آخر الأخبار

بلال الحبشي رمز انسجام الإسلام مع فطر الشعوب والألوان

شارك المقال على :

بلال الحبشي رمز انسجام الإسلام مع فطر الشعوب والألوان

بقلم أ.د. علي محيي الدين القره داغي

الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين،

وبعد

فحينما ننظر إلى الرعيل الأول من الصحابة الكرام رضي الله عنهم، نرى من خلالهم التطبيق الكامل للإسلام عقيدة وشريعة ومنهج حياة، وأخلاقاً عظيمة ، وتضحيات جسيمة ، وإيثاراً فاق كل التصورات ، ولذلك أكرمهم الله تعالى بهذه الشهادة فقال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ )[1]  فكانت الخيرية خيرية العقيدة والسلوكيات والأخلاق ، وليست خيرية القومية والأعراق.

ومن جانب آخر نرى من تشكلهم من معظم الأعراق والألوان ، والأقوام عموم رسالة الإسلام إلى جميع الأنام  -من مختلف الأجناس والألوان والأقوام- فنجد بينهم -بالإضافة إلى العرب الذين أسلموا- الحبشي (بلال) الذي ينتمي ببشرته السوداء إلى القارة الأفريقية، والفارسي (سلمان) الذي يشير إلى الأمم الفارسية ، والروميّ (صهيب) الذي يعبر عن الروم والأمم الأوروبية، وغيرهم رضي الله عنهم جميعاً.

ولم تأت هذه التشكيلة دون سبب واعتبار، وإنما كان ذلك تقدير العزيز الغفار ، بأن هذا الدين هو دين جميع الشعوب والأقوام والأمم والحضارات والأديان السابقة، ولذلك خاطبهم الله تعالى بعد ذكر أكبر عدد من الأنبياء والأقوام فقال تعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)[2].

فهذه التشكيلة من مختلف الأجناس والقارات في باكورة الدعوة الإسلامية ، تدل بوضوح على مجوعة من الثوابت والحقائق، من أهمها :

أ- أن هذا الدين دين الفطرة التي فَطَرَ الناس عليها ، ولذلك ينسجم مع جميع الفطر السليمة لأنواع البشر مهما اختلفت طبائعهم وألوانهم وحضاراتهم ودياناتهم السابقة .

ب- عمومية الرسالة إلى الناس أجمعين فقال تعالى آمراً نبيّه محمداً صلى الله عليه وسلم : (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ  لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ  فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)[3].

ج- إنه دين يكون الفضل فيه للعمل الصالح النافع والتقوى فقط ، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا  إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ  إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)[4]  ، وقال صلى الله عليه وسلم : (يا أيُّها النّاسُ، ألا إنَّ ربَّكُم عزَّ وجلَّ واحدٌ، ألا وإنَّ أباكُمْ واحدٌ، ألا لا فَضْلَ لعربيٍّ على عَجَميٍّ، ألا لا فَضْلَ لأَسْودَ على أحمرَ إلّا بالتَّقوى)[5].

ومن هؤلاء الصحابة الكرام الذين سبقوا بالإيمان والتضحيات سيدنا بلال بن رباح (رضي الله عنه) الذي كان عبداً فأسلم، وعُذّب عذاباً  شديداً وهو صاحب القصّة المعروفة ( أحدٌ أحد..) ، فاشتراه أبوبكر رضي الله عنه فأعتقه ، ولذلك كان الخليفة ا لراشد عمر رضي الله عنه يقول: (أبوبكر سيدنا ، واعتق سيدنا) يعني بلالاً[6].

وروى مسلم بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : (قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِبِلالٍ: عِنْدَ صَلاةِ الغَداةِ يا بلالُ حَدِّثْنِي بأَرْجى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ عِنْدَكَ في الإسْلامِ مَنْفَعَةً، فإنِّي سَمِعْتُ اللَّيْلَةَ خَشْفَ نَعْلَيْكَ بيْنَ يَدَيَّ في الجَنَّةِ قالَ بلالٌ: ما عَمِلْتُ عَمَلًا في الإسْلامِ أَرْجى عِندِي مَنْفَعَةً، مِن أَنِّي لا أَتَطَهَّرُ طُهُورًا تامًّا، في ساعَةٍ مِن لَيْلٍ وَلا نَهارٍ، إلّا صَلَّيْتُ بذلكَ الطُّهُورِ، ما كَتَبَ اللَّهُ لي أَنْ أُصَلِّيَ.) [7].

 

شدّة حُبّه للرسول صلى الله عليه وسلم :

ومما امتاز به سيدنا بلال رضي الله عنه أنه كان شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى إنه ترك المدينة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم للجهاد، وترك الأذان فيها إلى أن فتح الله على يدي أمير المؤمنين الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، الشام وبيت المقدس فأذن بلال ، فتذكّر الناس النبي صلى الله عليه وسلم ، قال أسلم : (فلم أر يوماً أكثر باكياً منه) [8].

وأيضاً لما احتضر بلال رضي الله عنه، نادت زوجته:  (واحزناه) فقال رضي الله عنه : (واطرباه، غداً ألقى الأحبة محمداً وحزبه) [9] .

وهناك قصة متداولة على منصات التواصل الاجتماعي وهي : أن بلالاً ذهب إلى أبي بكر الذي طلب منه أن يؤذن له، فأبى وبكى… ) فهذه القصة ليست صحيحة ولا ثابتة بأي سند صحيح، وإنما الثابت هو استئذانه من الخليفة أبي بكر رضي الله عنه للجهاد حيث ذهب مجاهداً إلى الشام، وشارك في عدة فتوحات. 

فرضي الله تعالى عن سيدنا بلال فقد كان قدوة في الالتزام بالتوحيد ، وقدوة في الصبر والتحمّل على العذاب والابتلاء، كما كان قدوة في الحب العظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصحبه الكرام.

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

كتبه

أ.د.  علي محيي الدين القره داغي

الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

الدوحة 12 ذو العقدة 1442ه = 22 يونيو 2021م

 


[1] سورة آل عمران / الآية 10  

[2] سورة الأنبياء / الآية 92

[3] سورة الأعراف / الآية 158

[4] سورة الحجرات / الآية 13

[5] أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (3/100) والبيهقي في شعب الإيمان (5137) وقال ابن تيمية في : اقتضاء الصراط المستقيم (1/412) : ( إسناده صحيح) وذكره الألباني في : السلسلة الصحيحة (2700)

[6] رواه البخاري في صحيحه الحديث (3754)

[7] رواه مسلم في صحيحه (2458) وابن حبان في صحيحه (7085)

[8] رواه البخاري فغي تأريخه الأوسط ، وعنه ابن عساكر في تأريخ دمشق ، وأبو داود في كتاب الزهد ص 238

[9] رواه ابن أبي الدنيا في كتاب المحتضرين، وعنه ابن عساكر في تأريخ دمشق.

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
+ posts

أخبار ذات صلة

دُسْتُورُ الأَنْعَامِ.. وَمَيْدَانُ الأَعْرَافِ

دُسْتُورُ الأَنْعَامِ.. وَمَيْدَانُ الأَعْرَافِ (مِحْرَابُ التَّدَبُّرِ: قُطُوفٌ مِنْ خَوَاطِرِ الجُزْءِ

لجنة الثوابت والفكر الإسلامي بالاتحاد تنظم ندوة دولية بعنوان «هجرة النبي ﷺ: بناء وتجديد»

تنظم لجنة الثوابت والفكر الإسلامي بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ندوة

دعوة إبراهيم -عليه السلام- إلى إفراد الله بالعبادة وطلب الرزق

دعوة إبراهيم -عليه السلام- إلى إفراد الله بالعبادة وطلب الرزق

100%