آخر الأخبار

الأبعاد السياسية لغلق المسجد الأقصى
وعسكرة العبادة

بقلم: د. إبراهيم أحمد مهنا

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

استغلت
سلطات الاحتلال معركة «طوفان الأقصى» التي اندلعت في 7 أكتوبر 2023م، لتحويل
أدواتها الأمنية والإدارية إلى ذراع سياسية للسيطرة على المسجد الأقصى، فقد كثّفت
انتهاكاتها اليومية للمسجد، عبر اقتحامات متكررة وتقييد دخول المصلين، في محاولة
لتغيير الوضع القائم وتحويله إلى ما يشبه «هيكل يهودي».

وجاءت
الحرب الحالية ضد إيران لتكرّس سعي الاحتلال لنقل الهيمنة -عملياً- على «الأقصى»
إليه، عبر تقييد دور الأوقاف الإسلامية الأردنية المنوط بها الإشراف على إدارة
المقدسات في القدس، فقرر إغلاق المسجد الأقصى منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير
2026م، واستمر الإغلاق في سابقة خطيرة مدة 40 يوماً، وتم فرض شرطة الاحتلال كجهة
تنفيذية تتحكم في فتحه وإغلاقه.

وذلك
بهدف فرض السيادة الكاملة على المسجد الأقصى أسوة بممارساته غير القانونية التي
اعتمدها في السيطرة على المسجد الإبراهيمي في الخليل، الذي شهد مؤخراً مزيداً من
الانتهاكات؛ حيث منع رفع الأذان فيه عشرات المرات في شهر رمضان الماضي، وقد رفعت
سلطات الاحتلال الأعلام الصهيونية بمناسبة عيد لهم بشكل كثيف على سطحه وأسواره،
وقامت بتعليق نجمة داود ضخمة مزينة بالأضواء على سوره في انتهاكات جسيمة تضاف إلى
سلسلة انتهاكاته لمقدسات المسلمين.

إن هذه
السياسات التي اعتمدها الاحتلال مؤخراً ضد المسجد الأقصى، وكنيسة القيامة، تأتي
ضمن مشروع صهيوني أوسع يهدف لتغيير الهوية الديموغرافية والدينية للقدس، وتحويلها
إلى مدينة ذات طابع يهودي مهيمن على الطابع الإسلامي والمسيحي للمدينة المقدسة.

مراحل فرض السيادة على «الأقصى»

جدير
بالذكر، أن التحكم بفتح «الأقصى» وإغلاقه لم يكن وليد الساعة، بل سبقه خطوات عديدة
توّجت مؤخراً بهذا الانتهاك الخطير، وتتمثل هذه
الخطوات بما يأتي:

1 إعلان القدس عاصمة لدولة الاحتلال: أصدر
الكنيست الصهيوني «قانون أساس» في عام 1980م أعلن فيه ضم شرقي القدس واعتبار القدس
الموحدة عاصمة لدولته.

السياسيات التي اعتمدها الاحتلال مؤخراً ضد «الأقصى» تندرج ضمن
مشروع صهيوني أوسع لتغيير هوية القدس

2 مصادرة أراضي وقفية تحت الرعاية الأردنية:
الأوقاف الأردنية هي الوصية على الأراضي الوقفية في القدس والضفة الغربية، وعلى
الرغم من ذلك، قامت سلطات الاحتلال، في 10 مارس 1982م، بمصادرة 25 دونماً من أراضي
الوقف في طولكرم لتقيم عليها مصنعاً يملكه مستوطن يهودي، وشهد هذا العام بداية
التدخل في تعيينات الأوقاف الأردنية للموظفين، فبدأت بطلب معلومات عنهم وقامت
بالتضييق على دخولهم لـ«الأقصى».

3 فرض الرقابة على إعمار وترميم المسجد الأقصى:
فرض الاحتلال في عام 2011م الرقابة الحثيثة على كل ما يدخل لـ«الأقصى» من مواد
لصيانته وترميمه، فلا يسمح بدخول شيء دون موافقته.

4 البوابات الإلكترونية: حاولت سلطات الاحتلال
في عام 2017م فرض البوابات الإلكترونية كمدخل إلزامي للمصلين والزائرين للمسجد
الأقصى، وقد واجه المقدسيون هذا المخطط الخبيث بكل قوة ونجحوا في إحباطه.

5 محاولات فرض التقسيم الزماني لـ«الأقصى»: بدأت
محاولات فرض التقسيم الزماني في عام 2003م؛ حيث نظمت العصابات العاملة لهدم
«الأقصى» وبناء «الهيكل» عدة اقتحامات تحت حماية قوات الاحتلال، خاصة في الأعياد
اليهودية -وما أكثرها- فكان الاحتلال يمنع المسلمين من دخول أقصاهم في الصباح
حماية للمقتحمين الصهاينة.

وكانت
ذروة محاولات فرض التقسيم الزماني في عام 2015م؛ حيث منعت السلطات المحتلة من هم
تحت سن الخمسين من دخول المسجد من الفجر إلى الظهر حيث سيفتحون الباب للمستوطنين،
ولكن المقدسيين لم يخضعوا لهذا الإجراء الخطير؛ فكانت «هبَّة القدس» المباركة التي
أوقفت هذا المشروع مؤقتاً على الأقل.

وعلى
الرغم من عدم إقرار هذا التقسيم بشكل قانوني رسمي، فإنه فُرض بالأمر الواقع؛ حيث
خصص الاحتلال 3 ساعات ونصف ساعة في الفترة بين الفجر والظهر، وساعة بعد الظهر،
والآن زادت مدة الاقتحامات لتصل إلى 6 ساعات ونصف ساعة يومياً، وبعد السابع من
أكتوبر أصبح الاحتلال يتحكم بالفتح والإغلاق، بل وحتى منع الأذان خاصة في أعياد
اليهود؛ ما يرسخ التقسيم الزماني للمسجد عملياً تمهيداً لتقسيمه قانونياً.

6 محاولات فرض التقسيم المكاني: وتنطلق فكرة
التقسيم المكاني من أن مساحة المسجد كبيرة، فهو يتسع كمكان عبادة للمسلمين واليهود
على حدّ سواء، في محاولة لفرض ما نجحوا فيه إزاء المسجد الإبراهيمي في الخليل الذي
تم تقسيمه بالقوة 60% لليهود، مقابل 40% للمسلمين، وقد حاولوا تحويل مصلى باب
الرحمة في الجهة الشرقية بالمسجد بمساحة تبلغ نحو 20 دونماً لكنيس يهودي في عام
2019م، بيد أن «هبَّة باب الرحمة» المشهورة حالت دون تنفيذ هذا المخطط الخطير.

تقويض الوصاية الأردنية يمهد إلى إنهاء أي إشراف عربي أو إسلامي
والسيطرة المباشرة على «الأقصى»

وما زالت
سلطات الاحتلال تحاول الهيمنة على المصلى المرواني و«الأقصى» القديم فتمنع أعمال
الترميم فيهما، وكلاهما في سرداب تحت الأرض بمساحة تبلغ نحو 5 دونمات، وبحجة تخصيص
ممرات ومسارات للمقتحمين اليهود قامت سلطات الاحتلال بإطلاق مشروع «السجاد الأزرق»
في عام 2022م لتحديد طريق المقتحمين، وكأنها بداية ترسيم حدود أولية بين الأماكن
المخصصة للمسلمين والأماكن المخصصة لليهود.

وتقوم
سلطات الاحتلال بمنع المسلمين من الاقتراب من هذه المسارات التي تبلغ نحو 40
دونماً في الساحات الجنوبية والغربية في المسجد بحجة حماية المقتحمين الذين أصبحوا
يصلون في هذه المناطق ويقومون بطقوسهم التلمودية المزعومة فيها.

ويحسن
التذكير في هذا الصدد بما يدور تحت المسجد من حفريات وأنفاق لدرجة أن رئيس حكومة
الاحتلال بنيامين نتنياهو قام بعمل اجتماع لحكومته في مقر تحت «الأقصى»، وقد دشن
الحاخامات كنيساً يهودياً كبيراً تحت «الأقصى»، في 19 ديسمبر 2017م، في نفق استغرق
بناؤه وتجهيزه 12 سنة من العمل.

الأبعاد السياسية

إن هذه
الانتهاكات الممنهجة تحمل أبعاداً سياسية عميقة، تتستر بالجانب الأمني والحرص على
سلامة السكان، وهذه الحجة يسهل دحضها، إذ إن المستهدف في الغلق هو المسجد الأقصى،
وكنيسة القيامة، وبقيت باقي المساجد مفتوحة؛ ما
يفضح النية المبيَّتة لما يأتي:

1 فرض السيادة الكاملة: هذه الإجراءات ليست
أمنية، بل سياسية بامتياز، تهدف إلى تثبيت سيادة سلطات الاحتلال «الإسرائيلي» على
شرقي القدس، خلافاً للقانون الدولي الذي يعتبرها أرضاً محتلة.

2 تغيير الهوية الدينية: إن التحكم بفتح وغلق
المسجد يمنع المسلمين من ممارسة شعائرهم بحرية، وفتح المجال أمام اقتحامات
المستوطنين، يكشف سعي الاحتلال إلى تحويل «الأقصى» من رمز إسلامي عالمي إلى موقع
ديني يهودي تحت سيطرة الاحتلال.

3 إضعاف الدور الأردني والفلسطيني: تقليص
صلاحيات الأوقاف الأردنية يهدف إلى إنهاء أي إشراف عربي أو إسلامي على المسجد؛ ما
يمهد إلى نزعها منها بالكلية وإحكام السيطرة المباشرة على المسجد الأقصى، بل وكل
الأصول الوقفية في القدس خاصة، وفي الضفة الغربية المحتلة عامة.

ما سبق
غيض من فيض لما يخطط له الاحتلال ضد مسرى نبينا -صلى الله عليه وسلم- وقبلتنا
الأولى، أما آن الأوان لنشد الرحال إليه محررين مكبِّرين؟!

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*
ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
+ posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *