دور الدولة في محاربة ظاهرة فوضى السلاح في المجتمع

بواسطة : الشيخ الدكتور تيسير رجب التميمي

دور الدولة في محاربة ظاهرة فوضى السلاح في المجتمع

بقلم: الشيخ الدكتور تيسير رجب التميمي – عضو الاتحاد

يعتبر الأمن نعمة عظيمة من نعم الله تعالى على أيّ مجتمع ، لذا فقد مَنّ بها الله سبحانه وتعالى على أهل مكة فقال فيهم { فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ } قريش 3-4 . وهو من أهم أدوات تحقيق الاستقرار للفرد وللمجتمع وللدولة لأنه من أهم ما تقوم عليه الحياة ، فبه يطمئن الناس على دينهم وسائر حقوقهم العامة والخاصة ، وفي ظله يتجه تفكيرهم إلى ما يرفع شأن مجتمعهم وينهض بأمتهم ، ويمارسون حياتهم اليومية بكل طمأنينة ورضا واستقرار، وبالنتيجة يسهمون في ارتقاء الإنسانية وتقدمها المثمر ، وفي توفير ضمانات الحياة الكريمة ورغد العيش والرفاهية للبشرية.

وهذه النعمة الجزيلة موجبة لحمد المنعم عز وجل عليها ، أما جحودها ونكرانها فذنب كبير يتسبب في المعاقبة بنزعها والحرمان منها ، قال تعالى { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ } النحل 112 ، والأمن وعد الله الذي بشر به الدولة المستخلفة الحاكمة بدين الله في الأرض ، قال تعالى { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } النور 55.

وقد اتفق العلماء على أن أمن الإنسان على نفسه وماله وعرضه شرط في بعض التكاليف والأحكام الشرعية ، فلو كان في أداء إحدى العبادات مثلاً أو التزام بعض الفرائض ضرر للإنسان في نفسه أو ماله بسبب انعدام الأمن فإنه يرخص له ويخفف عنه في أدائها كما في الحج ، فإن لم يكن الطريق إلى مشاعر الحج ومناسكه آمناً سقطت عنه الفريضة حتى يعود الأمن ، وكما في الصلاة ، فقد شرعت صلاة الخوف إذا لم يتوفر الأمن للمصلين على أنفسهم بحيث يصلونها بصورة محددة تضمن سلامتهم وتضمن عدم انقضاض العدو عليهم.

والأمن العام من أهم الأدوات اللازمة لتحقيق وتأمين مصالح الدنيا ، فينطلق الناس في كل شؤون حياتهم مطمئنين ، فتنمو الثروة وينتعش الاقتصاد ويعم الرخاء وتزدهر الحياة ، لذلك فإن سيدنا إبراهيم عليه السلام دعا الله سبحانه طالباً هذه النعمة العظيمة لأن وراءها كل خير قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ  وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} البقرة 126، لذا يركز الأعداء في حربهم ضد الأمة على زعزعة الأمن الداخلي فيها لضمان هزيمتها.

وفي ظل الخوف لا يمكن أن يحقق المجتمع شيئاً غير الدمار والهلاك ، فالخروج على القانون ورفض الإذعان للشرع وحمل السلاح وإحداث الفوضى في المجتمع وتهديد حياة أبنائه هو إفساد في الأرض ، وإشاعة الخوف والقلق في الناس وترويع الآمنين ونشر الفزع والرعب في قلوبهم، ومن يفعل ذلك يخسر شرف انتمائه لهذا الدين الحنيف ، فقد قال صلى الله عليه وسلم {من حمل السلاح علينا فليس منا} رواه البخاري.

هذا علاوة على كونه خائناً لأمته معتدٍ على أنظمتها وناقضاً لعهودها ، قال صلى الله عليه وسلم { من خرج من أمتي على أمتي يضرب بَرَّهَا وفاجِرَها لا يتحاشى من مؤمِنِها ولا يفي بذي عهدٍ عهده فليس مني ولست منه } رواه مسلم.

والأمن الداخلي إذن هو من الحقوق العامة للمجتمع ، قال صلى الله عليه وسلم { من أصبح منكم آمناً في سِرْبِهِ معافىً في جسده عنده قوت يومه فكأنما حِيزَتْ له الدنيا بحذافيرها } رواه الترمذي ، ومعنى سربه محيطه الذي يقيم فيه ، ومعنى حيزت له الدنيا أي جمعت له ، ومعنى بحذافيرها أي بجميع جوانبها ، والأمة بحكامها ومسؤوليها وجميع أبنائها  كل حسب موقعه هي المسؤولة عن حماية النظام وإقرار الأمن وصيانة حقوق الناس بالمحافظة على دمائهم وأموالهم وأعراضهم التي كرمها الإسلام وفرض حمايتها والحفاظ عليها ، فمن أهم مقاصد الشريعة الإسلامية سلامة النفس والنسل والمال والعرض والدين والعقل لأنها الضروريات التي لا تقوم حياة الإنسان إلا بها ، فإن خرجت عصابة تقطع الطريق على المسلمين وتعرض حياتهم للفوضى وجب قتالهم ، ووجب معاونة ولي في ذلك لاستئصالهم وقطع دابرهم حتى يعود الأمن والطمأنينة والاستقرار بين الناس.

إن خروج مثل هذه العصابات المسلحة في المجتمع الإسلامي لنشر الفوضى وإشاعتها بين أرجاء المجتمع وسفك الدماء وسلب الأموال وهتك الأعراض وإهلاك الحرث والنسل متحدية بذلك تعاليم الدين ومبادئ الأخلاق وأحكام النظام والقانون هو حرابة علنية وإفساد في الأرض توعد الله مرتكبيها بأغلظ العقوبات.

والحرابة هي الخروج مجاهرة لأخذ المال أو للقتل أو لإلقاء الرعب أو الاعتداء على الأعراض اعتماداً على القوة وإشهار السلاح ، وهي جريمة عظيمة لما فيها من إفساد في الأرض وترويع الآمنين واعتداء على حقوقهم التي تصونها الشريعة.

الحرابة إذن هي جريمة منكرة لما فيها من إفساد في الأرض وترويع للآمنين والاعتداء على حقوقهم التي تصونها الشريعة ، ولذا غلظ الله جلَّ وعلا العقوبة فيها فقال تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} المائدة 33 ، فالعقوبة في الحرابة متنوعة كما تتنوع جرائمها ، فقد تقوم العصابات المجرمة بالقتل وبالسلب ونهب الأموال أو بالاختطاف أو هتك الأعراض وغيرها من الجرائم ، وقد تكتفي بمجرد الترويع ونشر الذعر بين الناس ، وقد ترتكب العصابة جريمة واحدة من هذه الجرائم وقد ترتكب الجرائم مجتمعة ، فيستحق أفراد هذه العصابات الحد الذي شرعه الله تعالى بأن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض.

ومن العلماء من يرى تخيير الحاكم بين العقوبات المنصوص عليها حسبما تقتضيه المصلحة ، إلا أن العدل يقتضي معاقبة المحارب بالحد الذي يناسب ما ارتكب من جرم وهذا اجتهاد الجمهور من أهل العلم ، فإن كانت الحرابة تتمثل في الإخافة فقط فالعقوبة هي النفي من الأرض بإخراج المحاربين من البلد الذي أفسدوا فيه إلى بلد آخر، فإن هذا يضعف قوتهم ويذوقوا الغربة بما يناسب ما كانوا عليه من ظهور وتكاثر بالقوة والسلاح ، وقد يكون السجن من معاني النفي وأكثر نفعاً في صلاح النفس . أما إن تمثلت الجريمة في أخذ المال فقط فالحد هو قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى أي من خلاف لأن أخذ المال رافقه رعب وتخويف ، ولا بد في ذلك من مراعاة أحكام القطع . وإن كانت الحرابة قد أسفرت عن القتل وحده فالعقوبة هي القتل وفي هذه الحالة لا يحق لولي دم المقتول أن يعفو لأن العفو من حقه في حالة القصاص فقط ، وهذه الجريمة ليست قصاصاً بل هي من الحدود التي لا عفو فيها ، أما إن رافق القتل أخذ للمال فتكون العقوبة القتل والصلب بحيث يصلب المحارب ثم يقتل.

وقد تبدو هذه العقوبة قاسية شديدة لكنها لازمة لمن لا تردعهم إلا القوة ، فالنظم والقوانين ينبغي أن تطاع ، والعقوبات هي زواجر تدرأ المفاسد عن الأمة والمجتمع وتحمي حقوق الناس وأمنهم.

والتقاتل بين أبناء الأمة صورة من صور «الحرابة» لما فيها من خروج على النظام ومحاربة لتعاليم الإسلام وأحكامه ، لذا فهي تستوجب الزجر والردع والعقوبة دون هوادة أو تهاون أو شفاعة ، لأن احترام القانون هو السبيل إلى سيادة الدولة وبسط سلطانها واستقرارها ، وهو السبيل إلى تماسك أبنائها وإحساسهم بطيب العيش ولذة السلام والأمان.

ولهذا فإننا نطالب الأجهزة المختصة في السلطة بجمع السلاح من بين أيدي الناس ومعاقبة من يقتنيه بصورة مخالفة للقانون، ونطالبها أيضاً بإنفاذ القوانين الصارمة والتدابير النافذة لمحاربة الفلتان الأمني الذي بات يشكل خطراً كبيراً على مجتمعنا وشعبنا ، فالبلطجة وأخذ الحقوق باليد وتغوّل الأقوياء على الضعفاء وحقوقهم أصبحت من الظواهر المنتشرة في الآونة الأخيرة مما يشكل خطراً جسيماً على السلم الأهلي .

ولأن العاقل من اتعظ بغيره فيجب علينا في هذا المجال الاعتبار وأخذ الدروس من حال أهلنا في الأراضي المحتلة عام 48، حيث انتشرت بينهم جرائم القتل والاغتيال بشكل مخيف سواء في ذلك إن كان وقوعها لدوافع سياسية أو جنائية أو غيرها ، وكان من الآثار المدمرة لذلك سقوط أبرياء عزل من خيرة أبناء المجتمع هناك ، ومما يزيد الأمر سوءاً والوضع خطورة في ذلك عدم الكشف عن هويات القتلة ، قال تعالى { ... فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ } الحشر2 ، إنها رسالة لأولي الألباب والعقول النيّرة لكي يعتبروا ويتَّعظوا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • الشيخ الدكتور تيسير رجب التميمي: عضو الاتحاد، قاضي قضاة فلسطين، رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي سابقاً، أمين سر الهيئة الإسلامية العليا بالقدس.

اترك تعليق