الحديث الرابع "العفة في كسب المال"
بقلم: د. عبدالله السادة (عضو الاتحاد)
عن عبد الله بن عمرو بن العاص ــ رضي الله عنهما ــ قال: قال رسول الله r : ((أَرْبَعٌ إِذَا كُنَّ فِيكَ، فَلاَ عَلَيْكَ مَا فَاتَكَ مِنَ الدُّنْيَا: حِفْظُ أَمَانَةٍ، وَصِدْقُ حَدِيثٍ، وَحُسْنُ خَلِيقَةٍ، وَعِفَّةٌ في طُعْمة.)) ([1])
بين ركام الضياع، وقوة الاندفاع إلى التهاوي في المستنقع الآسن والوحل العفن الذي يدس صاحبه دسًا يوشك ألاّ يرفع ذلك البائس رأسه، إلا وقد تلطخ بأقذار الكسب الحرام الذي يمنيه الشيطان ويزين له كسبه {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}([2])
فلا يجد آكل الحرام لذة في العيش كما يجدها العفيف في كسب لقمة عيشه. قَالَ وهب بن الورد : «لَوْ قُمْتَ قِيَامَ السَّارِيَةِ؛ مَا نَفَعَكَ حَتَّى تَنْظُرَ مَا يَدْخُلُ في بَطْنِكَ»[3]
و لقد عاينا الزمان الذي أخبر فيه رسول الله r عن تقحم الناس إلى الحرام تقحمًا، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ :« لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لاَ يُبَالِى الْمَرْءُ بِمَا أَخَذَ الْمَالَ بِحَلاَلٍ أَمْ بِحَرَامٍ ». ([4])
فالعامل النزيه والموظف الصادق، هو الذي يجتنب كل وسيلة توصله إلى الكسب الحرام ، و يبتعد عن الشُّبَه التي تجره إلى الآثام ، فهو يعلم خطر الرشوة و سوء عاقبتها في الدنيا و الآخرة .
والرزق الحلال موجود، ولكن ابحث واصبر والله عز وجل يعطيك من فضله وكرمه سبحانه.
واكتساب المال من مأثم يكون كأن غش فأخذ زيادة مال، أو خدع الناس ولبس عليهم، أو غبنهم في بيوعهم، أو سرق مالهم، أو اغتصبه، أو أخذ رشوة، أو أكل مالاً من سحت، أو أي نوع من أنواع المظالم والأموال المحرمة التي شاعت بين الناس وصارت كثيرة، وما من إنسان إلا ودخله من هذه الأشياء المحرمة ما دخل.
واكل الحرام يمنع من استجابة الدعاء، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لاَ يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ ( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) وَقَالَ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) ». ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِىَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ »[5]
عن عبدالله بن عمرو بن العاص ــ رضي الله عنهما ــ قال: " لعن رسول الله r الراشي والمرتشي." ([6])
فالبركة من الله ــ تبارك و تعالى ــ ليس من كثرة المال، فإذا بورك لك في مالك صرف الله عنك المصائب والآفات، وعشت مرتاح البال، لا يساورك القلق، وتنام ملء عينيك .
فإذا غاب هذا الخلق ــ أعني الحرص على عفة المال ــ انتشرت الرشوة المؤذنة بضياع الحقوق وخراب المجتمعات .
طلب الحلال وتحريه أمرٌ واجبٌ وحتمٌ لازمٌ، فلن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه. إن حقاً على كل مسلم ومسلمة أن يتحرى الطيب من الكسب، والنزيه من العمل؛ ليأكل حلالاً وينفق في حلال.
فأبشر ثم أبشر يا من تتورع عن الشبهات والحرام، فوالله ما فاتك ما يجمعون من الحرام، والله هو الموعد وَفِى ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين:26].
ـــــــــ
- الأربعون الإدارية40 حديثا للموظفين، جمعها وشرحها عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ورئيس لجنة الدعوة والتعليم فرع قطر – فضيلة الشيخ الدكتور عبد الله بن إبراهيم السادة.
([1] ) رواه أحمد و الطبراني و البيهقي ، وهو حديث صحيح كما في صحيح الترغيب برقم (1718) و السلسلة الصحيحة برقم (733)
([2] ) من سورة فاطر من الآية (8)
[3] الكبائر – الذهبي.
([4] ) رواه البخاري برقم (2083) عن أبي هريرة – رضي الله عنه – .
[5] رواه مسلم والترمذي والدارمي واحمد والبيهقي.
([6] ) رواه الترمذي و ابن ماجة و غيرهما ، و هو صحيح كما في إرواء الغليل برقم (2620)
-150x150.jpg)