دور العلامة الشيخ أمجد الزهاوي في نصرة القضية الفلسطينية
بقلم: د. دحام إبراهيم الهسنياني
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد
المرسلين، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته واختط سبيله وسار على هديه إلى يوم
الدين… وبعد:
إن قضية فلسطين اليوم لم تَعُدْ تحتمل القيلَ
والقال، أو كثرةَ السؤال، فهي قضيةُ المسلمين كافةً، لذا كانت حديثَ مجالسهم،
ومادةَ خُطبهم، وحِبْرَ كُتبهم، وزفراتِ قلوبهم، وآهات صدورهم، وديوانَ شعرهم،
وأسفارَ نثرهم…!.
القدس في الاعتقاد الإسلامي، لها
مكانة دينية مرموقة، اتفق على ذلك المسلمون بجميع طوائفهم
ومذاهبهم وتوجهاتهم، فهو إجماع الأمة كلها من أقصاها إلى أقصاها.
ولأرض فلسطين مكانة عظيمة في قلب كل مسلم، فهي: أرض
مقدسة ومباركة بنص القرآن الكريم، وفيها المسجد الأقصى أول قبلة للمسلمين، وثاني
مسجد بُنِي لله في الأرض، وثالث المساجد مكانة في الإسلام. وهي أرض الإسراء،
فإليها أَسري بمحمد r، وهي أرض الأنبياء، فقد ولد في هذه الأرض وعاش عليها ودفن في
ثراها الكثير من الأنبياء عليهم السلام الذين ذكروا في القرآن الكريم. وهي تعدّ في
المنظور الإسلامي أرض المحشر والمنشر، وعقر دار الإسلام، والمقيم المحتسب فيها
كالمجاهد في سبيل الله، ومركز الطائفة المنصورة الثابتة على الحق إلى يوم القيامة.
ولا غرو أن يلتزم جميع المسلمين بوجوب الدفاع عن القدس، والغيرة
عليها، والذود عن حماها، وحرماتها ومقدساتها، وبذل النفس والنفيس في سبيل حمايتها،
ورد المعتدين عليها.
إن الشعوب والجماهير في حاجة إلى من يوقظهم من
رقود، ويبعثهم من همود، ويحركهم من جمود، وينير عقولهم بالمعرفة ويحرك عزائمهم
بالإيمان، ويدفعهم إلى العمل والتكاليف من أجل حياة طيبة، يرضون فيها ربهم،
ويسعدون فيها أنفسهم، ويخدمون فيها وطنهم وأمتهم.
لأجل هذا كانت القضية الفلسطينية بالنسبة للعلماء
الربانيين، محطَّ أنظارهم، ومحلَّ أفكارهم، ومادةَ تأليفهم، وموطنَ عبراتهم، وليلَ
آهاتهم..
ولقد منّ الله على بلاد الرافدين في العصر الحديث
بعلماء ساروا على سيرة سلفهم الصالح، ومن هؤلاء العالم الجليل الشيخ أمجد الزهاوي
رحمه الله تعالى.
ولم تشغل الشيخ الزهاوي قضية مثلما شغلته قضية
فلسطين، فقط لازمها منذ بدايتها إلى أخر يوم في حياته، وعدها قضية الإسلام الكبرى
وبذل في سبيلها كل ما يملك من دعم مادي ومعنوي، فضلاً على أنه راح يبحث عن حلول
لها، ومن خلال دراستها وجد الشيخ الزهاوي أن حلها لن يكون إلا على أساس عقائدي،
بدعوة المسلمين إلى الاتحاد فيما بينهم على أساس التعاليم والقيم الإسلامية.
ومن دلائل اهتمامه بالقضية الفلسطينية أن توجت
منظمة المقاومة الإسلامية في فلسطين (حماس) دستورها بالكلمات التالية للشيخ أمجد
الزهاوي: (إن العالم الإسلامي يحترق، وعلى كل منا أن يصب ولو قليلاً من الماء
ليطفئ ما يستطيع أن يطفئه دون أن ينتظر غيره).
وكان للشيخ وقفات طويلة مع قضية الأمة ـ فلسطين ـ
فقد لازمها منذ بدايتها وحتى وفاته، ومما يروى عن الشيخ بهذا الخصوص: أن أحد
الساسة العراقيين كان يخطب في اجتماع لنصرة القضية الفلسطينية، يائساً مما وصلت
إليه الأمور في فلسطين والعالم الإسلامي من ذل وهوان فتمنى الموت، فقال له الشيخ: (أخي،
إن المؤمن لا يتمنى الموت، بل يتمنى أن يعمل صالحاً لما بعد الموت، كي ينال الدرجة
العالية في الآخرة، فنحن لم نخلق لنأكل ونتمتع، بل نأكل ما يقيم الأَوَدَ لنعيش كي
نعمر الأرض بالعمل الصالح، وقد فتح الله لنا أسمى الأعمال الصالحة، وهو الجهاد في
سبيل الله لنصرة القضية الفلسطينية، والمؤمن لا ييأس من رحم الله، فهيا إلى العمل
الصالح، إلى الجهاد، لتحرير الأرض المقدسة)([1]).
كانت فلسطين همّه الكبير، وشغله الشاغل، أسس من
أجلها الجمعيات وحضر المؤتمرات، وجمع المعونات، وجنّد المجاهدين، وأرسلهم إلى
فلسطين، من أجل استنقاذها من براثن اليهود المحتلين، وحاضر من أجلها في العديد من
الدول والمدن والجمعيات، وبيّن للمسلمين خطورة هذه القضية على المسلمين، ما لم
يبادروا إلى العمل الجاد المكافئ لأعمال اليهود ومن يقف وراءهم من دول الاستكبار
العالمي المعادية للإسلام والمسلمين.
كان الشيخ الزهاوي يرى أن القدس ليست للفلسطينيين
وحدهم، وإن كانوا أولى الناس بها، وليست للعرب وحدهم، وإن كانوا أحق الأمة بالدفاع
عنها، وإنما هي لكل مسلم أياً كان موقعه في مشرق الأرض أو مغربها، في شمالها أو
جنوبها، حاكماً كان أو محكوماً، متعلماً أو أمياً، غنياً، أو فقيراً، رجلاً أو
امرأة، كل على قدر مكنته واستطاعته.
وكان الشيخ الزهاوي يكاتب الملوك من أجل هذه
القضية، ومن أجل قضايا المسلمين الأخرى، فقد كتب إلى الملك سعود، والملك محمد
الخامس، والملك إدريس السنوسي، والرئيس السوداني، والرئيس الباكستاني محمد أيوب
خان، والملك فيصل… وسواهم.
وكان يراسل ويلتقي رجال الإسلام، ويدعوهم إلى
التعاقد على نصرة الإسلام والمسلمين حيث كانوا، وخاصة القضية الفلسطينية، ويدعوهم
إلى الجد في العمل، والإخلاص فيه، وأن يكون هدفهم الأول استرجاع فلسطين العزيزة،
وأن يبذلوا في سبيلها كل غال ونفيس.
ومن اهتمامات الشيخ أمجد الزهاوي
بالقضية الفلسطينية نوجزها فيما يأتي:
1.
الشيخ الزهاوي وموقفه تجاه استفزازات اليهود في القدس عام 1929
تمثلث تلك الاستفزازات عندما قام اليهود عام 1929
بوضع ستار عند “حائط المبكى” عند قيام المسلمين بأداء الصلاة على الرغم
من أن حائط “المبكى” هو من الأماكن المقدسة التي تعود للمسلمين كما
اعترف البريطانيين بذلك في القرار: (للمسلمين وحدهم تعود ملكية الحائط الغربي،
ولهم وحدهم الحق العيني فيه، لكونه يؤلف جزءاً لا يتجزأ من ساحة الحرم الشريف التي
هي من أملاك الوقف. وللمسلمين أيضاً تعود ملكية الرصيف الكائن أمام الحائط وأمام
المحلة المعروفة بحارة المغاربة المقابلة للحائط، لكونه موقوفاً ـ حسب… أحكام
الشرع الإسلامي ـ لجهات البر والخير)([2]).
احتج الشيخ الزهاوي على ذلك الإجراء، وقد ظهر ذلك
من خلال الاجتماع الذي عقده علماء الدين في بغداد في جامع السيد سلطان علي، والذي
شهد تناوب المجتمعين على إلقاء الخطب، التي نددت بتلك المظالم، فضلاً عن رفض
المجتمعين للسياسة الاستعمارية البريطانية المساندة لليهود([3]).
2.
الشيخ الزهاوي واعتقال أعضاء اللجنة العربية العليا
استمرت الأحداث بالاشتعال في فلسطين حتى تفجرت ثورة
1936، وجرت مظاهرات واشتباكات في بعض المدن الفلسطينية، ثم شكلت لجان إسلامية
وقومية للإضراب العام في نابلس وحيفا ويافا وغزة، ثم تشكلت اللجنة العربية العليا
في فلسطين في 25 نيسان عام 1936.
وقد ضمت كل الأحزاب الفلسطينية، وذلك إدراكاً منه
بضرورة العمل تحت لواء موحد، ثم أعلن الإضراب العام في فلسطين، وطالبت هذه اللجنة
بإنشاء حكومة فلسطينية وبرلمان فلسطيني، وأصدرت مجموعة من القرارات الرئيسية في
أول برلمان لها، حددت في ثلاث أهداف رئيسية للجنة العربية العليا وهي:
1.
إيقاف
الهجرة اليهودية إلى فلسطين ومنعها منعاً باتاً.
2.
إيقاف
بيع الأراضي الفلسطينية لليهود.
3.
إنشاء
حكومة وطنية فلسطينية مسؤولة أمام مجلس نيابي فلسطيني منتخب.
ونتيجة للجهود الكبيرة التي بذلها أعضاء اللجنة في
فضح سياسة بريطانيا في فلسطين قامت باعتقال بعض أعضائها في عام 1937.
وكان الشيخ الزهاوي يتابع هذه اللجنة ويبحث عن
أخبارها، وبما كانت تربطه علاقة وثيقة مع رئيسها الحاج الأمين الحسيني، ولما علم
بأن السلطات البريطانية قد اعتقلت بعض أعضائها، استنكر الشيخ الزهاوي ذلك الإجراء
وعبر عن ذلك في البرقية الاحتجاجية التي أسهم في رفعها مع أعضاء جمعية الهداية
الإسلامية إلى السفارة البريطانية في بغداد وقد جاء فيها: (نستنكر ونحتج بشدة على
قيام السلطات البريطانية في فلسطين باعتقال أعضاء اللجنة العربية في فلسطين ونعد
ذلك اعتداءاً سافراً..)([4]).
3.
استنكار الشيخ الزهاوي قرار تقسيم فلسطين عام 1937
بعثت بريطانيا لجنة تحقيق ملكية إلى فلسطين في
11/11/1936، سميت بـ (لجنة بيل)، لدراسة الوضع فيها، وخاصة أسباب النزاع كخطوة
أولى للتهدئة، وبقيت أكثر من شهرين تستمع إلى شهادات الإنكليز واليهود، وقدمت
تقريرها في القدس في 7/7/1937 بعد أن استمعت إلى الطرفين الإسلامي واليهودي، وقد
ترأس تلك اللجنة اللورد بيل (Lord Bill)، وقررت
ضرورة التخلي عن الانتداب، وتقسيم فلسطين إلى ثلاثة أقسام:
1.
دولة
يهودية تضم الأراضي الواقعة تحت سيطرة اليهود.
2.
دولة
إسلامية تضم جميع الأراضي التي يسكنها المسلمون.
3.
تبقى
المناطق ذات الموقع الاستراتيجي تحت وصاية الانتداب البريطاني.
استنكر الشيخ الزهاوي قرار لجنة التقسيم، وقد جاء
ذلك الاستنكار من خلال البرقية التي رفعها الشيخ الزهاوي بتاريخ الثامن والعشرين
من تموز عام 1937، إلى جانب ممثلي المذاهب الدينية في العراق إلى وزارة الخارجية
البريطانية وسكرتارية عصبة الأمم، وقد عدت تلك البرقية قرار التقسيم بتاريخ الثاني
عشر من تموز عام 1937 بمثابة طعنة للمسلمين([5]).
وبصفته رئيساً لجمعية الهداية الإسلامية فقد اشترك
الشيخ الزهاوي في الاحتجاج الذي رفعته الجمعية إلى رئاسة الوزارة في العراق حول
قرار التقسيم.
كما طالب الشيخ الزهاوي ومن خلال برقية علماء بغداد
الموجهة إلى عصبة الأمم بإلغاء قرار التقسيم، إذ كان يرى في مطلبه ذلك شرطاً
أساسياً لإقامة السلام في المنطقة عموماً([6]).
4.
الشيخ الزهاوي يعلن الجهاد ضد اليهود الصهاينة
كتب الشيخ الزهاوي نداءً باسم رابطة علماء المسلمين
في العراق إلى الشعب العراقي بصورة خاصة والعالم الإسلامي بصورة عامة، بين فيها
ضرورة التعبئة للجهاد في سبيل الله بالنفس والمال ضد اليهود الصهاينة، المعتدين
الذين دنسوا المسجد الأقصى، وقتلوا الأبرياء، وهتكوا الحرمات، ونهبوا الأموال.
وقد لاقت هذه الفتوى رواجاً كبيراً في عموم العراق
وديار المسلمين، وقبولاً لدى أصحاب الغيرة من أبناء الإسلام، فقد تطوع كثير من
المجاهدين في مختلف الدول وشاركوا في الجهاد مع إخوانهم في فلسطين ضد اليهود
الغاصبين([7]).
5.
الشيخ الزهاوي ووعد بلفور
عندما صدر وعد بلفور أثناء الحرب العالمية الأولى،
كانت القوات البريطانية تحارب للاستيلاء على فلسطين من الدولة العثمانية التركية.
أرادت بريطانيا أن تحكم فلسطين لموقعها قرب قناة السويس التي تصل البحر الأبيض
المتوسط بالبحر الأحمر.
رفض الشيخ الزهاوي قيام بريطانيا بإعلان ذلك
التصريح، ويتضح ذلك من خلال الاحتجاج الذي رفعته جمعية الهداية الإسلامية في بغداد
إلى السفير البريطاني بمناسبة ذكرى صدور ذلك التصريح وكان ذلك في شهر تشرين الثاني
عام 1937([8]).
ومما جاء في ذلك الاحتجاج: (نحن نعلم أن لغة
الاحتجاجات لم يبق لها مفهوم في نظر السياسة الغاشمة ولا ترجع حقاً ولا ترفع ظلماً،
ولكن نريد أن يشهد العالم أن ما قامت به بريطانيا إنما هو ظلم وعدوان على حساب
الحقوق المشروعة للمسلمين في فلسطين..)([9]).
6.
الشيخ الزهاوي وقرار تقسيم فلسطين 1947
إن هذا القرار كان موضع شجب واستنكار الشعب
العراقي، وكان العراق قد ساند الشعب الفلسطيني في ثورته عام (1936-1939م) ضد
الانتداب البريطاني وضد الهجرة اليهودية إلى فلسطين.
والشيخ
الزهاوي عبر عن ذلك التوجه في أثناء قيام لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة برفع
تقريرها إلى المنظمة الدولية والذي كان يقضي بتقسيم فلسطين.
كما وجه الشيخ الزهاوي برقية استنكار لذلك التقرير
إلى المفوضيات القطرية والأجنبية في العراق، وعد الشيخ الزهاوي ذلك التقرير
عدواناً صارخاً على حقوق المسلمين([10]).
وقد كان ذلك التقرير صدى واسعاً في الأوساط
الفلسطينية وخاصة محمد أمين الحسيني الذي أثنى على موقف الشيخ الزهاوي([11]).
وبعد صدور قرار التقسيم وجه الشيخ الزهاوي نداء
باسم جمعية الهداية الإسلامية إلى المسلمين قال فيه: (أيها المسلمون، إن إنقاذ
فلسطين وأبنائها حق وفرض على كل مسلم ومسلمة، واعلموا: أن الموت في سبيلها هو
الحياة والمجد…)([12]).
7.
الشيخ الزهاوي والحرب العربية الصهيونية 1948
بعد قرار التقسيم وانتهاء الانتداب البريطاني في (5
رجب 1367هـ/14 مايو 1948م)، تمكنت العصابات اليهودية في فلسطين من تسليح أنفسها،
وشنّ هجمات على الفلسطينيين العزل المجردين من السلاح، وارتكبت مذابح عديدة ضدهم،
وهو ما أثار غضب المسلمين، وأشعل جذوة الإيمان في النفوس؛ فتداعوا إلى الجهاد وحمل
السلاح دفاعا عن إخوانهم، ونصرة لدينهم، وبدأت بعض الأحزاب والجماعات تنظيم عملية
التطوع وإقامة المعسكرات، للتدريب على السلاح.
وهو ما كان الشيخ الزهاوي يسعى إلى أن تقوم به
الحكومات العربية، وتحقيقاً لهذه الغاية وبعد قرار التقسيم بأسبوع واحد، قرر الشيخ
الزهاوي وبعد تأسيس جمعية إنقاذ فلسطين:
1.
إرسال
المتطوعين إلى فلسطين، فأمر الشيخ الزهاوي بأن تفتح مكاتب للتطوع وكانت في
الجوامع.
2.
الإعلان
عن حاجة الجمعية للأموال، لذلك فتح الشيخ الزهاوي باب التبرع للحصول على تلك
الأموال([13]).
ودعماً لذلك التوجه فقد وجه الشيخ الزهاوي دعوة إلى
علماء بغداد لعقد مؤتمر ديني في مقر الجمعية، وقد عقد المؤتمر برئاسة الشيخ
الزهاوي، وتم فيه مناقشة كافة الأمور التي يجب معالجتها في سبيل تجهيز القوة
العسكرية، فضلاً عن ذلك فقد تم انتخاب لجنة مركزية يودع إليها تنفيذ ما اتفق عليه
في ذلك الاجتماع منها جمع الأموال، لا سيما عن طريق السفر إلى مناطق العراق
المختلفة، ومنها كركوك وأربيل والسليمانية، التي سافر إليها الشيخ الزهاوي وبصحبة
أعضاء اللجنة المركزية([14]).
8.
جهود الشيخ الزهاوي في تأسيس جمعية إنقاذ فلسطين
إن أول حدث هام أثار حمية الشيخ أمجد الزهاوي هو
القضية الفلسطينية، إذ إنه نظر إلى واقع العالم الإسلامي، فرآه منفرط العقد، ليس
لديه قيادة موحّدة، ولا رابطة تربط بين بلدانه، وأنه ليس سوى أقاليم يسيطر عليها
الغرب الحاقد، ودويلات شبه مستقلة، والواقع أنها تحت نفوذ الغرب وتوجيهه، فأراد
رحمه الله أن يجعل من القضية الفلسطينية:
1.
حافزاً
إلى وحدة المسلمين في العالم، ونبذ الخلاف فيما بينهم، ورفع شعار: (يا مسلمي
العالم توحدوا).
2.
إثارة
مشاعرهم للتمسك بعقيدتهم، وخاصة بعد قرار تقسيم فلسطين عام 1947.
لما صدر قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين عام 1947
إلى دولتين عربية منزوعة السلاح والحقوق، ودولة يهودية لها كل الامتيازات ومقومات
الحياة، عمت بلاد المسلمين المظاهرات والرفض العارم.
وكان في مقدمة تلك الدول العراق، حيث بادر علماء
العراق، وعلى رأسهم سماحة الشيخ أمجد الزهاوي ومجموعة من الدعاة، نصرة قضية فلسطين
وتأسيس جمعيات لهذا الغرض، فالتف حوله مجموعة من المخلصين لعقيدتهم وأمتهم، من
أنشطهم: محمد محمود الصواف، وعبد الرحمن خضر المحامي البارز، الذي كان من أنشط
أنصار القضية الفلسطينية، ودعا إلى اجتماع في داره، برئاسة الشيخ الزهاوي، وحضره
مجموعة من المتحمسين لهذه القضية.
وقامت جمعية إنقاذ فلسطين بأنشطة مشهودة لدعم
القضية الفلسطينية، خاصة مجهوداتها الحربية أبان الحرب العربية- الإسرائيلية
الأولى (1948)، فكانت باكورة أعمالها تكوينها لجيش إنقاذ من المتطوعين.
ونتيجة للزخم الحاصل من
قبل الجماهير العراقية وتوالي المطالبات بالتطوع للقتال في أرض فلسطين، وفتح
باب التطوع، فتهافت الرجال للقيام بواجبهم، وفي مدة وجيزة تطوع أكثر من (15) ألف
متطوع، معظمهم ممن تدرب في الجندية أو على الشرطة، ولو ترك الباب مفتوحاً لسّجل
عشرات الآلاف([15]).
وفي بغداد تمكن الشيخ الزهاوي وأعضاء جمعية إنقاذ
فلسطين من تشكيل: فوج اليرموك، وفوج القادسية، وفوج الحسين، وكان كل واحد منها
تتكون من 360 مقاتلاً من متطوعي العراق، إلى جانب سرية كوماندوس (مغاوير)، كما
أقيم للمتطوعين معسكر تدريب بالقرب من بغداد([16])..
وقد وصلت هذه الأفواج الثلاثة إلى أرض فلسطين مع تجهيزاتهما من السلاح والعتاد، والمواد الغذائية([17]).
وقد كان لقضية فلسطين والقدس السهم الأكبر في كفاح
الشيخ الزهاوي وإخوانه، في (جمعية إنقاذ فلسطين)، التي ضمت نخبة المجاهدين
والعاملين لقضية الإسلام الأولى في هذا العصر.
ولا بد من الإشارة إلى أن العشائر الكردية في
محافظة نينوى وكردستان العراق، قد لعبت دوراً كبيراً في تجهيز تلك الأفواج بالمال
والسلاح،
لقد قدم العراقيون قرابة مائتين وسبع وثمانون جنديا
وضابطا سواء ممن شاركوا في جيش الإنقاذ أو من خلال الجحفل العراقي الذي جاء بعد
جلاء البريطانيين في 15 أيار 1948.
9.
جمع التبرعات
قامت جمعية إنقاذ فلسطين بجهود كبيرة لجمع التبرعات
للقضية الفلسطينية، وبجهد كبير من رئيسها الشيخ الزهاوي، وتدارسوا كيفية الحصول
على المال، وما يلزم لتجهيز المتطوعين.
يقول الشيخ محمد محمود الصواف: (رحم الله أستاذنا
وشيخنا العلامة الأكبر الشيخ أمجد الزهاوي وأسكنه الجنة، فعندما تذاكرنا في كيفية
الحصول على الأموال لتجهيز المتطوعين قال لنا ببساطته المعهودة وإيمانه الراسخ
وبراءته العذبة: (إخواني لا تهتموا بالمال، فإن الناس متى علموا صدق أعمالنا
ونياتنا، فسوف يحملون المال على أطباق فوق رؤوسهم، ويأتون به إلينا)([18]).
حيث كلف الصواف بالقيام بحملة توعية من على منابر
مساجد بغداد في خطب الجمعة لحث الأهالي على تقديم التبرعات العينية والنقدية
لإنفاقها على المتطوعين.
وقد لاقت دعوته صدى كبيراً بين الأهالي، وكانت
جمعية المعلمين (المركز العام) أول المتبرعين إلى الجمعية، إذ قدمت لها مبلغاً
قدره عشرة آلاف دينار.
ومن الصور الرائعة لتلك التبرعات خلع النساء للحلي
والمجوهرات ووضعها في صندوق التبرعات، وجمعت تبرعات كثيرة في الموصل والبصرة
وكردستان العراق([19]).
10.
مشاركة الشيخ الزهاوي في المؤتمرات لنصرة القضية الفلسطينية
مؤتمر
القدس الإسلامي عام 1925
المؤتمر الإسلامي العام الذي انعقد في القدس عام
1931م
المؤتمر الإسلامي العام في القدس في سنة 1953م
وقد تبنى الشيخ الزهاوي
فكرة المؤتمر، وسعى بعد عودته إلى بغداد، إلى عقده مرة أخرى اعتمادًا على الجهود
الشخصية والشعبية؛ فقررت (جمعية إنقاذ فلسطين في العراق) الدعوة إلى مؤتمر إسلامي
في القدس بمناسبة المولد النبوي في المدة (27 ربيع الأول، 3 ربيع الثاني، 1373ه).
واستطاع الشيخان الزهاوي
والصواف ومن معهما جمع مبلغ من المال من الحكومة العراقية وعدد من التجار
العراقيين؛ لهذا الغرض، ووجّهوا دعوة مكتوبة إلى أنحاء العالم الإسلامي، دعوا
فيها: العلماء وقادة الفكر والدعاة والمصلحين وقادة الجهاد ونخب المجتمع ووجهاء
البلدان للمشاركة فيه. ووقعت الدعوة باسم الشيخ الزهاوي عن جمعية إنقاذ فلسطين،
وباسم الشيخ الصواف عن المكتب الدائم للإسراء والمعراج في القدس.
وكان ممن حضر هذا الاجتماع فضيلة المرشد العام
للإخوان المسلمين الشيخ حسن الهضيبي رحمه الله، والكاتب الإسلامي الكبير الشهيد
سيد قطب رحمه الله، واللواء محمد صالح حرب الرئيس العام لجمعية الشبان المسلمين
رحمه الله والأستاذ الدرديري، والأستاذ عبد المنعم خلاف والشيخ العلامة محمد أبو
زهرة رحمه الله، والأستاذ الشيخ أحمد الشرباصي رحمه الله، والأستاذ الشهيد عبد
القادر عودة رحمه الله وإخوانه الشهداء، والأستاذ محمد يوسف موسى، والشيخ محمد عبد
اللطيف دراز وغيرهم كثير ممن لا تحضرني أسماؤهم من رجال وعلماء القاهرة الأفاضل..)([20]).
وبعد انتهاء المؤتمر عاد الوفد العراقي برئاسة
الشيخ الزهاوي الذي اجتمع بالجمالي رئيس الوزراء عارضاً له المقررات والتوصيات
التي اتخذها المؤتمر، وبغية تنفيذ تلك المقررات والتي كان من أبرزها جمع التبرعات
لسكان القرى الأمامية في فلسطين قام الشيخ الزهاوي ومعه الصواف والطنطاوي بزيارة
ل
-150x150.jpg)