آخر الأخبار

وجوب الصبر عند المصيبة

شارك المقال على :

وجوب الصبر عند المصيبة

بقلم: فايز النوبي (عضو الاتحاد)

 

لقد بشَّر الله عزوجل عباده الصابرين ، الذين يسترجعون عند حدوث المصيبة بخيري الدنيا والآخرة ، وهذه منقبة عظيمة لهم.
فقال سبحانه وتعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) البقرة 155 و156.

ثم بيَّن هذه البِشارة و فصَّلها بقوله عزوجل: (أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) وهي نعم جليلة وبشريات عظيمة لهؤلاء الصابرين الراضين. فالصلوات من الله عزوجل  : تعني  الرحمات العامة لهؤلاء المؤمنين ، وأن عليهم كذلك منه سبحانه وتعالى أيضا رحمة خاصة.

أما الرحمات العامة فهي أنواع عديدة منها: التكريم والنجاح والتوفيق والإسعاد وإسباغ النعم عليهم ، وإعلاء المنزلة لهم عند الله عزوجل، وعند الناس.

وأما الرحمة الخاصة فهي: ما يكون لهم عند نزول المصيبة وحدوث المحنة من حسن العزاء والرضا بالقضاء والقدر، والتسليم لحكم الله عزوجل ، وإنزال السكينة على نفوسهم والطمأنينة في قلوبهم ، وثبات أركانهم وقوة إيمانهم.

وهذه الرحمة لا تكون إلا للمؤمن أما الكافر: فمحروم منها لجحوده وقسوة قلبه ، وعدم إيمانه بربه وخالقه ورازقه عزوجل ، ولذلك تضيق الدنيا في وجهه عند المصيبة وربما فكر وأقدم على الخلاص من الدنيا وأهلك نفسه وقتلها ، لأن الله طبع على قلبه ولم يعرف من الدنيا إلا أنها دار الشهوات والملذات فهو يعب منها ويريدها دوما صفوا بلا كدر لجهله وحماقته.
أما المؤمنون الثابتون الراضون بقضاء الله وقدره فعلموا وأيقنوا أن من طبيعة الدنيا أن الله عزوجل جعلها دار تمحيص وغربلة وابتلاء ولذلك كانوا دوما على استعداد دائم لنوازلها المتوقعة ومفاجآتها المرتقبة فقد قال لهم ربهم عزوجل: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ) محمد الآية 31.

من هنا كان فهمهم وإيمانهم ورضاهم بقضاء ربهم واسترجاعهم وقولهم بقلوبهم وألسنتهم: (إنا لله وإنا إليه راجعون)،،
وختم سبحانه وتعالى البشارة بقوله: (.. وأولئك هم المهتدون) لأنهم عرفوا ما ينبغي أن يكونوا عليه عند المصائب من الصبر والرضا؛ ففازوا بحسن ثواب الدنيا والآخرة.

لقد جعل الله عزوجل الاسترجاع عند حلول المصيبة: عنوانا على الصبر الحقيقي فقال سبحانه: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) البقرة 156.

والاسترجاع الصحيح والذي هو دليل على الصبر الحقيقي: ينبغي أن يكون  ناشئا عن اعتقاد راسخ بأن العباد ملك لله عزوجل يتصرف فيهم بما يشاء وأنهم إليه راجعون ، وقتها يكون القائل من الصابرين المستحقين للبشارة.
ولقد بينت السنة الصحيحة فضل الاسترجاع، ففي صحيح مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون ، اللهم أْجُرْنِي في مصيبتي وأْخْلِفْ لي خيرا منها، إلا أَجَرهُ الله في مصيبته ، وأَخْلَف له خيراً منها).
قالت أم سلمة رضي الله عنها : فلما توفي أبو سلمة قلت: كما أمرني رسول الله فأَخْلَفَ الله لي خيرا منه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم.
وروى الإمام أحمد في مسنده عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا مات ولدُ العبدِ قال الله عز وجل: يا مَلَك الموت قبضتَ ولدَ  عبدي؟ قبضتَ قرة عينه وثمرة فؤاده؟ قال: نعم يا رب قال : فماذا قال عبدي؟ قال: حَمَدك واسترجع قال الله عز وجل: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد).

ومن المهم أن نُبَين أنه لا تنافي بين الصبر وبين البكاء لفقد عزيز أو حبيب أو قريب ، فإن هذا من الرحمة والرقة التي وضعها الله عزوجل في قلوب عباده ، وقد بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم لموت أحبابه — ومنهم ولده إبراهيم — وقال: (إنها رحمة يقذفها الله في قلوب عباده ، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء).

وإنما الذي يتنافى مع الصبر هو: الجزع والتسخط ، وعدم الرضا ومهما كرر المُصاب الاسترجاع فإنه لا يفيده ؛ ما دام لم يتحقق بمعناه ، ولم يصدر عن عقيدة صحيحة.

للأسف الشديد كثير من الناس يَحْرِمُون أنفسهم من بِشَارةِ الله عزوجل للصابرين؛ لأنهم أسلموا أنفسهم للجزع، ولم يصبروا لحكم الله عزوجل و قضائه النافذ ، فيُظهِرون التسخط والاعتراض، وعدم الرضا والتسليم بقدر الله وحكمه، بأقوالهم وأفعالهم ، وربما أتوا عند حلول المصيبة، ببعض أعمال الجاهلية التي نهى عنها الإسلام وحذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية).

وجاء في مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اثنتان في الناس هم بهما كفر الطعن في النسب، والنياحة على الميت).
والمعنى: أنهما من أعمال الكافرين، وأخلاق الجاهلين ، ولا يليق بمسلم فعلهما وأنهما قد يوصلان للكفر ، أو أن المراد هو كفر النعمة والإحسان، فالكفر أنواع، وهناك كفر دون كفر كما قال وبَيَّن ذلك أهل العلم.

أعاذنا الله جميعا من الكفر بأشكاله وأنواعه.. فاللهم اجعلنا من الصابرين لحكمك الراضين بقضائك والمؤمنين بقدرك ، والشاكرين لنعمك واحشرنا في زمرة الصالحين.
وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
+ posts

أخبار ذات صلة

دُسْتُورُ الأَنْعَامِ.. وَمَيْدَانُ الأَعْرَافِ

دُسْتُورُ الأَنْعَامِ.. وَمَيْدَانُ الأَعْرَافِ (مِحْرَابُ التَّدَبُّرِ: قُطُوفٌ مِنْ خَوَاطِرِ الجُزْءِ

لجنة الثوابت والفكر الإسلامي بالاتحاد تنظم ندوة دولية بعنوان «هجرة النبي ﷺ: بناء وتجديد»

تنظم لجنة الثوابت والفكر الإسلامي بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ندوة

دعوة إبراهيم -عليه السلام- إلى إفراد الله بالعبادة وطلب الرزق

دعوة إبراهيم -عليه السلام- إلى إفراد الله بالعبادة وطلب الرزق

100%