الصلاة وتأثيرها في القيم
الأخلاقية
بقلم: د.
دحام إبراهيم الهسنياني
عضو
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
إن
للعبادة آثار عديدة في تقويم الجانب الأخلاقي وتثبيت القيم الأخلاقية للمسلم، فقد
جاء المنهاج الرباني في العبادة ليتمم مكارم الأخلاق، ويدعو الناس إلى المثل العليا، والفضائل الكريمة كالصبر
والمثابرة والسماحة والسخاء والصدق، والتي تحقق للإنسان سعادته في الدنيا فضلا عن
الآخرة، وللعبادات بأنواعها مهمة عظيمة في تثبيت هذه الأخلاق وتدعيمها وغرسها في
نفس المؤمن ووجدانه.
فجميع
العبادات التي فرضها الله على عباده تهدف إلى غاية واحدة، هي تهذيب النفس البشرية،
والسمو بها عن المستوى المادي البحت إلى مستوى أرقى من ذلك وأسمى، فتنطبع الإنسان
بطابع الخير، وتغرس فيه مكارم الأخلاق وكريم الخصال.
كما ربط النبي -صلى الله عليه وسلم- عمليًا بين العبادة
والأخلاق فقد ورد في السنن أنه صلى الله عليه وسلم كان من دعائه عند استفتاح
الصلاة: (أهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها إنه لا
يصرف سيئها إلا أنت)(1).
(إن العبادة عند المؤمن نوع من الأخلاق، لأنها من باب
الوفاء لله، والشكر للنعمة، والاعتراف بالجميل، والتوقير لمن هو أهل التوقير
والتعظيم، وكلها من مكارم الأخلاق عند الفضلاء من الناس… ومن أجل ذلك نجد القرآن
يعقب على أوصاف المؤمنين القانتين المطيعين لله بمثل هذه الجمل: (أُولَئِكَ
الَّذِينَ صَدَقُوا)
(البقرة: ١٧٧)، (أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحجرات: ١٥)، والصدق فضيلة خلقية خالصة، وإنما
استحقوها – بل جعلت مقصورة عليهم – لأن أعلى مراتب الصدق، وأثبتها وأبقاها هو
الصدق مع الله رب العالمين… فإذا كانت العبادة عند المؤمن لونا من الأخلاق
المحمودة، فالأخلاق عنده لون من العبادة المفروضة…)(2).
وقد عرّف
الجرجاني العبادة تعريفًا جامعًا فقال: (هي الوفاء بالعهود، وحفظ الحدود، والرضا
بالموجود، والصبر على المفقود)(3).
إن
أبرز السمات الأخلاقية للمجتمع المسلم ذلك الارتباط الوثيق بين العبادة والأخلاق،
إذ أن العبادة تزكي نفس صاحبها وتوجه سلوكه توجيهاً شفافاً متورعاً عن الحرمات،
وتهذب أخلاقه وتقومها باستمرار.
ومن أجلّ
هذه العبادات الصلاة، التي هي معراج المؤمن، وليتبين لنا كيفية تأثيرها
في القيم الأخلاقية.
إنّ الأمة الإسلامية في هذه الآونة إن كانت فقدت التقدم
التقني، فإنّها تملك المنهجَ الربانيَّ الأقوم، الذي يعيد لها مكان الصدارة
والريادة، ومحور ارتكاز الشهود الحضاري ينبثق من الأخلاق، ونتائج ذلك لا تأتي في
يوم وليلة، بل تحتاج إلى مجاهدة وصبر، ومثال ذلك كما قال تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ
بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) (طه: 132).
ووجه الدلالة من هذه الآية: أنّ الصلاة التي هي جزء في سلوك الإنسان اليومي تحتاج
إلى صبر، وهي ما هي في مكانتها وعظمها، فكل ما يتعلق بالأخلاق والسلوك التربوي
كذلك.
ولقد ربط القرآن الكريم بين الأخلاق
والعبادات فجعلها إحدى الثمار الدانية من وراء التكاليف الشرعية وليست بمعزل عنها،
قال تعالى:
(وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ
وَالْمُنْكَر) (العنكبوت: 45).
إن
للصلاة تأثير كبير في تثبيت القيم الأخلاقية، فهي التي تجعل المؤمن وقافاً عند
حدود الله، وتعده إعداداً أخلاقياً راقياً، إذ يحرص دائماً على الطهارة والنظافة
طوال اليوم والليلة، كما تعوده ضبط الوقت، وعدم تأخير واجباته عن موعدها، كما أنها
تعلمه السكينة والوقار والاحترام ومراعاة نفوس الآخرين ومشاعرهم.
وللصلاة
تأثير كبير في صرف النفس عن الأخلاق الرذيلة كما قال تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ
وَالْمُنْكَرِ) (العنكبوت: 45). قال أبو
العالية في هذه الآية: (إن الصلاة فيها ثلاث خصال، فكل صلاة لا يكون فيها شيء من
هذه الخلال فليست بصلاة: الإخلاص والخشية وذكر الله، فالإخلاص يأمره بالمعروف،
والخشية تنهاه عن المنكر، وذكر الله يأمره وينهاه)(4).
الصلاة
تربى الإنسان خلقياً وعقلياً، فهي تربط الإنسان بالله، كما أنها تقوي إرادة
الإنسان وتعوده على ضبط النفس والمثابرة، فالصلاة التي نصليها في اليوم خمس مرات،
إنما هي صلة بالرب ومناجاة للخالق، والنفس في هذه اللحظة القدسية تستشعر العظمة
الإلهية، فتطهر من صنوف الرذائل، وشتى الشوائب.
– أول ما نلاحظ اقتران الصلاة بلفظ (أَقِيمُوا):
للإشعار بأدائها بإخلاص لله وحده، مع صدق التوجه إليه تعالى، والخشوع لعظمته
وجلاله، والاستكانة لعز سلطانه، ورعاية ما اقترنت به من أخلاق عليا ومبادئ مثلى
حتى ترتقي بها إلى القبول.
ـ اقتران الصلاة بالقول الحسن، فقال تعالى:
(وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا
الصَّلاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ)
(البقرة: 83). فينبغي أن يكون المصلي متعاهدًا
نفسه لتربيتها على القول الحسن، وليس القول الحسن خاصًا بالمؤمنين فقط، بل لجميع
الخلق مؤمنهم وكافرهم، فهو على العموم وذلك أنّ كلام الناس مع الناس في الأمور
الدينية إن كان بالدعوة إلى الإيمان وجب أن يكون بالرفق واللين، كما قال الله تعالى
لموسى عليه السلام: (فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا) (طه: 44). وقال لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم: (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) (آل
عمران: 159).
ـ الصلاة مقترنة بالإعراض عن اللغو قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ
وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) (المؤمنون:
1ـ4).الصلاة حين تقام تنهى عن الفحشاء والمنكر، فهي
اتصال بالله يخجل صاحبه ويستحيي أن يصطحب معه كبائر الذنوب وفواحشها ليلقى الله
بها، وهي تطهر وتجرد لا يتسق معها دنس الفحشاء والمنكر وثقلتهما، (من صلى صلاة لم
تنهه عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بها من الله إلا بعدا)(5) وما أقام
الصلاة كما هي وإنما أداها أداء ولم يقمها… وفرق كبير بينهما… فهي حين تقام
ذكر لله. (ولذكر الله أكبر) أكبر إطلاقاً، أكبر من كل اندفاع، ومن كل تعبد وخشوع(6).
وفي
الصلاة قوة خلقية ومدد لضمير المؤمن يقويه على فعل الخير، وترك الشر، ومجانبة
المنكرات، ومقاومة الجزع عند الشر، والمنع عند الخير، فهي تغرس في القلب مراقبة
الله تعالى، ورعاية حدوده، والحرص على المواقيت، والدقة في المواعيد، والتغلب على
نوازع الكسل والهوى، وجوانب الضعف الإنساني(7).
ـ الصلاة مقترنة بتطهير النفس من براثن الفواحش والمنكر،
قال تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ
تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَر) (العنكبوت: 45). ومن
التطبيق العملي لهذه الآية ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان فتى من
الأنصار يصلي مع النبي صلى الله
عليه وسلم ولا يدع شيئا من الفواحش والسرقة إلاّ ركبه، فذكر
للنبي صلى الله عليه وسلم
فقال: (إنّ الصلاة ستنهاه) فلم يلبث أن تاب، وصلحت حاله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألم
أقل لكم)(8).
وهكذا
تبين أن عبادة الصلاة تعود المؤمن كل القيم الأخلاقية من الصبر والدأب والإخلاص
والنظام حتى تصبح جميعاً خلقا راسخا في النفس، فالمسلم النائم حين يقوم من لذة
النوم على نداء المؤذن: (الصلاة خير من النوم) وكذلك حين ينسحب من ضجيج الأسواق
والبيع والشراء ملبيا لنداء: (حي على الصلاة)، ثم لا يزال دأبه هكذا عبر الساعات
والأيام والأعوام، فهذا وأمثاله لابد أن تتربى فيهم هذه المعاني الخلقية العالية،
وهكذا كما أن الصلاة عماد الدين فإنها تثبت في نفس المؤمن عماد القيم الأخلاقية.
وإذا
لم تؤدى العبادات في المسلم هذه الثمرة، ولم تصل معه إلى هذه النتيجة – وهي تهذيب
النفس وظهور آثار هذا التهذيب في تقويم الأخلاق وسلوكه- فما هي إلاّ طقوس وحركات
فارغة، وأعمال جوفاء جامدة، إذ أن علاقة الأخلاق بالعبادة علاقة وطيدة، فقد لا
تنفع المرء صلاة ولا زكاة أو صيام يوم القيامة، إن كان من المفسدين المعتدين على
الناس. سأل الرسول صلى الله عليه وسلم
يوماً أصحابه فقال: (أتدرون من المفلس، قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا
متاع. فقال: المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام، ويأتي وقد شتم
هذا وقذف هذا، وأكل مال هذا وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من
حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح
في النار)(9). فهذه العبادات تلتقي
كلها عند الغاية التي رسمها رسول الله صلى
الله عليه وسلم في قوله: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)(10).
فإذا
لم يستفد المرء من عبادته ما يزكي قلبه وينقي لبه، ويهذب بالله وبالناس صلته فقد
هوى(11)، ويؤكد ما نقول حول الصلة الوثيقة بين العبادة والسلوك ما جاء
ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم
أن رجلا قال له: يا رسول الله، إن فلانة تذكر من كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها، غير
أنها تؤذي جيرانها بلسانها، فقال صلى الله
عليه وسلم: (لا خير فيها، هي في النار)، قال: يا رسول الله،
وان فلانة تذكر من قلة صيامها وصلاتها وصدقتها ولا تؤذي جيرانها، قال: (هي في
الجنة)(12). تؤكد هذه الأحاديث على عدم جدوى العبادة إذا فقدت روحها
وفاعليتها في تهذيب نفس صاحبها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة
تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
** الهوامش
(1) رواه
أحمد: 1/94، رقم (729)، ومسلم: 1/534، رقم (771).
(2)
العبادة في الإسلام، د. يوسف القرضاوي: 124.
(3) التعريفات للجرجاني: 151.
(4) تفسير ابن كثير: 3/416.
(5) رواه البيهقى في شعب الإيمان: 3/174، رقم (3262)،
والطبراني: 11/54، رقم (11025) .
(6) في ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب: 5/2738.
(7) العبادة في الإسلام للقرضاوي: 271.
(8) رواه البيهقي في شعب الإيمان: 3/174 رقم (3261).
(9) رواه أحمد 2/303، ومسلم (2581) في البر والصلة،
والترمذي، رقم (2418)، وقال: حسن صحيح.
(10) رواه الحاكم: 2/670، رقم (4221) وقال:
صحيح على شرط مسلم. والبيهقى، رقم (20572).
(11) خلق المسلم، الشيخ محمد الغزالي: 9 –
12.
(12) رواه الحاكم في مستدركه: 4/183 (7304) كتاب البر
والصلة، والبيهقى في شعب الإيمان: 7/78.
-150x150.jpg)