أولوية الدراسة والتخطيط لأمور الدنيا

By : أ . د. يوسف القرضاوي

إذا كنا نقول بضرورة سبق العلم على العمل في أمور الدين، فنحن نؤكد ضرورة ذلك في شؤون الدنيا أيضا.

فنحن في عصر يؤسس كل شيء على العلم، ولم يعد يقبل الارتجال والغوغائية في أمر من أمور الحياة.

فلابد لأي عمل جاد من الدراسة قبل العزم عليه، ولابد من الإقناع بجدواه قبل البدء فيه، ولابد من التخطيط قبل التنفيذ، ولابد من الاستعانة بالأرقام والإحصاءات قبل الإقدام على العمل.

ولقد ذكرت في كتب ودراسات أخرى لي: أن الإحصاء والتخطيط والدراسة قبل العمل، كلها من صميم الإسلام، والرسول صلى الله عليه وسلم كان أول من أمر بعمل إحصائي منظم لمن آمن به بعد هجرته إلى المدينة. ولقد ظهر أثر التخطيط في سيرته في صور ومواقف شتى.

وأولى الناس بالتخطيط لغدهم: رجال الحركة الإسلامية، فلا يدعون الأمور تجري في أعنتها، من غير انتفاع بتجارب الأمس، ولا رصد لوقائع اليوم، ولا تقويم للصواب والخطأ في الاجتهادات، ولا مقدار المكاسب والخسائر في المسيرة بين الأمس واليوم، ولا معرفة دقيقة بما لدينا من طاقات وإمكانات، مادية ومعنوية، ظاهرة أو كامنة، مستغلة أو مهدرة. وما هي مصادر القوة ونقاط الضعف عندنا، وكذلك عند خصومنا، ومن هم خصومنا الحقيقيون؟ من الخصوم الدائمون والخصوم العارضون؟ من منهم يمكن كسبه؟ ومن لا يمكن كسبه؟ من يمكن محاورته ومن لا يمكن؟ فلا ينبغي التسوية بين الخصوم وهم ـ في الواقع ـ متفاوتون.

إن هذا كله لا يعرف إلا بالعلم والدراسة الموضوعية، البعيدة عن حكم العواطف، المتحررة من تأثيرات الظروف الشخصية والبيئية والوقتية ما استطاع الإنسان أن يتجرد، فإن التحرر الكامل والمطلق يكاد يكون مستحيلا.

 


اترك تعليق