، وإرادتهم وجهه الكريم مردّه إلى صدق نيتهم، فصار الكل ملتحما موصولا بالله عز وجل، لا فرق بين النية والإرادة والقصد لأنها تؤدي نفس المعنى، ونفس الدلالة ، ذلك أن »العمل بغير نية عناء، والنية بغير إخلاص رياء، والإخلاص من غير تحقيق هباء، قال الله تعالى : ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً مّنثُورًا﴾ الفرقان : 23. وليت شعري كيف تصلح نيةُ من لا يعرف حقيقة النية؟ وكيف يُخلص من صحّح النية إذا لم يعرف حقيقة الإخلاص؟ أو كيف يطالب المخلص نفسَه بالصدق إذا لم يتحقق معناه؟»

نخلص من هذه الحلقة الأولى من مقامات الإيمان، إلى أن مقام تجديد النية هو الإطار الجامع لمقامات الصدق والإخلاص، والوفاء بعهد الله، وتوحيده جل وعلا، وتنزيهه، وتخليص العقيدة الحقة من شوائب الشرك والرياء، في العبادات والمعاملات والأخلاق. وما أحوج الأمة اليوم في هذا الزمن العصيب الذي نعيشه، إلى إعادة بث نفس (بفتح النون والسين) جديد في شريان هذا المقام، ليعود، كما كان عليه الأمر زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، والصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين، موجها لبوصلة الحياة، في الأقوال والأعمال، والأحوال. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

                                                عبد الكامل أوزال / المغرب

                                            

 

 


([1])مفردات ألفاظ القرآن، الراغب الأصفهاني، مادة (نأى)، ص. 644.

([2])تفسير أمير عبد العزيز، عن: الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم، مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، المملكة المغربية، فاس، الإصدار الأول، 1432 هـ ـ 2011 م.

([3])عن الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم، أبو حامد الغزالي، 4/387.

([4])أحكام القرآن، الجصّاص، تحقيق: محمد الصادق قمحاوي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405هـ، عن الجامع التاريخي في تفسير القرآن الكريم.

([5])صحيح البخاري بحاشية السندي، الإمام البخاري، الجزء الأول، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ص. 8، انظر أيضا: رياض الصالحين، الإمام النووي الدمشقي، باب: الإخلاص وإحضار النية، ص. 11.

([6])صحيح البخاري، المصدر السابق، 1/8.

([7])صحيح البخاري، المصدر السابق، كتاب الإيمان، باب: ما جاء أن الأعمال بالنية، ولكل امرئ ما نوى، رقم الحديث (54)، 1/24.

([8])صحيح مسلم بشرح النووي، الإمام مسلم، الجزء السابع، كتاب الإمارة، باب قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنية"، رقم الحديث :1907، ص. 61.

([9])سنن أبي داود، باب فيما عُني به الطلاق والنيات، رقم الحديث: 2201، ص. 399.

([10])سنن الترمذي، الإمام الترمذي، كتاب: فضائل الجهاد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم باب (16) : ما جاء فيمن يقاتل رياء وللدنيا، رقم الحديث : 1647، ص. 387.

([11]) صحيح مسلم بشرح النووي، المصدر السابق، هامش ص. 62.

([12]) صحيح مسلم بشرح النووي، النووي، المصدر السابق، ج. 7، هامش ص. 62.

([13]) إيضاح المعاني الخفية في الأربعين النووية، محمد تتاى، ص. 17.

([14]) معجم اصطلاحات الأحاديث النبوية، عبد المنّان الراسخ، ص. 70.

([15]) صحيح مسلم بشرح النووي، النووي، المصدر السابق، ج. 7، هامش ص. 62.

([16]) انظر على سبيل المثال لا الحصر: صحيح البخاري، الجزء الأول، 1- باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، رقم الحديث: 1، ص. ص. 7 ـ 8.

([17]) انظر: القواعد والضوابط الفقهية وتطبيقاتها، عبد الله علي شعبان، ص. 88 وما بعدها.

([18])تفسير القرآن الكريم، ابن كثير، 357/8.

([19])جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الطبري، 8726/10.

([20])إيضاح المعاني الخفية في الأربعين النووية، نفس المرجع السابق، ص. 19.

([21])القواعد والضوابط الفقهية وتطبيقاتها من خلال كتاب "التوضيح"، لخليل بن إسحاق المالكي، عبد الله علي شعبان، ص. 87.

([22])الاعتصام، الشاطبي، 1/138 ـ 139.

([23])إيضاح المعاني الخفية في الأربعين النووية، المرجع السابق، ص. 20.

([24])إيضاح المعاني الخفية في الأربعين النووية، المرجع السابق، ص. 26.

([25])الاعتصام، الشاطبي، 1/136.

([26])تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 8/350.

([27])جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ابن جرير الطبري، 8/6792، (رقم الحديث: 28808).

([28])الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 7/211.

([29])مفردات ألفاظ القرآن، الراغب الأصفهاني، مادة (عزم)، ص. 424.

([30])تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، الجزء الرابع، ص. 245، انظر أيضا: تفسير الطبري، 9/7452.

([31])الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، الجزء 16، ص. 151.

([32])الفوائد، ابن القيم، ص. 204.

([33])تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 1/271.

([34])الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 1/161.

الحديث رواه البخاري في كتاب الأدب، باب: قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين، وما يُنهى عن الكذب، رقم الحديث (6092)، ص. 1240. وروى الحديث مسلم بأسانيد مختلفة، في كتاب البرّ والصلة والأدب، باب (29) قبح الكذب، وحسن الصدق، وفضله، رقم الحديث (2907)، الجزء الثامن، ص. 405. ورواه الإمام مالك في الموطأ، في كتاب الكلام، باب: ما جاء في الصدق والكذب بالصيغة التالية: "وحدثني عن مالك، أنه بلغه أن عبد الله بن مسعود كان يقول: عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البرّ، والبرّ يهدي إلى الجنة، وإيّاكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار. ألا ترى أنه يُقال صدق وبرَّ، وكذب وفجر، رقم الحديث (1812)، ص. 560.

([35])الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 8/3706.

([36])التيسير في أحاديث التفسير، محمد المكي الناصري، 5/342.

([37])تفسير السمعاني، عن: الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم (مبدع).

([38])مفردات ألفاظ القرآن، الراغب الأصفهاني، مادة (خلص)، ص. 210.

([39])جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الطبري، 4/2609.

([40])مدارج السّالكين، ابن القيم، 1/461.

([41])الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 3/1628.

([42])تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 3/188.

([43])مختصر منهاج القاصدين، ابن قدامة المقدسي، ص. 362.

([44])مختصر منهاج القاصدين، المصدر السابق، ص. 360.


اترك تعليق