دُسْتُورُ الأَنْعَامِ.. وَمَيْدَانُ الأَعْرَافِ
(مِحْرَابُ التَّدَبُّرِ: قُطُوفٌ مِنْ خَوَاطِرِ الجُزْءِ الثَّامِنِ)
بقلم: د. أحمد مهنا
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
أيها القراء الكرام، يمثل جزءنا الثامن مرحلة حسم المواقف وإعلان بدء المعركة الحقيقية.
نختم فيه سورة الأنعام بوضع اللمسات الأخيرة لكمال المنهج، وإعلان الدستور العالمي، وتحقيق كمال العبودية، ثم نلج مباشرة في رحاب سورة الأعراف لنشهد القصة الأولى للبشرية، ونقف على الأبعاد النفسية لعدونا الحقيقي الذي أخرج أبانا آدم من الجنة.
المحطة الأولى: مكابرة العقول وحاكمية التشريع في الأطعمة:
يفتتح الجزء الثامن آياته بكشف النفسية المتعنتة لجاحدي الحق؛ فهم لا يرفضون الإيمان لنقص في الأدلة، بل مكابرة وعنادا: ﴿ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قُبُلًا ما كانوا ليؤمنوا﴾. المعجزات المادية لا تصنع اليقين في القلوب المغلقة.
ويشرح الإمام القرطبي هذه العقلية المعاندة بقوله: “أعلم الله تعالى أن من سبقت له الشقاوة لا ينفعه شيء من الآيات، ولو أُجيبوا إلى كل ما طلبوا لعاندوا وكابروا”. ثم ينتقل السياق مباشرة ليربط بين هذا العناد وبين (حاكمية التشريع)، وتحديدا في تفاصيل الحياة اليومية كالأطعمة والأشربة.
لقد ظن المشركون أن تحديد الحلال والحرام خاضع لأهوائهم، فشرعوا من عند أنفسهم في الأنعام والحرث، فجاء الرد القرآني الحاسم ليقرر أن التحليل والتحريم هو أخص خصائص الألوهية: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق﴾.
القضية ليست مجرد طعام يدخل الجوف، بل هي قضية (مرجعية)؛ من الذي يملك حق التشريع؟ هذا الدمج القرآني يعلمنا أن التوحيد يتدخل في أدق تفاصيل مائدتك، ليربط المادة بالروح، ويجعل من انقيادك في طعامك عبادة خالصة. لذا، وجب علينا تحري الحلال الصافي في مطعمنا ومشربنا، مدركين أن لقمة الحلال هي أول درجات الاستجابة لله.
المحطة الثانية: الوصايا العشر.. وشمولية العبودية (التأسيس الدستوري):
يقدم لنا ختام سورة الأنعام دستورا قرآنيا عظيما يعرف بـ “الوصايا العشر” في قوله تعالى: ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا…﴾. في ثلاث آيات محكمات، جمع القرآن أصول الأخلاق وقواعد الحقوق؛ من حفظ الدماء، ورعاية أموال اليتامى، وإقامة العدل، والوفاء بالعهد.
وقد وصف حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما هذه الآيات بأنها: “الآيات المحكمات التي لم ينسخهن شيء من جميع الكتب، وهن محرمات على جميع بني آدم، وهن أم الكتاب”.
وبعد تقرير هذه الكليات التشريعية، نودع السورة بآية تمثل (شعار الحياة) لكل مؤمن يتبنى هذا المنهج: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له﴾.
الإسلام هنا ينسف فكرة (الازدواجية السلوكية)؛ فلا مجال لوجود رجل خاشع في المسجد ومخادع في السوق! الصلاة لله، وتربيتك لأولادك لله، وإتقانك لعملك لله، بل ومماتك لله. هذا هو التوحيد الخالص الذي يحول دورتك الحياتية بأكملها إلى عبادة متصلة. فلتكن نيتك حاضرة في كل عادة تمارسها، لتتحول عاداتك اليومية إلى عبادات مأجورة.
المحطة الثالثة: الميزان الحساس.. معيار الكيف لا الكم:
بمجرد أن نخطو في سورة الأعراف، يضع القرآن أمامنا حقيقة أخروية مرعبة ومفصلية: ﴿والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون﴾. دققوا في اللفظ القرآني المذهل؛ لم يقل (والعَدُّ يومئذ الحق)، بل قال (والوزن).
العبرة يوم القيامة ليست بالتراكم الكمي وكثرة الأعمال فحسب، بل بـ (ثقلها) ونوعيتها، وهذا الثقل لا يتحقق إلا بمرتكزين: الإخلاص المطلق لله، والاتباع الدقيق لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. فركعتان في خلوة بقلب حاضر متجرد، قد تثقلان جبالا من أعمال سطحية خالطها الرياء.
وفي هذا يقرر الإمام ابن القيم قاعدة نفيسة قائلاً: “الأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها، وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب، فتكون صورة العملين واحدة، وبينهما في الفضل كما بين السماء والأرض”. وهذا يفرض علينا مراجعة حضور القلب في عباداتنا، والتركيز على الخشوع والصدق قبل الانهماك في كثرة العدد.
المحطة الرابعة: أصحاب الأعراف.. وخطر البقاء على الحافة:
وفي مشهد يخطف الأنفاس، يصور لنا القرآن طائفة من البشر سُميت السورة باسمهم: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾. الأعراف سُورٌ عالٍ بين الجنة والنار، وهؤلاء قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم؛ لم ترجح سيئاتهم فيهلكوا، ولم ترجح حسناتهم فيدخلوا الجنة ابتداءً، فحبسوا في هذا الموقف المهيب يرجون رحمة الله! هذه الآية رسالة إنذار لكل من يستسهل الطاعات، ويكتفي من الدين بالحد الأدنى الذي يجعله دائماً على الحافة، معرّضاً لخطر كفة السيئات.
يقول الإمام ابن الجوزي: “يا هذا، إنما هي كفة ميزان، فسيئة واحدة قد تهوي بك، وحسنة واحدة قد تنجيك”.
فليكن ديدننا المسارعة في الخيرات وتكثير النوافل والصدقات الخفية، لتكون رصيداً يثقل كفتنا ولا يجعلنا من أصحاب الوقوف على الحافة.
المحطة الخامسة: المعركة الكبرى.. وجذور الاستعلاء العنصري:
ثم يفتح لنا القرآن الملف الأقدم في تاريخ الوجود؛ قصة آدم وإبليس. المعركة هنا لم تبدأ بالكفر المجرد، بل بدأت بـ (الكبر والاستعلاء). حين أمر الله إبليس بالسجود، تمرد رافضا وقال بمنطق استعلائي: ﴿أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين﴾. هذه هي الجذور الأولى للعنصرية في التاريخ! فكل من يتكبر على خلق الله بلونه، أو جنسيته، أو ثروته، أو نسبه، إنما يتحدث بلسان إبليس ويتبنى منهجه.
وفي المقابل، تتجلى روعة الأدب النبوي لآدم وحواء عندما أخطآ؛ لم يختلقا المبررات، ولم يجادلا في الذنب، بل سارعا بالاعتراف والانكسار: ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾.
ويعلق العلامة الطاهر ابن عاشور على هذا الفارق الجوهري: “سنة الله في خلقه أن المذنب إذا اعترف وتاب رُحِم، كما فُعل بآدم، والمذنب إذا كابر واحتج بالقدر لُعِن، كما فُعل بإبليس”. وهذا يدعونا لاقتلاع جذور الكبر من نفوسنا تجاه أي إنسان، والمسارعة بالاعتراف بالذنب عند الخطأ دون تبرير.
المحطة السادسة: بين ستر الجسد وستر الروح (معركة العري والتفاهة):
من أخطر الاستراتيجيات الشيطانية التي نشهد تطبيقاتها المعاصرة بمنتهى الوضوح، هي قضية (تعرية الإنسان).
يقول تعالى: ﴿يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا﴾. ولكن القرآن بلفتة بلاغية عميقة يحول أنظارنا لما هو أثمن من بهرج العلامات التجارية وثياب الماركات الباهظة التي نتفاخر بارتدائها: ﴿ولباس التقوى ذلك خير﴾. الجسد الفاني يستر بقطع القماش، أما الروح الخالدة فلا يسترها سوى التقوى، ومن فقد تقواه، فهو عارٍ ومفضوح أمام الله، وإن تسربل بحرير الدنيا وزخارفها. فلنعتنِ بزينة أرواحنا وستر عيوبنا بالتقوى، أشد من اعتنائنا بمظهرنا أمام الخلق.
المحطة السابعة: التحذير العالمي واستراتيجية التزييف الدلالي:
يوجه الله نداء مباشرا للبشرية جمعاء، يحمل طابع الإنذار المبكر: ﴿يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة﴾. هذه الصرخة التحذيرية تكشف لنا تكتيكات العدو.. الشيطان لا يأتيك بوضوح ليقول لك: (اكفر أو ازن أو اسرق)، بل يعتمد سياسة (الاستدراج بالخطوات)، ويستخدم ما يعرف بـ (التزييف الدلالي)؛ أي تغيير مسميات الأشياء القبيحة لتصبح جذابة، تماما كما وسوس لآدم وأوهمه بأن الشجرة المحرمة هي (شجرة الخلد)! ولنا أن نتساءل: كم من محرم في عصرنا الحديث أصبحنا نطلق عليه اسما عصريا براقا لنبرر لأنفسنا الوقوع فيه؟ من هنا وجب علينا أن نسمي الأشياء بمسمياتها الشرعية، فلا نسمي الربا فوائد، ولا التبرج تحرراً، لنسد على الشيطان أبواب التزييف.
المحطة الثامنة: حتمية التدافع والموقف الطبقي (عقبة المَلَأ):
يختم الجزء الثامن ببدء السرد التاريخي لقصص الأنبياء (نوح، هود، صالح، لوط، شعيب).
والملاحظة الاجتماعية العجيبة هنا أن المعارضة الشرسة للحق كانت تنبثق دائما من طبقة مجتمعية واحدة اصطلح القرآن على تسميتها بـ (الملأ): ﴿قال الملأ الذين استكبروا من قومه﴾. الملأ هم النخبة الطبقية والمنتفعة التي ترى في دعوة التوحيد والعدالة تهديدا مباشرا لمصالحها المادية وسلطتها المجتمعية.
هذا يعلمنا قاعدة دعوية راسخة: طريق الإصلاح محفوف دائما بالمقاومة من أولئك الذين تتصادم شهواتهم ومكتسباتهم مع منهج الله. ويوضح الإمام الشعراوي رحمه الله طبيعة هذا الصراع قائلاً: “الملأ هم السادة والكبراء الذين استعبدوا الناس، فدعوة الأنبياء بـ (اعبدوا الله) تعني تحرير العبيد من قبضتهم، لذلك كانوا أول من يعادي الأنبياء خوفاً على مراكزهم”. فليكن يقيننا راسخاً بأن الحق سينتصر مهما تعاظم شأن المعارضين له أو كثرت أموالهم وسلطانهم.
الخلاصة: يرسل لنا الجزء الثامن رسالة منهجية واضحة: إن سورة الأنعام التي ختمناها قد قعدت لنا المنهج النظري الدستوري بوصاياها العشر، بينما جاءت سورة الأعراف لتكون ميدان التطبيق العملي لهذا المنهج.
تخبرك السورة أنك في حالة حرب ضروس منذ أن خُلق أبوك آدم، عدوك فيها إبليس، وسلاحه إثارة شهواتك واستدراجك لتغيير الفطرة. ولن يقيك في هذه المعركة سوى التدرع بـ (لباس التقوى)، وأن تجعل صلاتك ومحياك ومماتك خالصة لله، لعل ذلك يثقل ميزانك يوم يقوم الناس لرب العالمين.
“لباس التقوى سترك، والغرور أول طريق السقوط”.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
* خادم القرآن الكريم/ د. أحمد مهنا: عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. إمام وخطيب المركز الإسلامي بمدينه توليدو ـ البرازيل.
