كتاب : الدعوة الإسلامية في القرن الحالي فضيلة : الشيخ محمد الغزالي الحلقة [ 27 - الأخيرة ] الفصل الثانى عشر : تربية الفرد والمجتمع (3)

By : فضيلة : الشيخ محمد الغزالي

التعصب للحق:

التعصب وصف رديء عندما يكون معناه جمود الفكر، وانحصار الأفق، والتشبث بالهوى، والجنوح إلى الباطل مهما بدا عواره. ونحن نرفض هذا الوصف ونأباه على أنفسنا وقومنا.

ولكن عندما يكون التعصب أثرا لاحترام الحق، وإكبار أهله، ودعم جانبهم، وكره عدوهم، فإن التعصب هنا يرادف الإيمان والجهاد، ولا يتخلى عنه امرؤ ذو دين !!

وفي العالم اليوم:

حقائق أرخصها الضعف.

وحقوق هضمها البغي.

وقوى شرسة استمرأت العدوان.

ومسلمون طمع فيهم من لا يدفع عن نفسه، حتى كان البغاث بأرضنا يستنسر!

أفلا يوقظنا مرأى هذه الصور الكريهة إلى أن نعرف من نحن؟ وماذا نحمل من رسالات الله؟ وماذا نستطيع أن نسديه لأنفسنا وللعالم أجمع لو غالينا بديننا وتاريخنا، وشققنا الطريق إلى المستقبل على سناه الهادي؟؟

وعندما أقرأ سورة " الممتحنة " يحيا في نفسي معنى التعصب للحقيقة، والدفاع عنها، والوقوف إلى جانبها على رقة الحال، وكآبة المنظر في الأهل والمال !!

إنه ليس من الشرف أن أجامل من يهين الحق، وليس من صدق اليقين أن أمالئه وأترضاه. وقد نزلت سورة " الممتحنة " لتلقن المؤمنين هذا الدرس حتى يبقى حياً في نفوسهم إلى يوم الدين، فقال جل شأنه: ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق)

عيب واضح أن أصادق عدو الله وعدوي، وأن أبسط يدي ولسانى له بالسلام، وهو يزدري ما عندي، ولا يتوانى!! ومن هنا عدلت السورة النهي عن المصافاة، فقالت بعد إثبات كفرهم: ( يخرجون الرسول وإياكم ) .

لماذا؟: ! ( أن تؤمنوا بالله ربكم ) . ثم اطرد السياق القرآني يقول: ( إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي ) .

أي فلا تسلكوا هذا المسلك، وتطووا قلوبكم على حب من طردكم وأهانكم !! كيف تفعلون هذا؟.. ( تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ) .

والتعبير بـ " أنا " في هذا الموضع يفرض علينا أن نتوقف قليلا لنتدبره فقوله جل شأنه: ( وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ) . فيه معنى التحذير من الرقيب الخبير.

وهذا المعنى صرحت به ـ كما أشرنا من قبل ـ سورة أخرى في مثل هذه القضية قال تعالى ( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه)

والغريب أن هذا التحذير يتكرر في الموضع نفسه، مؤكداً علم الله بما نخفي وما نعلن، حتى لا نتورط في مسالمة عدو يبتغي إبادتنا، أو الوقوف منه موقفا بعيداً عن الصرامة والمفاصلة، فقال جل شأنه : ( يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه )

تحذير يتكرر مرتين بعبارة رهيبة هى: (... ويحذركم الله نفسه ) إنها هناك توضيح لقوله هنا: ( تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل ).

هكذا بدأت سورة " الممتحنة " تعلمنا ضرورة التعصب للحق، والتمسك بأهدابه، وكراهية المعتدين عليه، والنفور من مودتهم.

وإذا كان هذا المعنى الحاسم قد تصدرها: فإنه قد تمشى في آياتها على صور متفاوتة، ثم كان لها الختام المبين فقال جل شأنه: ( يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور) .

إن الأحياء من الكفار قد قنطوا من عودة إخوانهم الذين ماتوا إلى الحياة مرة أخرى أو أن الموتى من الكفار قد يئسوا من الحصول على مكانة عند الله فى الدار الآخرة.

سواء أكان هذا المعنى أو ذاك فإن المؤمنين لا يليق أن يصادقوا قوما تلك حالتهم !!

ولنلق على السورة من بدئها إلى ختامها نظرة جامعة نتعرف بها أسباب النزول كما ذكرها المفسرون والمؤرخون.

لقد استغرق نزول هذه السورة ـ على وجازتها ـ قريبا من عامين، وصدرها نزل في السنة " الثامنة " عندما قررت الكتائب المؤمنة أن تجهز على الوثنية المتحكمة في مكة، وأن تعيد إلى دائرة التوحيد هذا المعقل الأشم.

ووسط السورة نزل في السنة " السادسة " بعض ما تم لا "عهد الحديبية " بين المسلمين وأهل مكة، وبدأ التنفيذ وظهرت بعض المشكلات.

وآخر السورة نزل بعد الفتح الكبير، وإقبال أهل مكة رجالا ونساء على مبايعة الرسول صلى الله عليه وسلم والالتزام بتعاليم الإسلام.

ومع الاختلاف الزمني الملحوظ في نزول الآيات فإن ترتيبها لم يفقد ذروة من الاتساق والتماسك. بل هو نسق من الإعجاز الساري في أسلوب القرآن الكريم كله.

وأشعر بأن القرآن في علم الله القديم كان على هذا الترتيب الذي نحفظه، وأن الآيات كانت تنزل وفق الأحداث، ثم يؤمر الرسول بوضعها في مكانها توقيف إلهي، فتعود إلى وضعها الأزلي على النحو الذي يقرأ الآن.

والمحور الذي دارت عليه السورة كلها، هو الحب والبغض فى الله، وهو قاسم مشترك بين أجزاء السورة منذ بدأ النزول، ولذلك فإن وحدة الموضوع ظاهرة شائعة فيها، ففي أوائل السورة نقرأ كيف رفض القرآن الكريم ما وقع من " حاطب بن أبي بلتعة " الذي راسل أهل مكة يخبرهم باستعداد الرسول للسير نحوهم، كي يأخذوا أهبتهم !! وهو عمل شنيع، ولولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عفا عن الرجل تقديراً لسابقته في خدمة الإسلام لكان جزاؤه القتل.

وهنا نرى الوحي ـ بعد استنكار التصرف السابق ـ يقول للمؤمنين : ( لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير ) .

أي لا يجوز أن يخفف شيء ما من حدة الخصام للكفر وشيعته، ولو، كان الحرص على القرابة والولد والمال فإن جانب الله أولى بالرعاية. والمثل الأعلى أن يقول المؤمنون لأعدائهم: ( إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده ).

وهذه مصارحة بالقطيعة في سبيل الله، ومعالجته بالحب لله والبغض لله. وليس أمام المؤمنين إلا هذا السلوك.

وقد كان إبراهيم والمؤمنون معه على هذا الغرار، وإذا كان إبراهيم قد لاين أباه يوما وقال له: ( إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ).

فذلك اللين ليس مهادنة للضلال، ولا ضعفا في الإحساس بحق الله.. كلا: ( وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ).

وهكذا انقطعت أغلى الصلات إيثارا لحق الله.

إن حق الله على عبده لا يرجحه شيء في الأولين ولا في الآخرين.. والاستهانة به ضلال مبين.

هل هذا التهجم الشديد ضد الضلال والضالين يرجع إلى غلظة طبع أو شراسة خلق ! لا.. لا.. إننا في شوق إلى سيادة السلام، وامتداد عواطف الحب إلى كل قلب، والأمر بيننا وبين خصومنا واضع مستقيم، ومن حاسننا حاسناه، وكنا أسرع إليه بالود والرحمة.

ولكن كيف نلين مع من استباح كرامتنا، ونشد إساءتنا وإهانتنا، وأخرجنا من ديارنا وأموالنا؟ إن مصادقة من يفعل ذلك بنا نذالة وخسة يهبط إليها مؤمن قال تعالى: ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين * إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون )

والظلم هنا: الهوان، قبول الدنية، والاستكانة إلى الضيم، والرضا بحياة الفسوق والمروق، والعيش في كنف الفاسقين المارقين.

هذا صدر السورة الذي استغرق نصفها، ونزل في السنة " الثامنة ".

أما وسطها الذى نزل من قبل، فهو يعود بنا إلى نص في معاهدة الحديبية يقضي بأن يرد المسلمون عن المدينة من لحق بهم مؤمنا من أهل مكة، وإن كان أهل مكة يقبلون من لحق بهم مرتدا..!!

ومع أن الأيام أثبتت جدوى هذا النص على المؤمنين إلا أن القرآن الكريم استثنى النساء ابتداء من تطبيقه وأمر المؤمنين أن يمتحنوا المؤمنات الفارات بدينهن فإذا علموا منهن صدق الاعتقاد وشرف الغاية قبلوهن في المجتمع الإسلامي فوراً.

إن هؤلاء النسوة المهاجرات التاركات لأزواج كافرين بجب أن نرحب بهن وأن نقدم تحية إكبار للعاطفة التي خرجت بهن إلى دار الإيمان.

لقد كرهن رجالهن وفارقنهم لله فلا ينبغي أن يعدن لهم ، قال تعالى : ( فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن ).

وإتماماً لإقامة المجتمع على احترام الدين، وإعزاز مشاعر الحب والبغض لله صدر الأمر بتسريح الزوجات الكافرات: ( ولا تمسكوا بعصم الكوافر ).

إن قبول هؤلاء النساء المؤمنات ومفارقة الكافرات تشريع متكامل وحكمته واضحة وقد نفذت معاهدة الحديبية بالنسبة إلى الرجال الذين ما لبثوا أن نظموا حرب العصابات ضد أهل مكة حتى اضطروهم إلى أن يطلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم قبولهم في المدينة.

ونصل إلى آخر السورة لنقرأ بيعة النساء، كان ذلك بعد فتح مكة واستسلام أهلها لكتائب الرحمن.

إن أولئك الناس طالما آذوا الله ورسوله. وها هى ذي هند المرأة التي أكلت كبد حمزة قد أعلنت دخولها في الإسلام، فماذا نصنع معها؟! لا شيء ننسى الماضي، ونغفر الأخطاء ونعلمها وصاحباتها كيف يتأدبن بآداب الإسلام، ثم يصبحن بعد أخواتنا:

يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم )

نعم.. إن الله غفور رحيم، فلننس الماضي ولنتحاب في الله. لقد كان القرآن في هذه السورة يرقب متاب هؤلاء وعودتهم إلى الصواب وإقلاعهم عن إيلام المؤمنين، قال تعالى: ( عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم ) .

والمودة المرتقبة إنما تقع من أناس يخف ضغط التعصب على قلوبهم ورؤوسهم، ويجوز أن تنقشع غيوم الغفلة عن آفاقهم وضمائرهم.

فإن المرء قد يخطئ لملابسات معينة أحاطت به، وربما ظل على خطئه لأن هذه الملابسات بقيت في مكانها، لم تجد من يزيلها أو ينتقصها.

لكن ما الموقف إذا تشبث الإنسان بالزلل وهو يُدعى إلى الاستقامة؟ أو أصرَّ على الخطأ وهو يرى وجه الحق وضيئا مشرقا؟

إن هذا الإنسان أجدر خلق الله بالمقت وأولاهم بالعقاب الآجل والعاجل.. وإنك لترى الوحي الإلهي طافحا بالوعيد وهو يتناول أولئك الجاحدين من صرعى التعصب الأعمى:

سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين).

ولنلفت النظر إلى أن الغفلة هنا ليست قصور عقل عن المعرفة الغائبة، ولكنها بلادة قلب عن استيعاب المعرفة المبذولة، والنصح القريب! وهذا هو التعصب الذي يأباه على نفسه كل عاقل أو منصف.

والقرآن في آيات كثيرة يلمح إلى هذا المعنى وإن لم يذكر التعصب بلفظه، فإذا قال تعالى ( إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون )

فإن المقصود أناس طال نصحهم وطالت لجاجتهم، طال تعليمهم وطال صدودهم... وليس المقصود وصف أقوام تعرض عليهم الدعوة لأول مرة.

وبديهي أن ينتهى هذا الصدود بما ينتهي به كل جحد وتبجح، من استمراء للشر واستهانة بالخير واستحلاء للقبيح. ( إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون * أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون ).

وقد صحب التعصب من قديم حيف شديد على أهل الإيمان، وتطاول على أهل الإيمان وتطاول حقوقهم المادية والأدبية وتصوير كذوب لأقوالهم وأعمالهم وإلحاق للمعايب. والمقابح بسيرتهم وتاريخهم وكان نصيب الأمة الإسلامية كبيراً من هذا التعصب الجائر الآثم.

ولست أستغرب مسالك الأشرار إذا جاءت وفق طبائعهم، فإن الذئب المفترس لا يستكثر عليه أن يعقر ويغتال.

إنما الغرابة من موقف المسلمين الذين كثرت حولهم الأنياب الجائعة، والطوايا الكنود، ومع ذلك فهم غارون مسترسلون في " طيبتهم " وتهاونهم... فإلى متى؟

إن أرضنا انتقصت من أطرافها شرقاً وغرباً وفق خطة رسمت بأناة وروية... ثم بدأت الإغارة على قلب العالم الإسلامي استكمالاً للإجهاز عليه طولاً وعرضا"، فهلا عرفنا ما يراد بنا؟

إن في العالم الآن طوفاناً نجساً من التعصب ضد الإسلام وأمته، وأمامى وأنا أكتب هذه السطور أنباء الدماء المراقة والأشلاء المحرقة للمسلمين المستضعفين في الفيليبين، وما قصة الإسلام الذبيح في الفليبين إلا نموذج مكرر لأقطار أخرى من الأرض أهين فيها الدين واستبيح حماه، وشرد أهلوه، وأكلت حقوقهم.

بل إن المسلمين ـ حيث يكونون كثرة في بلاد أخرى ـ تجرأ عليهم كل ذي ملة، وتطلع إلى ما لم يكن يحلم به في يوم من الأيام !!

ألا نتعلم التعصب للشرف والعرض والأرض في هذه الظروف العصيبة؟ لعلنا... لعلنا فإذا تحقق ما نصبو إليه فلله الحمد..

نحن ما نسعى إلى قتال ولا نشتاق إلى سفك دم. لكن إذا فرض علينا القتال فإن الذرة من التهاون في كراهية المعتدين جريمة توجب أن ندخل المعركة بكل ما لدينا من غضب وقسوة وصرامة.

 

 

كتاب : الدعوة الإسلامية في القرن الحالي

 فضيلة : الشيخ محمد الغزالي

الحلقة [ 27 - الأخيرة ] الفصل الثانى عشر : تربية الفرد والمجتمع (3)

التعصب للحق:

التعصب وصف رديء عندما يكون معناه جمود الفكر، وانحصار الأفق، والتشبث بالهوى، والجنوح إلى الباطل مهما بدا عواره. ونحن نرفض هذا الوصف ونأباه على أنفسنا وقومنا.

ولكن عندما يكون التعصب أثرا لاحترام الحق، وإكبار أهله، ودعم جانبهم، وكره عدوهم، فإن التعصب هنا يرادف الإيمان والجهاد، ولا يتخلى عنه امرؤ ذو دين !!

وفي العالم اليوم:

حقائق أرخصها الضعف.

وحقوق هضمها البغي.

وقوى شرسة استمرأت العدوان.

ومسلمون طمع فيهم من لا يدفع عن نفسه، حتى كان البغاث بأرضنا يستنسر!

أفلا يوقظنا مرأى هذه الصور الكريهة إلى أن نعرف من نحن؟ وماذا نحمل من رسالات الله؟ وماذا نستطيع أن نسديه لأنفسنا وللعالم أجمع لو غالينا بديننا وتاريخنا، وشققنا الطريق إلى المستقبل على سناه الهادي؟؟

وعندما أقرأ سورة " الممتحنة " يحيا في نفسي معنى التعصب للحقيقة، والدفاع عنها، والوقوف إلى جانبها على رقة الحال، وكآبة المنظر في الأهل والمال !!

إنه ليس من الشرف أن أجامل من يهين الحق، وليس من صدق اليقين أن أمالئه وأترضاه. وقد نزلت سورة " الممتحنة " لتلقن المؤمنين هذا الدرس حتى يبقى حياً في نفوسهم إلى يوم الدين، فقال جل شأنه: ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق)

عيب واضح أن أصادق عدو الله وعدوي، وأن أبسط يدي ولسانى له بالسلام، وهو يزدري ما عندي، ولا يتوانى!! ومن هنا عدلت السورة النهي عن المصافاة، فقالت بعد إثبات كفرهم: ( يخرجون الرسول وإياكم ) .

لماذا؟: ! ( أن تؤمنوا بالله ربكم ) . ثم اطرد السياق القرآني يقول: ( إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي ) .

أي فلا تسلكوا هذا المسلك، وتطووا قلوبكم على حب من طردكم وأهانكم !! كيف تفعلون هذا؟.. ( تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ) .

والتعبير بـ " أنا " في هذا الموضع يفرض علينا أن نتوقف قليلا لنتدبره فقوله جل شأنه: ( وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ) . فيه معنى التحذير من الرقيب الخبير.

وهذا المعنى صرحت به ـ كما أشرنا من قبل ـ سورة أخرى في مثل هذه القضية قال تعالى ( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه)

والغريب أن هذا التحذير يتكرر في الموضع نفسه، مؤكداً علم الله بما نخفي وما نعلن، حتى لا نتورط في مسالمة عدو يبتغي إبادتنا، أو الوقوف منه موقفا بعيداً عن الصرامة والمفاصلة، فقال جل شأنه : ( يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه )

تحذير يتكرر مرتين بعبارة رهيبة هى: (... ويحذركم الله نفسه ) إنها هناك توضيح لقوله هنا: ( تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل ).

هكذا بدأت سورة " الممتحنة " تعلمنا ضرورة التعصب للحق، والتمسك بأهدابه، وكراهية المعتدين عليه، والنفور من مودتهم.

وإذا كان هذا المعنى الحاسم قد تصدرها: فإنه قد تمشى في آياتها على صور متفاوتة، ثم كان لها الختام المبين فقال جل شأنه: ( يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور) .

إن الأحياء من الكفار قد قنطوا من عودة إخوانهم الذين ماتوا إلى الحياة مرة أخرى أو أن الموتى من الكفار قد يئسوا من الحصول على مكانة عند الله فى الدار الآخرة.

سواء أكان هذا المعنى أو ذاك فإن المؤمنين لا يليق أن يصادقوا قوما تلك حالتهم !!

ولنلق على السورة من بدئها إلى ختامها نظرة جامعة نتعرف بها أسباب النزول كما ذكرها المفسرون والمؤرخون.

لقد استغرق نزول هذه السورة ـ على وجازتها ـ قريبا من عامين، وصدرها نزل في السنة " الثامنة " عندما قررت الكتائب المؤمنة أن تجهز على الوثنية المتحكمة في مكة، وأن تعيد إلى دائرة التوحيد هذا المعقل الأشم.

ووسط السورة نزل في السنة " السادسة " بعض ما تم لا "عهد الحديبية " بين المسلمين وأهل مكة، وبدأ التنفيذ وظهرت بعض المشكلات.

وآخر السورة نزل بعد الفتح الكبير، وإقبال أهل مكة رجالا ونساء على مبايعة الرسول صلى الله عليه وسلم والالتزام بتعاليم الإسلام.

ومع الاختلاف الزمني الملحوظ في نزول الآيات فإن ترتيبها لم يفقد ذروة من الاتساق والتماسك. بل هو نسق من الإعجاز الساري في أسلوب القرآن الكريم كله.

وأشعر بأن القرآن في علم الله القديم كان على هذا الترتيب الذي نحفظه، وأن الآيات كانت تنزل وفق الأحداث، ثم يؤمر الرسول بوضعها في مكانها توقيف إلهي، فتعود إلى وضعها الأزلي على النحو الذي يقرأ الآن.

والمحور الذي دارت عليه السورة كلها، هو الحب والبغض فى الله، وهو قاسم مشترك بين أجزاء السورة منذ بدأ النزول، ولذلك فإن وحدة الموضوع ظاهرة شائعة فيها، ففي أوائل السورة نقرأ كيف رفض القرآن الكريم ما وقع من " حاطب بن أبي بلتعة " الذي راسل أهل مكة يخبرهم باستعداد الرسول للسير نحوهم، كي يأخذوا أهبتهم !! وهو عمل شنيع، ولولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عفا عن الرجل تقديراً لسابقته في خدمة الإسلام لكان جزاؤه القتل.

وهنا نرى الوحي ـ بعد استنكار التصرف السابق ـ يقول للمؤمنين : ( لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير ) .

أي لا يجوز أن يخفف شيء ما من حدة الخصام للكفر وشيعته، ولو، كان الحرص على القرابة والولد والمال فإن جانب الله أولى بالرعاية. والمثل الأعلى أن يقول المؤمنون لأعدائهم: ( إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده ).

وهذه مصارحة بالقطيعة في سبيل الله، ومعالجته بالحب لله والبغض لله. وليس أمام المؤمنين إلا هذا السلوك.

وقد كان إبراهيم والمؤمنون معه على هذا الغرار، وإذا كان إبراهيم قد لاين أباه يوما وقال له: ( إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ).

فذلك اللين ليس مهادنة للضلال، ولا ضعفا في الإحساس بحق الله.. كلا: ( وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ).

وهكذا انقطعت أغلى الصلات إيثارا لحق الله.

إن حق الله على عبده لا يرجحه شيء في الأولين ولا في الآخرين.. والاستهانة به ضلال مبين.

هل هذا التهجم الشديد ضد الضلال والضالين يرجع إلى غلظة طبع أو شراسة خلق ! لا.. لا.. إننا في شوق إلى سيادة السلام، وامتداد عواطف الحب إلى كل قلب، والأمر بيننا وبين خصومنا واضع مستقيم، ومن حاسننا حاسناه، وكنا أسرع إليه بالود والرحمة.

ولكن كيف نلين مع من استباح كرامتنا، ونشد إساءتنا وإهانتنا، وأخرجنا من ديارنا وأموالنا؟ إن مصادقة من يفعل ذلك بنا نذالة وخسة يهبط إليها مؤمن قال تعالى: ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين * إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون )

والظلم هنا: الهوان، قبول الدنية، والاستكانة إلى الضيم، والرضا بحياة الفسوق والمروق، والعيش في كنف الفاسقين المارقين.

هذا صدر السورة الذي استغرق نصفها، ونزل في السنة " الثامنة ".

أما وسطها الذى نزل من قبل، فهو يعود بنا إلى نص في معاهدة الحديبية يقضي بأن يرد المسلمون عن المدينة من لحق بهم مؤمنا من أهل مكة، وإن كان أهل مكة يقبلون من لحق بهم مرتدا..!!

ومع أن الأيام أثبتت جدوى هذا النص على المؤمنين إلا أن القرآن الكريم استثنى النساء ابتداء من تطبيقه وأمر المؤمنين أن يمتحنوا المؤمنات الفارات بدينهن فإذا علموا منهن صدق الاعتقاد وشرف الغاية قبلوهن في المجتمع الإسلامي فوراً.

إن هؤلاء النسوة المهاجرات التاركات لأزواج كافرين بجب أن نرحب بهن وأن نقدم تحية إكبار للعاطفة التي خرجت بهن إلى دار الإيمان.

لقد كرهن رجالهن وفارقنهم لله فلا ينبغي أن يعدن لهم ، قال تعالى : ( فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن ).

وإتماماً لإقامة المجتمع على احترام الدين، وإعزاز مشاعر الحب والبغض لله صدر الأمر بتسريح الزوجات الكافرات: ( ولا تمسكوا بعصم الكوافر ).

إن قبول هؤلاء النساء المؤمنات ومفارقة الكافرات تشريع متكامل وحكمته واضحة وقد نفذت معاهدة الحديبية بالنسبة إلى الرجال الذين ما لبثوا أن نظموا حرب العصابات ضد أهل مكة حتى اضطروهم إلى أن يطلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم قبولهم في المدينة.

ونصل إلى آخر السورة لنقرأ بيعة النساء، كان ذلك بعد فتح مكة واستسلام أهلها لكتائب الرحمن.

إن أولئك الناس طالما آذوا الله ورسوله. وها هى ذي هند المرأة التي أكلت كبد حمزة قد أعلنت دخولها في الإسلام، فماذا نصنع معها؟! لا شيء ننسى الماضي، ونغفر الأخطاء ونعلمها وصاحباتها كيف يتأدبن بآداب الإسلام، ثم يصبحن بعد أخواتنا:

يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم )

نعم.. إن الله غفور رحيم، فلننس الماضي ولنتحاب في الله. لقد كان القرآن في هذه السورة يرقب متاب هؤلاء وعودتهم إلى الصواب وإقلاعهم عن إيلام المؤمنين، قال تعالى: ( عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم ) .

والمودة المرتقبة إنما تقع من أناس يخف ضغط التعصب على قلوبهم ورؤوسهم، ويجوز أن تنقشع غيوم الغفلة عن آفاقهم وضمائرهم.

فإن المرء قد يخطئ لملابسات معينة أحاطت به، وربما ظل على خطئه لأن هذه الملابسات بقيت في مكانها، لم تجد من يزيلها أو ينتقصها.

لكن ما الموقف إذا تشبث الإنسان بالزلل وهو يُدعى إلى الاستقامة؟ أو أصرَّ على الخطأ وهو يرى وجه الحق وضيئا مشرقا؟

إن هذا الإنسان أجدر خلق الله بالمقت وأولاهم بالعقاب الآجل والعاجل.. وإنك لترى الوحي الإلهي طافحا بالوعيد وهو يتناول أولئك الجاحدين من صرعى التعصب الأعمى:

سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين).

ولنلفت النظر إلى أن الغفلة هنا ليست قصور عقل عن المعرفة الغائبة، ولكنها بلادة قلب عن استيعاب المعرفة المبذولة، والنصح القريب! وهذا هو التعصب الذي يأباه على نفسه كل عاقل أو منصف.

والقرآن في آيات كثيرة يلمح إلى هذا المعنى وإن لم يذكر التعصب بلفظه، فإذا قال تعالى ( إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون )

فإن المقصود أناس طال نصحهم وطالت لجاجتهم، طال تعليمهم وطال صدودهم... وليس المقصود وصف أقوام تعرض عليهم الدعوة لأول مرة.

وبديهي أن ينتهى هذا الصدود بما ينتهي به كل جحد وتبجح، من استمراء للشر واستهانة بالخير واستحلاء للقبيح. ( إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون * أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون ).

وقد صحب التعصب من قديم حيف شديد على أهل الإيمان، وتطاول على أهل الإيمان وتطاول حقوقهم المادية والأدبية وتصوير كذوب لأقوالهم وأعمالهم وإلحاق للمعايب. والمقابح بسيرتهم وتاريخهم وكان نصيب الأمة الإسلامية كبيراً من هذا التعصب الجائر الآثم.

ولست أستغرب مسالك الأشرار إذا جاءت وفق طبائعهم، فإن الذئب المفترس لا يستكثر عليه أن يعقر ويغتال.

إنما الغرابة من موقف المسلمين الذين كثرت حولهم الأنياب الجائعة، والطوايا الكنود، ومع ذلك فهم غارون مسترسلون في " طيبتهم " وتهاونهم... فإلى متى؟

إن أرضنا انتقصت من أطرافها شرقاً وغرباً وفق خطة رسمت بأناة وروية... ثم بدأت الإغارة على قلب العالم الإسلامي استكمالاً للإجهاز عليه طولاً وعرضا"، فهلا عرفنا ما يراد بنا؟

إن في العالم الآن طوفاناً نجساً من التعصب ضد الإسلام وأمته، وأمامى وأنا أكتب هذه السطور أنباء الدماء المراقة والأشلاء المحرقة للمسلمين المستضعفين في الفيليبين، وما قصة الإسلام الذبيح في الفليبين إلا نموذج مكرر لأقطار أخرى من الأرض أهين فيها الدين واستبيح حماه، وشرد أهلوه، وأكلت حقوقهم.

بل إن المسلمين ـ حيث يكونون كثرة في بلاد أخرى ـ تجرأ عليهم كل ذي ملة، وتطلع إلى ما لم يكن يحلم به في يوم من الأيام !!

ألا نتعلم التعصب للشرف والعرض والأرض في هذه الظروف العصيبة؟ لعلنا... لعلنا فإذا تحقق ما نصبو إليه فلله الحمد..

نحن ما نسعى إلى قتال ولا نشتاق إلى سفك دم. لكن إذا فرض علينا القتال فإن الذرة من التهاون في كراهية المعتدين جريمة توجب أن ندخل المعركة بكل ما لدينا من غضب وقسوة وصرامة.

 

اترك تعليق