آخر الأخبار

التجارة الرابحة في عشر
ذي الحجة

بقلم: د. عبدالعزيز رجب

عضو الاتحاد العالمي
لعلماء المسلمين

 

أيام عشر ذي الحجة قد أقبلت، تحمل إلى
القلوب بشائر القبول، وإلى الأرواح نفحات الإنابة، أيامٌ عظَّمها الله في كتابه،
ورفع شأنها بين سائر الأيام، وجعل العمل الصالح فيها أحبَّ إليه من العمل فيما
سواها، حتى غدت موسمًا تتسابق فيه الأرواح إلى الطاعة، وتتهافت فيه القلوب على
أبواب الرحمة، رجاء مغفرةٍ تمحو الذنوب، ورحمةٍ تُطفئ لهيب الخطايا، ورفعةٍ يبلغ
بها العبد منازل الصالحين.

وفي هذه الأيام تتحرك الأشواق إلى بيت
الله الحرام، وتهفو الأرواح إلى الطواف بالكعبة، والسعي بين الصفا والمروة،
والوقوف بعرفات، ورؤية الجموع المؤمنة وقد تجردت من زخارف الدنيا، ووقفت على باب
مولاها تسأله الرحمة والرضوان.

لو كنتَ فيهم وقد
طافوا وقد وقفوا  **  أحسستَ أن قرار الأرض يرتجفُ

قوافلٌ في جلال النور
زاحفةٌ  **  فيها الملائكةُ الأبرارُ قد زحفوا

سارت ملائكةُ الرضوان
بينهمُ  **  وخالطوهم كأندادٍ فما اختلفوا

دعاؤهم لجناب الله
منطلقٌ  **  فلا يُردُّ على بابٍ ولا يقفُ

فدوا لنا أيها الحجاج
راحتكم  **  وأدركونا فقد أودى بنا التلفُ

غير أن رحمة الله أوسع من أن تُحصر في
مكان، وأعظم من أن تُغلق أبوابها دون أحد، فمن فاته الحج فلا يفوته رب الحج، ومن
عجز عن بلوغ البيت الحرام فباب الملك العلام مفتوح، والعمل الصالح في هذه الأيام
تجارة رابحة لا يخسر صاحبها أبدًا.

فضل عشر ذي الحجة وعلو
منزلتها

قال تعالى: {وَالْفَجْرِ
* وَلَيَالٍ عَشْرٍ}
[الفجر: 1-2].

قال الإمام الطبري رحمه الله: “والصواب
من القول في ذلك أنها عشر الأضحى؛ لإجماع الحجة من أهل التأويل عليه”. تفسير
الطبري (24/533).

وقال الإمام ابن كثير رحمه الله:
“المراد بها عشر ذي الحجة، كما قاله ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وغير واحد من
السلف والخلف”. تفسير ابن كثير (8/390).

ورُوي عن جابر -رضي الله عنه- أن النبي
-ﷺ- قال في قوله تعالى: {وَلَيَالٍ عَشْرٍ}: «هي عشر الأضحى». أخرجه النسائي في
السنن الكبرى والحاكم في المستدرك بسند صحيح.

وإذا أقسم الله بشيء دلَّ ذلك على عظيم
قدره، وشرف منزلته، وعلو مكانته؛ لأن العظيم لا يُقسم إلا بعظيم، فكيف إذا كان
المقسم به أيامًا اختارها الله من بين سائر الأيام، وجعلها أحبَّ مواسم العمل
إليه؟

وقال تعالى: {وَيَذْكُرُوا
اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ}
[الحج: 28].

وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-:
“الأيام المعلومات: أيام العشر”. أخرجه البخاري في صحيحه.

ورُوي عن ابن عباس -رضي الله عنهما-
قال: قال رسول الله -ﷺ-: «ما من أيامٍ العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه
الأيام». قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل
الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء». أخرجه البخاري بسند صحيح.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: “والذي
يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيها، وهي
الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يتأتَّى ذلك في غيرها”. فتح الباري (2/460).

فالصلاة فيها ليست كغيرها، والصدقة
فيها ليست كسواها، والذكر فيها أجلُّ وأعظم، بل حتى دمعة التائب فيها لها عند الله
شأن، إذ هي أيام تتنزَّل فيها الرحمات، وتُضاعف فيها الحسنات، وتُقال فيها
العثرات.

يوم عرفة… يوم الرحمة
الكبرى

ومن أجلِّ ما اختص الله به هذه الأيام
يوم عرفة، ذلك اليوم الذي تتجلى فيه معاني العبودية والانكسار، وترتفع فيه أكف
الضراعة، وتفيض فيه العيون بالدموع، وترجو القلوب عفو علام الغيوب.

رُوي عن أبي قتادة -رضي الله عنه- أن
النبي -ﷺ- قال: «صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفِّر السنة التي قبله والسنة
التي بعده». أخرجه مسلم بسند صحيح.

ورُوي عن عائشة -رضي الله عنها- أن
النبي -ﷺ- قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة».
أخرجه مسلم بسند صحيح.

قال الإمام النووي رحمه الله: “وفي هذا
الحديث دليل ظاهر لفضل يوم عرفة”. شرح النووي على مسلم (9/117).

وفي هذا اليوم يباهي الله بأهل الموقف
ملائكته، ويُظهر لعباده سعة رحمته، وعظيم فضله، وكثرة عتقه من النار، فطوبى لعبدٍ
وقف بباب مولاه منكسرًا، يرجو رحمته، ويخشى عذابه، ويعلم أن النجاة كل النجاة في
صدق اللجوء إلى الله.

يوم النحر… أعظم
الأيام عند الله

رُوي عن عبد الله بن قرط -رضي الله
عنه- أن النبي -ﷺ- قال: «أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر». أخرجه أبو
داود بسند صحيح.

قال ابن القيم رحمه الله: “خير
الأيام عند الله يوم النحر، وهو يوم الحج الأكبر”. زاد المعاد (1/54).

وفي يوم النحر تجتمع شعائر الإسلام
العظمى؛ من صلاة، وذكر، ونحر، وطواف، ورمي للجمار، وإظهارٍ لشعائر الله تعالى.

قال سبحانه: {ذَٰلِكَ
وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ}

[الحج: 32].

أبواب التجارة الرابحة في عشر ذي الحجة

إن التجارة مع الله لا تقوم على كثرة
الأموال، وإنما تقوم على صدق الإيمان، وإخلاص القصد، وحسن الإقبال على الله تعالى.

الصلاة… صلة العبد
بربه

قال تعالى: {وَاسْجُدْ
وَاقْتَرِب}
[العلق: 19].

ورُوي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن
النبي -ﷺ- قال: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد». أخرجه مسلم بسند صحيح.

فحافظ على الفرائض، وأكثر من النوافل،
وأطل الوقوف بين يدي الله، فإن العبد لا يزال يربح من صلاته حتى يكون من أهل القرب
والرضوان.

وكان بعض السلف يقول: “عجبت لمن
يعرف أن الجنة تُزيَّن فوقه، والنار تُسعَّر تحته، كيف ينام بينهما!”.

الذكر… حياة القلوب

رُوي عن عبد الله بن عمر -رضي الله
عنهما- أن النبي -ﷺ- قال: «فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد». أخرجه
أحمد والطبراني بسند حسن.

وكان عبد الله بن عمر وأبو هريرة -رضي
الله عنهما- يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران، فيكبر الناس بتكبيرهما. أخرجه
البخاري في صحيحه.

قال ابن القيم رحمه الله: “الذكر للقلب
مثل الماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء؟”. الوابل الصيب (ص: 71).

فالقلوب لا تحيا إلا بذكر الله، ولا
تطمئن إلا بالقرب منه، ولا تستقيم إلا إذا عمرت بالتكبير والتهليل والاستغفار.

الصيام… تجارة
الصابرين

وخاصة صيام يوم عرفة لغير الحاج.

رُوي عن أبي قتادة -رضي الله عنه- أن
النبي -ﷺ- قال: «يكفِّر السنة الماضية والباقية». أخرجه مسلم بسند صحيح.

قال الإمام النووي رحمه الله: “صيام
هذه التسعة مستحب استحبابًا شديدًا”. شرح النووي على مسلم (8/71).

فيا من أثقلته الذنوب، هذه أيام
التوبة، ويا من أرهقته الغفلة، هذا باب الرحمة، ويا من ضاقت به الدنيا، هذه أيام
القرب من الله.

القرآن… نور الأرواح

قال تعالى: {إِنَّ
هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}
[الإسراء: 9].

ورُوي عن عبد الله بن مسعود -رضي الله
عنه- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة
بعشر أمثالها». أخرجه الترمذي والدارمي بسند حسن صحيح.

وقال عثمان بن عفان -رضي الله عنه-:
“لو طهرت قلوبكم ما شبعت من كلام ربكم”.

فاقرأ القرآن في هذه الأيام بقلب حاضر،
وتدبر صادق، وخشوع يوقظ الروح من غفلتها، فإن القرآن ربيع القلوب، ونور الصدور،
وشفاء الأرواح.

الصدقة… تجارة لا تبور

قال تعالى: {مَّن
ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ}

[البقرة: 245].

ورُوي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن
النبي -ﷺ- قال: «ما نقص مال من صدقة». أخرجه مسلم بسند صحيح.

فأطعم جائعًا، واكسُ محتاجًا، وأدخل
السرور على قلب يتيم، فلعل دعوة صادقة من منكسرٍ عند الله تكون سبب سعادتك يوم
القيامة.

الأضحية… شعيرة الطاعة
والاستسلام

قال تعالى: {فَصَلِّ
لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}
[الكوثر: 2].

ورُوي عن عائشة -رضي الله عنها- أن
النبي -ﷺ- قال: «ما عمل آدمي يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم». أخرجه
الترمذي وابن ماجه بسند حسن.

وهي شعيرة عظيمة، وسنة مؤكدة للقادر
عليها، فيها إحياء لسنة الخليل إبراهيم عليه السلام، وتعظيم لشعائر الله تعالى.

ورُوي عن أم سلمة -رضي الله عنها- أن
النبي -ﷺ- قال: «إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره
شيئًا». أخرجه مسلم بسند صحيح.

الخسارة الحقيقية

الخسارة ليست في مالٍ يفنى، ولا تجارةٍ
تخسر، ولا منصبٍ يزول، وإنما الخسارة الحقيقية أن تمر عليك هذه الأيام وقلبك بعيد
عن الله، وأن تسمع التكبير ولسانك صامت، وأن ترى أبواب الرحمة مفتوحة ثم لا
تدخلها.

قال الحسن البصري رحمه الله: “أدركت
أقوامًا كانوا على أوقاتهم أشد حرصًا منكم على دراهمكم ودنانيركم”.

فالعاقل من عرف قيمة الموسم قبل رحيله،
وأدرك أن الأعمار قصيرة، وأن مواسم الطاعات قد لا تعود، وكم من إنسان كان معنا في
عشرٍ مضت وهو اليوم تحت التراب ينتظر حسنةً واحدة تزيد في ميزانه.

فيا من أثقلته الذنوب… هذه أيام
التوبة، ويا من أرهقته الغفلة… هذا باب الرحمة، ويا من يبحث عن النجاة… هذه أيام
التجارة الرابحة مع الله.

دعاء

اللهم يا واسع الرحمة، ويا عظيم
المنَّة، ويا كريم العطاء، بلغنا عشر ذي الحجة، وأعنَّا فيها على ذكرك وشكرك وحسن
عبادتك، وافتح لنا فيها أبواب القبول، وأغلق عنا أبواب الغفلة والذنوب، واجعلنا
فيها من التائبين الصادقين، والذاكرين الخاشعين، والمقبولين الفائزين.

اللهم ارزقنا فيها دمعة توبة لا تجف،
وقلبًا لا يقسو، ولسانًا لا يفتر عن ذكرك، واجعل لنا في يوم عرفة دعوةً لا تُرد،
وذنبًا إلا غفرته، وهمًّا إلا فرَّجته، ومريضًا إلا شفيته، وميتًا إلا رحمته،
ورزقًا إلا بسطته.

وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا
محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا
تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
+ posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *