فلسطين في وجدان د. زغلول النجار (رحمه الله)
بقلم: د. سعد الحلبوسي
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
إن
من العلماء من يُكتبون في الكتب ومنهم من يكتبون في ضمير الأمة، ومن الصنف الثاني أستاذي
فضيلة العالم الجيولوجي والمفكر الإسلامي الدكتور زغلول النجار الذي يحمل رسالة
ومسؤولية أخلاقية تجاه قضايا الأمة، وفي مقدمتها قضية فلسطين التي بقيت حاضرة في
وجدانه وفكره وخطابه حتى آخر أيام حياته، وكأنها خيط ممتد يربط بين مشروعه العلمي
ومواقفه الفكرية الدعوية.
أنّ
اهتمام الدكتور زغلول النجار بفلسطين كان جزءًا من تكوينه المبكر وليس موقفًا
طارئًا فرضته أحداث السياسة، فقد نشأ في بيئة قرآنية أصيلة فتكونت عنده خريطة وعي
تعرّفه بالأرض المباركة التي بارك الله حولها وغرس في قلبه مكانة المسجد الأقصى، فكان
يرى أن فلسطين قضية ترتبط بالعقيدة والهوية والذاكرة الحضارية للأمة الاسلامية،
وليست نزاعًا جغرافيًا بين شعبين كما يصورها الاعلام الغربي.
وعندما
التحق بكلية العلوم وتخصص في الجيولوجيا لم يبعده هذا التخصص العلمي عن قضايا
الأمة، فقد أثبت أن دراسة الأرض تقود الإنسان إلى إدراك سنن الله في الكون، وأن
فهم تلك السنن يعزز الإيمان ويمنح الإنسان قدرة أعمق على قراءة التاريخ، ولذلك ظل
يجمع بين العلم الدقيق والهمّ الحضاري، وبين البحث الأكاديمي والدفاع عن قضايا
الأمة.
وحين
سافر إلى بريطانيا لنيل الدكتوراه من جامعة ويلز عام 1961، ثم تنقل بين جامعات
أوروبا والولايات المتحدة، أدرك مبكرًا أن معركة فلسطين لا تُخاض في ميادين القتال
وحدها، بل تُخاض كذلك في العقول، فالرواية الصهيونية كانت تعمل بجهد هائل داخل
الجامعات الغربية ووسائل الإعلام ومراكز البحث، ولذلك رأى أن وجود العلماء
المسلمين في تلك الساحات ضرورة لا تقل أهمية عن أي جهد آخر، فكان فارس ذلك
الميدان.
وفي
سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حين كان يجوب الجامعات في الولايات المتحدة،
ظهر اسم الدكتور زغلول النجار في عدد من المناظرات والمحاضرات التي تناولت القضية
الفلسطينية، ولم يكن خطابه انفعاليًا أو خطابًا احتجاجيًا مجردًا، بل كان خطابًا
علميًا رصينًا يعتمد على الحجة والبرهان، وكان يواجه خصومه بلغة العلم التي يفهمها
الغرب، مستفيدًا من تخصصه في الجيولوجيا والتاريخ الطبيعي لإثبات الحقائق المتعلقة
بأرض فلسطين.
وما
شجعه على زيارة الجامعات الغربية والتعريف بالقضية الفلسطينية والدفاع عنها بقوة
هو زيارة الرئيس المصري الراحل السادات إلى القدس عام 1977 ففي تلك الفترة احتدم
الجدل في الأوساط الغربية حول القضية الفلسطينية، وكان كثير من المثقفين الغربيين
يتبنون الرواية الإسرائيلية بوصفها الحقيقة الوحيدة، عندها انطلق الدكتور زغلول
النجار يجوب المدن الأمريكية محاضرًا ومناظرًا، يشرح الخلفيات التاريخية للصراع،
ويعرض الرواية العربية والإسلامية بلغة هادئة لكنها حاسمة.
وكان
خصومه في تلك المناظرات يتوقعون أن يواجهوا خطيبًا تقليديًا، فإذا بهم أمام عالم
متخصص يتحدث بلغة الأرقام والحقائق، وقد أدهش هذا الأسلوب كثيرًا من الحضور لأنهم
اكتشفوا أن الدفاع عن فلسطين لا يقوم على العاطفة وحدها بل على قراءة علمية دقيقة
للتاريخ والجغرافيا.
ومن
المواقف التي كشفت عن شجاعة الدكتور زغلول النجار في قول الحق ما جرى خلال اجتماع
عقد في وزارة الخارجية البريطانية عقب تفجيرات لندن 2005. فقد
دُعي وفد من علماء الأزهر للحديث مع مسؤولين بريطانيين حول الإسلام وعلاقته
بالإرهاب، وكان السياق العام للاجتماع يوحي بأن المطلوب من العلماء هو الدفاع عن
الإسلام وتقديم الاعتذارات الضمنية.
غير
أن الدكتور زغلول النجار اختار طريقًا مختلفًا، فبعد أن أكد أن الإسلام يرفض
العدوان على الأبرياء طرح على المسؤولين الغربيين أسئلة صريحة حول مسؤولية
السياسات الغربية في إشعال الصراعات في العالم الإسلامي. سألهم: من الذي احتل
الأرض؟ ومن الذي سلّم فلسطين لغير أهلها؟ ومن الذي شن الحروب على بلاد المسلمين في
العراق وأفغانستان؟ لقد قلب السؤال، فجعل النقاش ينتقل من محاكمة الإسلام إلى
مساءلة السياسات الغربية.
وقد
ساد القاعة صمت طويل بعد كلمته، حتى قال أحد المسؤولين البريطانيين عبارة لافتة:
“ليت الجميع يتحدث بصدقك” كان ذلك اعترافًا نادرًا بأن الحقيقة قد تكون
موجعة، لكنها تظل أكثر احترامًا من المجاملة السياسية.
ومن
الشواهد التي تؤكد عمق التزامه الأخلاقي موقفه من التكريم المشروط، فقد ذكر في أحد
لقاءاته أنه عُرض عليه أن يتسلم جائزة من مؤسسة تحمل توجهات فكرية معادية للهوية
الإسلامية، فاعتذر عن قبولها، قائلاً عبارته الشهيرة: “أقبل التكريم من أمتي،
لا ممن يحارب دينها” فكان يدرك أن العالم الذي يساوم على مبادئه يفقد قيمته
العلمية والأخلاقية معًا.
ولم
يكن مشروعه في الإعجاز العلمي في القرآن والسنة منفصلًا عن اهتمامه بفلسطين، ففي
كثير من محاضراته كان يربط بين الإشارات القرآنية إلى الأرض المباركة وبين واقع
الأمة المعاصر، وكان يرى أن القرآن حين يتحدث عن الأرض التي بارك الله فيها
للعالمين، فإنه يلفت انتباه المسلمين إلى مكانتها الإيمانية والتاريخية.
وفي
الجامعات الغربية كان يبدأ حديثه بالإعجاز العلمي فيأسر العقول بدقة الإشارات
القرآنية، ثم ينتقل بعد ذلك إلى الحديث عن مظالم المسلمين في فلسطين، فيجمع بين
مخاطبة العقل وإيقاظ الضمير، وقد كان هذا الأسلوب سببًا في تأثير كبير لمحاضراته،
لأن الحاضرين كانوا يجدون أنفسهم أمام خطاب يجمع بين العلم والإيمان.
وفي
سنواته الأخيرة، حين استقر في العاصمة الأردنية عمّان، ظل قريبًا من فلسطين
جغرافيًا وروحيًا، ورغم تقدمه في العمر وما أصابه من متاعب صحية، لم يتوقف عن
الحديث عن القضية الفلسطينية في محاضراته وكتاباته، ومن بينها كتابه (المؤامرة ..
وقفات مع التآمر الصهيوني والدولي على شعب فلسطين).
وكان
يقول لمن يزوره: إن الدفاع عن فلسطين جزء من الدفاع عن رسالة الإسلام نفسها، وكان
يحذر من أن أخطر ما يمكن أن يصيب الأمة هو أن تنسى قضيتها المركزية، لأن النسيان
بداية التنازل. وما زرته مرة إلا وتحدث عن قضية فلسطين وعن هموم الأمة حتى في
زياتي الأخيرة له قبل وفاته.
وهكذا
بقيت فلسطين حاضرة في دعائه وكلماته حتى الأيام الأخيرة من حياته، وعندما رحل عام
2025 ترك وراءه كتبًا ومحاضرات، بل ترك نموذجًا للعالم الذي جمع بين العلم والموقف.
لقد
علّم الدكتور زغلول النجار أجيالًا كاملة أن العالم الحقيقي ليس من ينعزل في
المختبرات والجامعات، بل من يوظف علمه في خدمة الحق والعدل، وأن الدفاع عن فلسطين
مسؤولية أخلاقية وحضارية.
ولهذا
سيظل اسمه حاضرًا في ذاكرة الأجيال بوصفه عالمًا لم تشغله العلوم التطبيقية عن
قضايا الأمة، ولم تمنعه الشهرة العلمية من قول كلمة الحق، فقد عاش مدافعًا عن
فلسطين، ورحل وهو ثابت على هذا الموقف، ليبقى مثالًا للعالم الذي جعل من علمه
رسالة، ومن حياته شهادة على أن قضية فلسطين ستظل حيّة في ضمير الأمة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*
ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
-150x150.jpg)