سنة الابتلاء
د. أبو نوفل حسن يشو (عضو الاتحاد)
قال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) [البقرة: 155- 157].
تمهيد:
جُبِلت على كدرٍ وأنت تريدها ** صفوًا من الأقذاء والأكدار
ومُكلف الأيام ضد طباعها ** متطلب في الماء جذوة نار
فالعيش نوم والمنية يقظة ** والمرء بينهما خيال سار
فاقضوا مآربكم عجالا إنما ** أعماركم سفر من الأسفار
وبعد فإن أمتنا الإسلامية تعيش هذه الأيام حالة استثنائية، تشارك العالم بأسره حالة الحجر الصحي والمنزلي وحالة الطوارئ، وقد توقفت عجلة الاقتصاد مؤقتا، وتعطل العمال المياومون عن مصدر قوتهم اليومي، وانتشر الهلع وذاع الخوف، وازداد هرمون الأدرينالين المسؤول عن التوتر كلما ارتفعت نسبة الوفيات، وعيوننا على ما جرى ويجري في الصين وإيطاليا وإسبانيا وفرنسا وبريطانيا وأمريكا ولم تسلم من عدوى هذه الجائحة دولة من الدول، فدبت إلى الناس بلايا الخوف، والجوع، ونقص من الأموال والأنفس والثمرات.. فمن لم يصبر انتحر واستسلم لمكينة الجائحة التي أتت على الأخضر واليابس، وكل من لسعته أودت به إلا من رحم ربك، غير أن المؤمنين في حالة الفتن والشدائد والأوبئة والطواعين والجوائح يصبرون على الحجر الصحي، ويكابدون، ويحتسبون معاناتهم عند الله، ويتخذون كافة الإجراءات الوقائية والاحترازية، متوكلين على الله جل جلاله راضين بقضائه وقدره، ويجأرون إلى مولاهم الله بالدعاء والابتهال والمناجاة؛ حتى يكسبوا أجر الدارين والله من وراء القصد.
الصورة بإجمال:
أخبر الله سبحانه في هذا النص القرآني أن سنة الابتلاء قائمة لا تحابي أحدا من عباده، وأنه لا محالة مبتليهم بالمحن والشدائد؛ ليتبين الصادق من الكاذب، والصابر من الجازع، وأن النعم لا تدوم، وأن العبادة كما في السراء في الضراء، وكما في الرخاء في الشدة، وليميز الله الخبيث من الطيب، يبتليهم بشيء من الخوف من الأعداء المتسلطين، وشيء من الجوع في المعاش، ونقص من الأموال بسبب الحروب والأوبئة والجوائح وتسلط الظلمة والعصابات الإجرامية، ونقص في الأنفس بتعرضها للتهلكة والأمراض والأوبئة والطواعين، ونقص في الثمرات المتعرضة للجوائح والآفات والجراد والصقيع والجدب وقلة الأمطار. والحالة هذه؛ فإن غير المؤمن الثابت يتزحزح عن قيمه فيتسخط ويولول ويجزع من قدر الله، ولا يصبر ويرضى بما قسم الله له، ومنهم من يتحلى بالصبر الذي بشر الله به في وقت الأزمات والكوارث والمصائب؛ وهؤلاء هم الذين يوفيهم الله جل جلاله أجورهم بغير حساب! ومنزلة الصبر عظيمة؛ لكونها بشارة من رب العالمين؛ فإذا ما أصابتهم مصيبة في قلوبهم أو أبدانهم: (قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) أي: أننا مملوكون له، لا ننفك عن نظامه، ولا نقدر أن ننتفض على أمره، ولا أن نخرج عن إرادته ومشيئته وقدره، فنحن بأنفسنا وأموالنا وثمراتنا وأرزاقنا وما نحسبه من ممتلكاتنا فهي جميعها تحت أمر الله وقدره وتصريفه وتدبيره؛ فهو إن ابتلانا بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، فقد تصرف الجبار في ملكوته ومماليكه، لا يملك أحد البتة سلطة الاعتراض والإضراب، وإنما الذي نمتلكه نحن عبيده هو التسليم والرضا بما قدر سبحانه وقضى، وأن لطفه يغمرنا، ورحمته تشملنا، فمن صبر واحتسب وسلم لله فيما يريد، وآمن بجريان أقداره الحكيمة، فهو موفور الأجر في الدارين يعيش سعادة أبدية، وأما من اعترض وتسخط وجحد وأنكر وجزع فسيعيش الضنك والمعاناة ومرارة العيش وعلقم الحياة دون أن يرد من قدر الله شيئا!
البلاء جزء من القدر الذي نؤمن به:
من أركان الإيمان الستة الإيمان بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، وأن رياح القدار تجري أحيانا بما لا تشتهيه الأنفس المتعلقة بالدنيا ووسائل الغرور فيها.
وأما القضاء والقدر؛ فهو تقدير الله للكائنات حسبما سبق به علمه واقتضته حكمته أو هو علم الله وكتابته للأشياء ومشيئته وخلقه لها.
إذًا، فالإيمان بالقدر يقوم على أربعة أركان؛ وهي مراتب القدر:
- العلم؛ حيث إننا نؤمن بأن الله تعالى بكل شيء عليم، علم ما كان وما يكون وكيف يكون بعلمه الأزلي الأبدي فلا يتجدد له علم بعد جهل ولا يلحقه نسيان بعد علم.
- والكتابة؛ حيث إننا نؤمن بأن الله تعالى كتب في اللوح المحفوظ ما هو كائن إلى يوم القيامة.
- والمشيئة؛ حيث إننا نؤمن بأن الله تعالى قد شاء كل ما في السماوات والأرض، فلا يكون شيء إلا بمشيئته، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
- والخلق؛ حيث إننا نؤمن بأن الله تعالى خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل.
وأما أفعال العباد فهي داخلة في عموم خلقه عز وجل ولا يُخرجها عن ذلك العموم شيء البتة؛ وللإمام محمد بن إسماعيل البخاري كتاب "خلق أفعال العباد"[1].
هل ينسب إلى الله الشر؟
من المعلوم بلا نزاع أن الله تعالى هو خالق كل شيء، وأنه لا تكون حركة ولا سكنة إلا بإذنه ومشيئته، ولا يوجد في الكون إلا ما قدره الله وقضاه، وأن علينا التسليم بما قدر وقضى، فالشر مخلوق لله تعالى كما قال تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) [الزمر: 62]. لكن الشر ليس إلى الله، ولا من الأدب نسبته إليه؛ فهو سبحانه منزه عن فعل الشر، وأن كل أسماء الله الحسنى: حسنى تأبى أن تكون الشرور من فعله؛ فهي منسوبة للخلق بما كسبوا، وحتى حين ننسب إلى الله العقوبة فليست شرا في حد ذاتها، وإنما هي من عدله، وراءها حكمة ومصلحة!
مدلول الابتلاء:
لفظ (الابتلاء) منحدرٌ من مادة (ب ل و) التي تدل على الاختبار أو أحد أنواعه.
ويكون البلاء بالخير والشر، واللّه عز وجل يبلي العبد بلاء حسنا وبلاء سيئًا؛ وذلك راجع إلى معنى الاختبار؛ لأنه بذلك يختبر صبره وشكره[2].
ومدلول الابتلاء اصطلاحًا هو: التكليف في الأمر الشّاقّ، ويكون في الخير والشر معًا[3].
قال العلامة المناوي: البلاء كالبلية: الامتحان؛ وسمي الغم بلاء لأنه يبلي الجسد[4].
مع العلم أن الابتلاء يكون بالخير وبالشر معا من غير فرق بين فعليهما ومن ذلك قوله تعالى: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ) [الأنبياء: 35].
يأتي الابتلاء أيضا بمعنى الإنعام كما في قوله تعالى: (وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ) [النمل: 40].
أي إنعام بيّن، وقال تعالى في قصة سليمان عندما سخّر له من يأتيه بعرش بلقيس في طرفة عين: (قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) [النمل: 40].
وفي الحديث عن جابر بن عبد الله قال صلى الله عليه وسلم: "مَن أُبلِيَ بَلاءً فذكَرهُ فقد شكَرهُ، وإنْ كتَمهُ فقد كفَرهُ"[5]. قال ابن الأثير: الإبلاء "هنا" هو الإنعام والإحسان[6].
(الفتنة) من الألفاظ ذات العلاقة:
ومن الألفاظ ذات العلاقة (الفتنة)؛ لأنها مأخوذة من مادة (ف ت ن) التي تدل على الابتلاء والاختبار، وأصل (الفتن): إحراق الشيء بالنار؛ لتظهر جودته من رداءته؛ ومنه قول تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ) [البروج: 10]. أي "حرقوا" قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وابن أبزى[7].
قلتُ: ولما أحرقوا المؤمنين في الأخذوذ، كان الجزاء من جنس العمل (وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ)!
قال تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ) [التغابن: 15]. أي: اختبارٌ وبلاء، وقال تعالى: (لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقًا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) [الجن: 16- 17]. أي: لنبتليهم ونختبرهم فيه.
وفي المعنى الابتلاء نفسه جاء قوله تعالى: (الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ) [العنكبوت: 1- 3].
الفرق بين المصيبة والعقوبة:
قد تتداخل المصيبة مع العقوبة في كثير من الظواهر الكونية التي يبتلى الإنسان بها، وتصيبه في جسده، وماله، وأهله، وأولاده، وحرثه وزرعه، لكن ليست كل مصيبة عقوبة، وهذه فروق دقيقة نرصدها فيما يأتي:
- كل عقوبة مرتبطة بذنب ولا عكس، أي: وليس كل مصيبة تكون بذنب! فقد تكون المصيبة بذنب فتصبح عقوبة[8]، وقد لا تكون! وبالتالي العقوبة يُشترط لها أن تكون جزاءً على ما مضى أي بذنب ماضي بخلاف المصيبة فلا يُشترط لها ذلك.
- العقوبة خاصة بالمكلفين أما المصيبة فقد يُصاب غير المكلف كالأطفال والبهائم ونحو ذلك؛ قال الشيخ مرعي الكرمي – رحمه الله -، في كتابه "دفع الشبهة والغرر عمن يحتج على فعل المعاصي بالقدَر" قال: أنا نراه تعالى يؤلم الأطفال إلى الغاية، وكذلك بقية الحيوانات التي لا تكليف لها أصلًا. ولعل الجواب: أن هذا ليس من باب العقاب؛ لأن العقاب أن تقع تلك العقوبة في مقابلة الذنب بخصوصه، وأما هذا فلعله من باب الابتلاء والاعتبار: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) [الحشر: 2]، ومما يدل على أن هذا ليس من باب العقوبة أن الله سبحانه وتعالى لا يُعاقب أنبياءه ورسله الكرام، مع أنا نجدهم من أشد الناس بلاءً، وفيهم من قُتل ونُشر بالمنشار، فظهر أن جهة البلاء غير جهة العقوبة؛ لأن العقوبة هي التي تقع في مقابلة الذنب لما مر، لقوله تعالى: (ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ) [الزمر: 24]، وقوله تعالى: (هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [النمل: 90]، وقوله تعالى: (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ) [الحج: 22]، وأما ما يقع لا في مقابلة ذنب؛ فهو بلاء وابتلاء من الله تعالى لعباده، لكن يبقى الكلام في نفس هذه الحكمة الكلية في هذه الحوادث، فهذه ليس على الناس معرفة أسرارها الحقيقية، ويكفيهم التسليم لمن قد علموا أنه بكل شيء عليم، وأنه أرحم الراحمين" اهـ.
- المصائب تختلف عن العقوبات من حيث الدفع والرفع؛ فالمصيبة إذا لم تكن عقوبة تحتاج إلى الاستعانة بالله ودفعها بالسنن الطبيعية، والصبر والتقوى، والرضا وما إلى ذلك من أمور، أما العقوبة فتحتاج بالإضافة إلى ما سبق إلى التوبة والاستغفار والاستقامة.
- المصيبة لا تكون إلا ضراء وأما العقوبة فهي لا تقتصر على العقوبات الظاهرة الحسية المادية والتي تكون في قالب ضراء بل قد تكون في قالب السراء[9].
الفرق بين المصيبة والابتلاء:
- المصيبة لا تكون إلا ضراء أما الابتلاء فقد يكون بالضراء وقد يكون بالسراء.
- المصيبة تكون في الدنيا والبرزخ والآخرة وأما الابتلاء فلا يكون إلا في الدنيا.
- الابتلاء خاص بالمكلفين أما المصيبة فهي عامة تشمل المكلفين وغيرهم كالبهائم والأطفال.
الفرق بين المصائب العامة والخاصة:
الغالب أن المصائب العامة هي عقوبات أما المصائب الخاصة التي تصيب الأفراد وآحاد الناس، فهذه قد تكون فعلًا عقوبة، وقد تكون ابتلاء من الله عز وجل لرفعة العبد[10].
قال تعالى: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) [آل عمران: 186].
الابتلاء غاية الوجود:
قال سبحانه: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) [الملك: 2].
أي: أن الله خلقنا ليختبرنا فينظر أينا له معاشر الخلق أطوع، وإلى طلب رضاه أسرع.
معنى ليبلوكم ليعاملكم معاملة المختبر؛ أي ليبلو العبد بموت من يعز عليه ليبين صبره، وبالحياة ليبين شكره. وقيل: خلق الله الموت للبعث والجزاء، وخلق الحياة للابتلاء[11].
وابتلاهم بالشهوات المعارضة لأمره، فمن انقاد لأمر الله وأحسن العمل، أحسن الله له الجزاء في الدارين، ومن مال مع شهوات النفس، ونبذ أمر الله، فله شر الجزاء[12].
قال ابن عاشور: ولك أن تجعل جملة: (أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [الملك: 2] مستأنفة وتجعلَ الوقف على قوله: (ليبلوكم) ويكون الاستفهام مستعملًا في التحْضيض على حُسن العمل كما هو في قول طرفة:
إذا القوم قالوا مَن فتًى خلتُ أنني ** عُنيت فلم أكسل ولَم أتبلَّد
فجعل الاستفهام تحضيضا[13].
نفي العبث عن الخلق:
مما أورده الإمام الشاطبي أن العبث لا يشرع بناء على القول بالمصالح أي المقاصد. ولذلك أورد المقاصديون نظرية التعليل ضمن القضايا الأساسية في علم المقاصد! وبناء عليه فما ورد في أقدار الله من الابتلاءات فهي ليست عبثا بل تجري على حِكَم ومقاصد.
قال سبحانه: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) [المؤمنون: 115] أي: أفظننتم أنكم مخلوقون عبثا بلا قصد ولا إرادة منكم ولا حكمة لنا[14]. قال ابن عدي: أي: سدى وباطلا، تأكلون وتشربون وتمرحون، وتتمتعون بلذات الدنيا، ونترككم لا نأمركم، ولا ننهاكم ولا نثيبكم، ولا نعاقبكم؟ ولهذا قال: (وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) لا يخطر هذا ببالكم[15].
(أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى) [القيامة: 36]، يعني هملا. يقول تعالى ذكره: أيظنّ هذا الإنسان الكافر بالله أن يترك هملا أن لا يؤمر ولا ينهى، ولا يتعبد بعبادة[16]. ولذلك ابتلاه ابتلاءات!
(رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ) [آل عمران: 191] يقول: لم تخلق هذا الخلق عبثًا ولا لعبًا، ولم تخلقه إلا لأمر عظيم من ثواب وعقاب ومحاسبة ومجازاة[17]. سبحانك عن كل ما لا يليق بجلالك، بل خلقتها بالحق وللحق، مشتملة على الحق[18].
(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: 56] أي لا شيء قائم على العبث والعشوائية بل كل شيء يسير على نظام ومقاصد قال ابن سعدي: هذه الغاية، التي خلق الله الجن والإنس لها، وبعث جميع الرسل يدعون إليها، وهي عبادته، المتضمنة لمعرفته ومحبته، والإنابة إليه والإقبال عليه، والإعراض عما سواه، وذلك يتضمن معرفة الله تعالى، فإن تمام العبادة، متوقف على المعرفة بالله، بل كلما ازداد العبد معرفة لربه، كانت عبادته أكمل، فهذا الذي خلق الله المكلفين لأجله، فما خلقهم لحاجة منه إليهم[19].
ما معنى أحسن عملًا؟
لا يخرج مدلولها عن المعاني الآتية:
قال ابن عمر: أحسن عقلا وأورع عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله.
وقال فضيل بن عياض (أَحْسَنُ عَمَلًا) أخلصه وأصوبه. وقال: العمل لا يقبل حتى يكون خالصا صوابا، الخالص: إذا كان لله، والصواب: إذا كان على السنة.
وقال الحسن: أيكم أزهد في الدنيا وأترك لها[20].
قلت (أحسن عملا) دال على الجودة والحُسْن ونوع العمل مهما كان كمُّه!
فقه الأحسنية:
والمراد بالأحسن؛ لأنه اسم تفضيل الجودة والإتقان، حيث يكون الالتفات إلى النوع والكيف، لا الكم والكثرة؛ لذلك قال: (أحسن عملا) ولم يقل "أكثر عملا"؛ إذ رُبَّ عمل كثير إذا لم تحكمه قواعد القبول وشروط الصحة: كان باطلا؛ وهو القائل سبحانه: (وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا) [الفرقان: 23]. وقال: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ تَصْلَىٰ نَارًا حَامِيَةً) [الغاشية: 2- 4]. قد عملت عملا كثيرا، ونصبت فيه، لكنها صليت يوم القيامة نارا حامية؛ بسبب اختلال شروطه وضوابط القبول فيه التي ترتبط بالكيف والنوع لا بالكم والكثر؛ لذا قال سبحانه (أيكم أحسن عملا) ولم يقل "أكثر عملا".
طبقا لحديث: "إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإحْسَانَ علَى كُلِّ شيءٍ"[21]. فإن الإحسان هو الإتقان والإحكام والجودة ورحم الله عبدا عمل عملا فأتقنه كما في الأثر: "إن الله تعالى يحِبُّ إذا عمل أحدُكم العملَ أن يُتقِنَه"[22].
شروط حسن العمل:
بناء على أن العمل المطلوب ينبغي أن تحكمه ضوابط لصحته وقبوله؛ أعرض أهمها:
- الإخلاص؛ لأن الله تعالى شرطه في العبادة بمفهومها الواسع؛ فقال: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ) [البينة: 5]، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إنَّما الأعْمَالُ بالنِّيَّةِ، وإنَّما لِامْرِئٍ ما نَوَى، فمَن كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسولِهِ، ومَن كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيَا يُصِيبُهَا أوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إلى ما هَاجَرَ إلَيْهِ"[23]. قال ابن القيم رحمه الله: "لما علم إبليس أنه لا سبيل له على أهل الإخلاص استثناهم من شرطته التي اشترطها للغواية والإهلاك؛ فقال ( قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) [ص: 83]، وقال تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) [الحجر: 42]، فالإخلاص هو سبيل الخلاص، والإسلام مركب السلامة، والإيمان خاتم الأمان[24].
- موافقة السنة وهو الاتباع الذي يقابله الابتداع الذي ذمه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "من أحدَث في أمرِنا -أو دينِنا- هذا ما ليس فيه فهو رَدٌّ". وفي لفظٍ "من عمل عملًا ليس عليه غيرُ أمرِنا فهو رَدٌّ"[25].
- الإتقان والإحكام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإحْسَانَ علَى كُلِّ شيءٍ"[26]. وإن الله يحب إذا عمل أحدنا عملا أن يتقنه مستوفيا شروطه وأركانه.
- الاستمرار والإثبات؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "اكلَفوا مِن العمَلِ ما تُطيقونَ، فإنَّ اللهَ لا يمَلُّ حتى تمَلُّوا، وإنَّ أحَبَّ العمَلِ إلى اللهِ أدوَمُه وإنْ قلَّ، وكان إذا عمِلَ عمَلًا أثبَتَه"[27].
لماذا قدم الموت على الحياة؟
فالتعريف في (الموتَ) و(والحياة) تعريف الجنس. وفي الكلام تقديرُ: هو الذي خلق الموت والحياة لتحيَوا فيبلوكم أيكم أحسن عملًا، وتموتوا فتُجزوا على حسب تلك البلوى، ولكون هذا هو المقصود الأهم من هذا الكلام قدم الموت على الحياة[28].
ذلك لأن الناس قد تنهمك في شواغلها وصوارها ضمن معترك الحياة التي يحيونها فكان تقديم الموت للتذكر بشيء يغفل عنه الناس، وأن أول ما يذكر يشد الانتباه، ويوقظ الوسنان، ثم لإفادة أن الحياة التي أنت متلبس بها ينبغي أن لا تغفل عن الموت الذي يرقبك في كل آن وحين، فلعله يكون واعظا على عدم التمادي في الباطل، ورد حقوق العباد.
لماذا بعد الابتلاء قال: (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ)؟
لماذا أردف سبحانه قوله: (ليبلوكم) بقوله: (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) أي: هو العزيز العظيم المنيع الجناب، وهو مع ذلك غفور لمن تاب إليه وأناب، بعدما عصاه وخالف أمره، وإن كان تعالى عزيزا، هو مع ذلك يغفر، ويرحم، ويصفح، ويتجاوز[29].
وقيل: (وهو العزيز) في انتقامه ممن عصاه (الغفور) لمن تاب إليه.
(وَهُوَ الْعَزِيزُ) الذي له العزة كلها، التي قهر بها جميع الأشياء، وانقادت له المخلوقات.
(الْغَفُورُ) عن المسيئين والمقصرين والمذنبين، خصوصًا إذا تابوا وأنابوا، فإنه يغفر ذنوبهم، ولو بلغت عنان السماء، ويستر عيوبهم، ولو كانت ملء الدنيا[30].
وجملة: (وهو العزيز الغفور) تذييل لجملة: (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) إشارة إلى أن صفاته تعالى تقتضي تعلقًا بمتعلقاتها؛ لئلا تكون معطلة في بعض الأحوال والأزمان فيفضي ذلك إلى نقائضها، فأما (العزيز) فهو الغالب الذي لا يعجز عن شيء، وذكره مناسب للجزاء المستفاد من قوله: (ليبلوكم أيكم أحسن عملاً)، أي ليجزيكم جزاء العزيز، فعلم أن المراد الجزاء على المخالفات والنكول عن الطاعة. وهذا حظ المشركين الذين شملهم ضمير الخطاب في قوله (ليبلوكم).
وأما (الغفور) فهو الذي يكرم أولياءه ويصفح عن فلتاتهم فهو مناسب للجزاء على الطاعات وكناية عنه، قال تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ) [طه: 82] فهو إشارة إلى حظ أهل الصلاح من المخاطبين[31].
الغاية أن يميز الله الخبيث من الطيب:
اعلم أخي العزيز أن في المحن والفتن والابتلاءات غاية غالبة هي أن يتميز الخبيث من الطيب؛ لذا قالَ تعالى: (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) [آل عمران: 179].
- تأمل يوم أُحُدٍ قال من لم يدخل الإيمان قلبه: (لَوْ كَانَ لَنَا مِنْ الْأَمْرِ شيء ما قُتلنا ههنا)؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: (وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَهُنَا) [آل عمران: 154].
- ويَوْمَ الْأَحْزَابِ قالوا: كَانَ مُحَمَّدٌ يَعِدُنا أَنْ نأكلَ كنوزَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وأحدُنا لَا يَأْمَنُ أَنْ يذهَب إلَى الْغَائِطِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ: (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا) [الأحزاب: 12].
- قال سبحانه: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) [محمد: 31]، فبينت الآية أن الابتلاء للمؤمنين حتى يميز الله المجاهدين حقا والصابرين وأمورا أخرى ذات علاقة!
- قال سبحانه: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) [الأنبياء: 35] بناء على أن مقصد الابتلاء هو الفتنة والاختبار لمعرفة من هو على الطريق ويرجع إليه ممن هو على الباطل متماد فيه.
- قال تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) [الكهف: 7]، والابتلاء هنا لمعرفة مع يقول بالمسؤولية على أحسن وجه لا مجرد الكلام!
- قال سبحانه: (وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [لأعراف: 168] على أن الابتلاء سنة الله في الأولين والآخرين، وهو شامل للحسنات والسيئات؛ والغرض الرجوع إلى الله بصدق وعزيمة!
- قال سبحانه: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) [البقرة: 155]؛ فبين الابتلاء بأنواعه ولن يصمد أمامه إلا من صبر واحتسب أمره لله تعالى!
- إنما ابتلي القوم بهذه الضروب من الابتلاءات؛ ليكون الدرس آية لمن بعدهم فيعلموا أنهم إنما صبروا على هذا حين وضح لهم الحق، وما أحوج أجيالنا إلى مبشرات والزيادة في جرعة الصبر والرضا خصوصا في زمن الوباء الفتاك الذي حصد الأرواح.
- والحكمة أيضا أن الله يصيبهم بهذه الابتلاءات؛ ليكونوا على يقين منه، فيوطنوا أنفسهم عليه فيكونوا أبعد لهم من الجزع، وفيه تعجيل ثواب الله تعالى على العز وتوطين النفس.
- ثم إن هذه الابتلاءات وإن كان ظاهرها شرًّا فتحمل خيرًا لا نعلمه عاجلا أم آجلا.
وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم:
قال تعالى: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة: 216]. وهذا الخير المجمل، فسره قوله تعالى في سورة النساء ـ في سياق الحديث عن مفارقة النساءـ: (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) [النساء: 19]. في هذه الآية أسرار عجيبة للعبد؛ فإن العبد إذا علم أن المكروه قد يأتي بالمحبوب، وأن المحبوب قد يأتي بالمكروه، لم يأمن أن توافيه المضرة من جانب المسرّة، ولم ييأس أن تأتيه المسرة من جانب المضرة؛ لعدم علمه بالعواقب؛ فإن الله يعلم منها مالا يعلمه العبد.
"من لطف الله بعباده أنه يقدر عليهم أنواع المصائب، وضروب المحن، والابتلاء بالأمر والنهي الشاق رحمة بهم، ولطفًا، وسوقا إلى كمالهم، وكمال نعيمهم"[32]. فهذا جميعه يقتضي منا عبيد الله التفويض إلى من يعلم عواقب الأمور؛ والرضا بما يختاره له ويقضيه له؛ لما يرجو فيه من حسن العاقبة!
وذلك كما قال الشاعر:
أن يسعى إلى الخير جهده ** وليس عليه أن تتم المقاصد
- وهذه أم موسى التي حرصت على ألا يقع ابنها بيد آل فرعون، وقد ساقه الله إليهم بسلاسة عجيبة، ومع ذلك ظهرت عواقب ما كرهته الحميدة، وآثار قدر الله الطيبة، وصدق ربنا: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة: 216].
- وتأمل قصة يوسف وما جرى له مع إخوته أن صمموا على جعله تحت الأرض وأبى الله قضاء وقدرا إلا أن يجعله مالكا لخزائن الأرض!
- وكذا قصة الغلام الذي قتله الخضر عليه السلام بأمر الله تعالى، فإنه علل قتله بقوله: (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا) [الكهف: 80- 81]!
- وما روته أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما مِن مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فيَقولُ ما أمَرَهُ اللَّهُ: (إنَّا لِلَّهِ وإنَّا إلَيْهِ راجِعُونَ) [البقرة: 156] اللَّهُمَّ أْجُرْنِي في مُصِيبَتِي، وأَخْلِفْ لي خَيْرًا مِنْها، إلَّا أخْلَفَ اللَّهُ له خَيْرًا مِنْها، قالَتْ: فَلَمَّا ماتَ أبو سَلَمَةَ، قُلتُ: أيُّ المُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِن أبِي سَلَمَةَ؟ أوَّلُ بَيْتٍ هاجَرَ إلى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، ثُمَّ إنِّي قُلتُها، فأخْلَفَ اللَّهُ لي رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ قالَتْ: أرْسَلَ إلَيَّ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ حاطِبَ بنَ أبِي بَلْتَعَةَ يَخْطُبُنِي له، فَقُلتُ: إنَّ لي بنْتًا وأنا غَيُورٌ، فقالَ: أمَّا ابْنَتُها فَنَدْعُو اللَّهَ أنْ يُغْنِيَها عَنْها، وأَدْعُو اللَّهَ أنْ يَذْهَبَ بالغَيْرَةِ"[33].
- ذكر الطنطاوي رحمه الله عن صاحب له: أن رجلًا قدم إلى المطار، وكان حريصًا على رحلته، وهو مجهد بعض الشيء، فأخذته نومةٌ ترتب عليها أن أقلعت الطائرة، وفيها ركاب كثيرون يزيدون على ثلاث مئة راكب، فلما أفاق إذا بالطائرة قد أقلعت قبل قليل، وفاتته الرحلة، فضاق صدره، وندم ندمًا شديدًا، ولم تمض دقائق على هذه الحال التي هو عليها حتى أعلن عن سقوط الطائرة، واحتراق من فيها بالكامل!
الابتلاء عادة في الدنيا:
إن الدنيا طبعت على الأكدار والأقذاء؛ فلا يمكن أن تصفو منها ما دامت السماوات والأرض، والليل والنهار؛ فهي تجري على أقدار حكيمة، وألطاف ربانية.
جبلت على كدر وأنت تريدها *** صفوا من الأقذاء والأكدار
وقال سبحانه: )لَقَدْخَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ( [البلد: 4]. أي أنه جُبل على النصب والبلاء من أجل سعادة الدارين!
ثمانية لا بـد منها على الفتى *** ولا بد أن تجري عليه الثمانية
سرور وهم، واجتماع وفرقة *** وعسر ويسر، ثم سقم وعافية
قال ابن القيم: "والله سبحانه إذا أراد بعبد خيرًا سقاه دواء من الابتلاء والامتحان على قدر حاله يستفرغ به من الأدواء المهلكة، حتى إذا هذبه ونقاه وصفاه، أهَّلَه لأشرف مراتب الدنيا، وهي عبوديتُه، وأرفع ثواب الآخرة، وهو رؤيته وقربه"[34].
وفي سنن الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله، حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة"[35].
ابتلاء الكافر:
إن الكافر لا يزن عند الله جناح بعوضة؛ والله سبحانه لا يقيم له يوم القيامة وزنا، لكن قد يكون في ابتلائه عبرة وعظة لغيره، كما يكون ذلك من عاجل عقاب الله له في الدنيا، علاوة على ما ادّخره له يوم لقائه؛ قال الله تعالى : (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ) [الرعد: 33- 34].
هل الابتلاء إهانة؟
قد يبتلي الله الناس بالبلايا والمصائب والنعم؛ ليتبين شكر المحسن وصبره، وكفر المتسخط وجحوده؛ قال سبحانه: (فَأَمَّا الإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ) [الفجر: 15– 16]. أي أن الأمر لا يجري على أهواء الناس ووساوسهم وأوهامهم؛ بمعنى إذا ما ابتلاه فأكرمه ونعمه يكون ذلك إكرامًا مطلقًا، وإذا ما قدر عليه رزقه يكون ذلك إهانة؛ بل هو ابتلاء في الموضعين، وهو الاختبار والامتحان، فالمؤمن هو الذي أعطي حمد الله وشكره، وإذا قدر عليه رزقه رضي وصبر.
خيرية المؤمن بين شكر وصبر:
إن المؤمن يتراوح حاله بين صبر وشكر في حياته وما يتعرض له من ابتلاء؛ فإن شكر الله على الرخاء، وصبر على الشدة؛ كان كل واحد من الحالين خيرًا له تماما كما قال النبي: "عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ"[36].
من أسرار الابتلاء:
ولا شك أن الآية: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة: 216]. فيها عدة حكم وأسرار ومصالح للعبد:
- فإن العبد إذا علم أن المكروه قد يأتي بالمحبوب، والمحبوب قد يأتي بالمكروه، لم يأمن أن توافيه المضرة من جانب المسرة، ولم ييأس أن تأتيه المسرة من جانب المضرة لعدم علمه بالعواقب، فإن الله يعلم منها ما لا يعلمه العبد أوجب له ذلك أمورًا:
- منها: أنه لا أنفع له من امتثال الأمر وإن شق عليه في الابتداء؛ لأن عواقبه كلها خيرات ومسرات ولذات وأفراح وإن كرهته نفسه فهو خير لها وأنفع. وكذلك لا شيء أضر عليه من ارتكاب النهي وإن هويته نفسه ومالت إليه، فإن عواقبه كلها آلام وأحزان وشرور ومصائب، وخاصية العقل تحمل الألم اليسير لما يعقبه من اللذة العظيمة والخير الكثير، واجتناب اللذة اليسيرة لما يعقبها من الألم العظيم والشر الطويل.
- فنظر الجاهل لا يجاوز المبادئ إلى غاياتها، والعاقل الكيّس دائمًا ينظر إلى الغايات من وراء تلك الستور من الغايات المحمودة والمذمومة، فيرى المناهي كطعام لذيذ قد خلط فيه سمُّ قاتل، فكلما دعته لذته إلى تناوله نهاه ما فيه من السم، ويرى الأوامر كدواء كريه المذاق مفضٍ إلى العافية والشفاء، وكلما نهاه كراهة مذاقه عن تناوله أمره نفعهُ بالتناول.
- ولكن هذا يحتاج إلى فضل علم تدرك به الغايات من مبادئها، وقوة صبر يوطن به نفسه على تحمل مشقة الطريق لما يؤمل عند الغاية، فإذا فقد اليقين والصبر تعذّر عليه ذلك، وإذا قوي يقينه وصبره هان عليه كلَّ مشقة يتحملها في طلب الخير الدائم واللذة الدائمة.
- ومن أسرار هذه الآية أنها تقتضي من العبد التفويض إلى من يعلم عواقب الأمور، والرضا بما يختاره له ويقضيه له، لما يرجو فيه من حسن العاقبة.
- ومنها: أنه لا يقترح على ربّه ولا يختار عليه ولا يسأله ما ليس له به علم، فلعل مضرَّته وهلاكه فيه وهو لا يعلم، فلا يختار على ربه شيئاً بل يسأله حسن الاختيار له وأن يرضيه بما يختاره فلا أنفع له من ذلك.
- ومنها: أنه إذا فوّض أمره إلى ربه ورضي بما يختاره له أمدَّه فيما يختاره له بالقوة عليه والعزيمة والصبر، وصرف عنه الآفات التي هي عرضة اختيار العبد لنفسه، وأراه من حسن عواقب اختياره له ما لم يكن ليصل إلى بعضه بما يختاره هو لنفسه.
- ومنها: أنه يريحه من الأفكار المتبعة في أنواع الاختيارات، ويفرغ قلبه من التقديرات والتدبيرات التي يصعد منها في عقبة وينزل في أخرى، ومع هذا فلا خروج له عما قدر عليه، فلو رضي باختيار الله أصابه القدر وهو محمود مشكور ملطوف به فيه، وإلا جرى عليه القدر وهو مذموم غير ملطوف به فيه؛ لأنه مع اختياره لنفسه، ومتى صح تفويضه ورضاه، اكتنفه في المقدور والعطف عليه واللطف به فيصير بين عطفه ولطفه، فعطفه يقيه ما يحذره، ولطفه يهون عليه ما قدّرهُ.
- إذا نفذ القدر في العبد كان من أعظم أسباب نفوذه تحيله في رده، فلا أنفع له من الاستسلام وإلقاء نفسه بين يدي القدر طريحًا كالميته، فإن السبع لا يرضى بأكل الجيف[37].
علامات الابتلاء بحسب نوعه:
ذكر العارفون بالله أن ثمة علامات لنوع الابتلاء. وما هي في حقيقة الأمر إلا قرائن ظنية يمكننا أن نتأمل فيها لنعرف شيئا من حكمة الله تعالى في المصائب والمحن، لكن بدون جزم أو قطع؛ وتتجلى فيما يأتي:
- علامة الابتلاء على وجه العقوبة والمقابلة: عدم الصبر عند وجود البلاء، والجزع والشكوى إلى الخلق.
- وعلامة الابتلاء تكفيرًا وتمحيصًا للخطيئات: وجود الصبر الجميل من غير شكوى، ولا جزع ولا ضجر، ولا ثقل في أداء الأوامر والطاعات.
- وعلامة الابتلاء لارتفاع الدرجات: وجود الرضا والموافقة، وطمأنينة النفس، والسكون للأقدار حتى تنكشف.
حال المؤمنين في الابتلاء:
قد يبتلي الله سبحانه الناس بالبلايا والمصائب والنعم؛ ليتبين شكر المحسن وصبره، وهي الحالة التي اجتازها المؤمنون حقا بنجاح؛ وهذه أمثلة عليها:
- لقد تولى الله سبحانه وصف حالة المؤمنين في معركة الأحزاب؛ فقال تعالى: (هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا) [الأحزاب: 11] في مثل تلكم الظروف يتزعزع المنافقون ويتذبذب ضعفاء الإيمان، ولكن الصادقين من المؤمنين أثنى الله عليهم لما اجتازوا الامتحان بنجاح فقال: (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا) [الأحزاب: 21- 22].
- وبين سبحانه أن المؤمنين في محنة الحديبية صبروا وصمدوا حتى رضي الله عنهم إذ بايعوا النبي على الموت في سبيل الله دونما تردد أو تزحزح فقال سبحانه: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) [الفتح: 18- 19].
أسباب ابتلاء المؤمن:
- إن الابتلاء عام وخاص، يصيب المؤمنين وغيرهم؛ وبالنسبة للمؤمنين بحسب استقراء الكتاب والسنة يمكن أن يكون عقوبة للتقصير في المسؤولية وكثرة الذنوب، ويمكن أن تكون لرفع الدرجات ومحو السيئات؛ وهو ما يبينه حديث عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ شَوْكَةٍ فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، أَوْ حَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً"[38]. أي: رفع الدرجات وحط الخطايا والسيئات؛ وهو ما نرصده ها هنا:
- فبسبب الذنوب والمعاصي قد تعجل العقوبة في الدنيا؛ ويكون فيها عبرة لغيره من العصاة والمجرمين؛ يقول الله عز وجل: (وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) [النساء: 79]. أي بسبب ذنبك ومعصيتك. ويقول سبحانه: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير) [الشورى: 30]. وعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"[39].
- ثم إن الله تعالى يرفع درجات المؤمن الصابر، فيبتليه بالمصيبة ليرضى ويصبر فيُوفَّى أجر الصابرين في الآخرة بغير حساب، ويكتب عند الله من الفائزين، وقد ابتلي الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل من الأولياء والصلحاء؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا سَبَقَتْ لَهُ مِنْ اللَّهِ مَنْزِلَةٌ لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ ابْتَلَاهُ اللَّهُ فِي جَسَدِهِ أَوْ فِي مَالِهِ أَوْ فِي وَلَدِهِ"[40]. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلاَءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاَهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ"[41].
حين يكون الابتلاء عقوبة:
إن ثمة نصوصا قرآنية ونبوية تدل على أن الابتلاء قد يكون عقوبة لنا وحملتنا المسؤولية عما يجري لنا؛ وهذه بعضها:
- قال تعالى: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران: 165].
- وقال سبحانه: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) [النساء: 79].
- ويقول عز وجل: (وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) [القصص: 47].
- وقال: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ) [القصص: 59].
- وقوله عز وجل: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [الروم: 41].
- وقال جل وعلا: (وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) [آل عمران: 181- 182].
- ويقول سبحانه: (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ) [الروم: 36].
- قوله صلى الله عليه وسلم: "إنَّما هي أعمالُكُم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه"[42].
- وعن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سَيِّدُ الِاسْتِغْفارِ أنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أنْتَ رَبِّي لا إلَهَ إلَّا أنْتَ، خَلَقْتَنِي وأنا عَبْدُكَ، وأنا علَى عَهْدِكَ ووَعْدِكَ ما اسْتَطَعْتُ، أعُوذُ بكَ مِن شَرِّ ما صَنَعْتُ، أبُوءُ لكَ بنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وأَبُوءُ لكَ بذَنْبِي فاغْفِرْ لِي، فإنَّه لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أنْتَ قالَ: ومَن قالَها مِنَ النَّهارِ مُوقِنًا بها، فَماتَ مِن يَومِهِ قَبْلَ أنْ يُمْسِيَ، فَهو مِن أهْلِ الجَنَّةِ، ومَن قالَها مِنَ اللَّيْلِ وهو مُوقِنٌ بها، فَماتَ قَبْلَ أنْ يُصْبِحَ، فَهو مِن أهْلِ الجَنَّةِ"[43].
- ولما سأل أبو بكر رضي الله عنه النبيَّ صلى الله عليه وسلم أن يعلمه دعاء يدعو به في صلاته، قال له عليه الصلاة والسلام: "قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، ولَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أنْتَ، فَاغْفِرْ لي مَغْفِرَةً مِن عِندِكَ، وارْحَمْنِي، إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ"[44].
(وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ)
يعني كل أصناف الخوف؛ وعلى رأسها البلاء بالخوف من العدو المرعب المتسلط القوي القاهر بامتلاكه وسائل القهر والتسلط والدمار الشامل. والمراد لنختبرنكم بشيء من خوف مريع ينالكم من عدوكم. وقيل: هو الفزع في القتال، كما قيل: هو خوف الله عز وجل.
وقد جاءت الشريعة لاجتثاث مصادر الخوف والقلق، ونشر السلام والأخبار السارة؛ قال الله سبحانه وتعالى: (ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) [التوبة: 40]، لما استوحش الصديق خوفًا مما يمكن أن يقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مهدئًا من قلق صاحبه وروعه: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما"[45]. وسدّ ثلمة الحزن والقلق بكلمات!
قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) [الأنعام:82]. وهنا يبين أن الأمن نتيجة توحين الله.
(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [النور: 55].
كان نبينا صلى الله عليه وسلم حريصًا على دفع الخوف والروع عن المسلمين جاء في صحيح البخاري: "فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق الناس قِبل الصوت فاستقبلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سبق الناس إلى الصوت وهو يقول: "لن تراعوا، لن تراعوا"، وهو على فرس لأبي طلحة عري ما عليه سرج في عنقه سيف فقال: "لقد وجدته بحرًا أو إنه لبحر"[46]. وقد سد صلى الله عليه وسلم ثلمة الروع بنشر السكينة والطمأنينة ووقف بنفسه على المصدر ليعالج قبل فوات الأوان!
قال تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ) [النساء: 83].
وإن الملائكة قالت لإبراهيم عليه السلام: (لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ) [هود: 70].
والله قال لموسى لما ألقى عصاه انقلبت ثعبانًا عظيمًا: (خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى) [طه: 21]، لما خشي موسى عليه السلام من أن يروج كيد السحرة لما ألقوا حبالهم وعصيهم على الناس فيتبعوهم: (قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى) [طه: 68].
ونصوص من الوفرة بمكان تدل على الأمن وعدم الخوف؛ منها: قوله تعالى: (لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [القصص: 25].
والله عز وجل قال للمؤمنين في أحد: (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ) [آل عمران: 139].
ولما نزل الله الملائكة يوم بدر: (وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) [آل عمران: 126].
ولما كان فرعون يرسل في بني إسرائيل من يقتلهم (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) [القصص: 7].
مواضع السكينة في كتاب الله:
إن السكينة والسكن تقابل التوتر والخوف والاضطراب؛ فلها مواضع في كتاب الله لاستتباب الأمن والاستقرار النفسي.
الأول: قال تعالى: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ) [البقرة: 248].
الثاني: قال تعالى: (ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ) [التوبة: 26].
الثالث: قال تعالى: (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا) [التوبة: 40].
الرابع: قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) [الفتح: 4].
الخامس: قال: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) [الفتح: 18].
السادس: قال تعالى: (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ) [الفتح: 26].
من أعراض الخوف:
إن للخوف أعراضًا منهكة؛ منها:
- ارتجاف الأطراف، واصطكاك الأسنان.
- هيمنة الوسواس القهري.
- الإصابة بالغثيان، واضطرابات الجهاز الهضمي.
- الإصابة بفرط التعرق.
- التبول اللائرادي.
- الإحساس بالتّوتر أو بالقلق.
- جفاف الحلق والفم.
- الشعور بالاختناق، وضيق التنفس.
- الإصابة بالدوار، أو عدم توازن الجسم، والثقل في الرأس.
- حدوث التنميل والشعور بهبات ساخنة أو باردة.
- زيادة معدل نبضات القلب عن المعدل الطبيعي.
- انعدام الرغبة في الأكل، وفقدان الشهية.
- العزلة وقلة الرغبة في مخالطة الناس.
- المواقف الخطرة تزيد من إفراز هرمون الإدرينالين الذي يؤدّي إمّا إلى مواجهة هذا الخطر أو الهروب منه.
- وجود طنين في الأذن.
- الشعور بالتخدر أو الوخز.
- الشعور بالخوف من فقدان السيطرة.
- زيادة مشاعر الفزع.
- الخوف من الموت.. إلخ.
من أسبابه:
- الخوف من المرض وتطوره.
- الخوف من الموت.
- الخوف من الإصابة بالفيروس.
- وجود فراغ قاتل، وعدم إشغال الوقت بشيءٍ هادف.
- البعد عن الله والغفلة عن تعاليمه ومبادئه!
- تخيّل أمور غير واقعية.
- الشك الزائد عند الفرد.
- التعرّض لموقف صادم في الحياة ومخيف، الأمر الذي يجعل الفرد يتذكّره باستمرار، ولا يستطيع نسيانه.
- ردة فعل على تحفيزٍ ما يحدث خلال الوقت الحاضر.
- توقّع وجود تهديد محتمل في المستقبل.
- تصوّر وجود خطر معين.. إلخ.
مصطلحات ذات علاقة بالخوف:
- الخوف:
(الخوف): توقع مكروه عن أمارة مظنونة، أو معلومة، كما أن الرجاء والطمع توقع محبوب عن أمارة مظنونة، أو معلومة. ويضاد الخوف الأمن. ويستعمل ذلك في الأمور الدنيوية والأخروية. قال تعالى: (ويرجون رحمته ويخافون عذابه) [الإسراء:57]. و(الخوف) سوط الله، يُقَوِّم به الشاردين من بابه، ويسير بهم إلى صراطه، حتى يستقيم به أمر من كان مغلوباً على رشده. ومن علامته: قصر الأمل، وطول البكاء.
والخوف من الله لا يراد به ما يخطر بالبال من الرعب، كاستشعار الخوف من الأسد، بل إنما يراد به الكف عن المعاصي واختيار الطاعات؛ ولذلك قيل: لا يعد خائفًا من لم يكن للذنوب تاركًا. والتخويف من الله تعالى: هو الحث على التحرز، وعلى ذلك قوله تعالى: (ذلك يخوف الله به عباده) [الزمر: 16].
ولفظ (الخوف) جاء في القرآن في نحو خمسة وستين موضعًا، جاء بعضها بصيغة الاسم، كقوله تعالى: (فمن تبع هداي فلا خوف عليهم) [البقرة: 38]، وجاء بعضها الآخر بصيغة الفعل، كقوله تعالى: (ليعلم الله من يخافه بالغيب) [المائدة: 94].
- الجزع:
أصل (الجزع) قطع الحبل نصفين؛ وهو الحزن الذي يقطع ما يكون الإنسان بصدده؛ وهو عادة ما يقابل الصبر كما سيأتي؛ ورد في القرآن مرتين:
الأولى: جاء بصيغة الفعل، وذلك قوله سبحانه: (سواء علينا أجزعنا أم صبرنا) [إبراهيم: 21].
والثانية: جاء بصيغة الاسم، وذلك قوله سبحانه: (إذا مسه الشر جزوعا) [المعارج: 20].
- الحذر:
و(الحذر) من مادة حذر حذرًا وحذرته، وحذار: أي: احذر. وهو احتراز عن شيء مخيف؛ وهذا اللفظ جاء في القرآن في سبعة عشر موضعا، جاء أكثرها بصيغة الفعل، كقوله تعالى: (ويحذركم الله نفسه) [آل عمران: 28]. وجاء أقلها بصيغة الاسم نحو قوله تعالى: (وإنا لجميع حاذرون) [الشعراء: 56].
وأما عن الفرق بين الخوف والحذر؛ فالخوف توقع الضرر المشكوك في وقوعه، ومن يتيقن الضرر لم يكن خائفًا له. وكذلك الرجاء لا يكون إلا مع الشك، ومن تيقن النفع لم يكن راجيًا له. والحذر توقي الضرر، سواء أكان الضرر مظنونًا أم متيقنًا. والحذر يدفع الضرر، والخوف لا يدفعه. ولهذا يقال: خذ حذرك. ولا يقال: خذ خوفك.
- الخشية:
و(الخشية): خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يُخشى منه. قال تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) [فاطر: 28]. و(الخشية): حالة تحصل عند الشعور بعظمة الخالق، وهيبته، وخوف الحجب عنه. و(الخشية) أيضًا: تألم القلب بسبب توقع مكروه في المستقبل، يكون تارة بكثرة الجناية من العبد، وتارة بمعرفة جلال الله وهيبته. وخشية الأنبياء من هذا القبيل.
وهذا اللفظ توارد في القرآن في نحو ثلاثة وعشرين موضعًا، جاء أكثرها بصيغة الفعل، كقوله تعالى: (فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى) [طه: 44]. وجاء أقلها بصيغة الاسم، كقوله تعالى: (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق) [الإسراء: 31].
وأما عن الفرق بين الخوف والخشية؛ الخوف يتعلق بالمكروه وبترك المكروه، تقول: خفت زيداً، كما قال تعالى: (يخافون ربهم من فوقهم) [النحل: 50]. وتقول: خفت المرض، كما قال سبحانه: (ويخافون سوء الحساب). والخشية تتعلق بمُنْزِل المكروه. ولا يسمى الخوف من نفس المكروه خشية؛ ولهذا قال: (ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب) [الرعد: 21].
وفرق بعضهم بين الخوف والخشية، فقال: الخوف تألم النفس من العقاب المتوقع بسبب ارتكاب المنهيات، والتقصير في الطاعات. وهو يحصل لأكثر الخلق، وإن كانت مراتبه متفاوتة جداً، والمرتبة العليا منه لا تحصل إلا للقليل. فالخشية: خوف خاص، وقد يطلقون عليها الخوف. ويؤيد هذا الفرق قوله تعالى واصفًا المؤمنين: (ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب) [الرعد: 21]، حيث ذكر الخشية في جانبه سبحانه، والخوف في جانب الحساب.
- الرعب:
و(الرعب) هو: الانقطاع من امتلاء الخوف، يقال: رعبته فرعب رعبًا، فهو رعب. والتِّرعابة: الشديد الخوف والفزع. وقد جاء هذا اللفظ في القرآن في خمسة مواضع فقط، منها قوله تعالى: (سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب) [آل عمران: 151]، وجاء في مواضعه الخمسة بصيغة الاسم، ولم يأت بصيغة الفعل في القرآن.
- الرهبة:
(الرهبة) و(الرهب): مخافة مع تحرز واضطراب، تقول: رهبت الشيء رُهْبًا ورَهَبًا ورهبة. وجاء هذا اللفظ في القرآن وَفْق هذا المعنى في ثمانية مواضع، جاء في خمسة منها بصيغة الفعل، منها قوله تعالى: (هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون) [الأعراف: 154]، وجاء بصيغة الاسم في ثلاثة مواضع، منها قوله تعالى: (ويدعوننا رغبا ورهبا) [الأنبياء: 90].
وأما عن الفرق بين الخول والرهبة؛ فالخوف: هو توقع الوعيد. وأما الرهبة فهي انصباب إلى وجهة الهرب، فثمة علاقة بين الرهب والهرب، فصاحبها يهرب أبدًا لتوقع العقوبة. ومن علاماتها: حركة القلب إلى الانقباض من داخل، وهربه وإزعاجه عن انبساطه، حتى إنه يكاد أن يبلغ الرهابة في الباطن، مع ظهور الكمد والكآبة على الظاهر.
- الروع:
(الرَّوع): إصابة الرُّوع (القلب). واستعمل فيما ألقي فيه من الفزع، يقال: رعته وروَّعته، وريع فلان: فزع. والأروع: الذي يروع بحسنه، كأنه يُفزِع. وقد جاء هذا اللفظ في القرآن مرة واحدة، وذلك قوله تعالى: (فلما ذهب عن إبراهيم الروع) [هود: 74]، أي: الخوف.
- الفَرَق:
(الفَرَق): الفزع وشدة الخوف، يقال: فَرِقَ فلان: إذا جزع واشتد خوفه. وقد جاء هذا اللفظ في القرآن مرة واحدة بصيغة الفعل، وذلك قوله سبحانه في وصف المنافقين: (ولكنهم قوم يفرقون) [التوبة: 56]، أي: يخافون أن يظهروا ما هم عليه.
- الفزع:
(الفزع): انقباض ونفار يعتري الإنسان من الشيء المخيف، وهو من جنس الجزع. وهذا اللفظ ورد في القرآن في ستة مواضع، ورد في موضعين بصيغة الاسم: أحدهما: قوله تعالى: (لا يحزنهم الفزع الأكبر) [الأنبياء: 103]. وثانيهما: قوله سبحانه: (وهم من فزع يومئذ آمنون) [النمل: 89]. وورد في أربعة منها بصيغة الفعل، منها قوله تعالى: (ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض) [النمل: 87].
وأما عن الفرق بين الخوف والفزع؛ فالفزع مفاجأة الخوف عند هجوم غارة أو صوت وما أشبه ذلك. وهو انزعاج القلب بتوقع مكروه عاجل. وتقول: فزعت منه، فتعديه بـ (مِن). وتقول: خفته، فتعديه بنفسه. فمعنى خفته، أي: هو نفسه خوفي. ومعنى فزعت منه، أي: هو ابتداء فزعي؛ لأن (مِن) لابتداء الغاية. ويقال: خفت من الله، ولا يقال: فزعت منه.
- الهلع:
(الهلع): أسوأ الجزع. وهذا اللفظ لم يَرِد في القرآن إلا مرة واحدة فقط، وذلك قوله تعالى: (إن الإنسان خلق هلوعا) [المعارج: 19].
وأما عن الفرق بين الهلك والجزع؛ فالجزع أقل مرتبة من الهلع؛ إذ الهلع أسوء الجزع. والإنسان لا يوصف بوصف (الهلع) إلا إذا تحقق فيه الوصفان المذكوران في قوله تعالى: (إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا).
- الوجف:
(الوجف): الاضطراب، يقال: وجف الشيء يجف وجفاً: اضطرب؛ ووجف القلب: خفق؛ ووجف فلان: إذا سقط من الخوف، فهو واجف. وهذا اللفظ بهذا المعنى لم يَرِد في القرآن إلا مرة واحدة فقط، وذلك قوله تعالى: (قلوب يومئذ واجفة) [النازعات: 8]. وأما قوله تعالى: (فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب) [الحشر:6]، فالمراد بـ (الإيجاف) هنا: الإسراع في السير، يقال: وجف الفرس يجف وجيفًا وهو: سرعة السير؛ وأوجفه صاحبه: إذا حمله على السير.
- الوجل:
(الوجل): استشعار الخوف. يقال: وَجِلَ يَوْجَلُ وَجَلًا: خاف وفزع، فهو وَجِلٌ. وهذا اللفظ جاء في القرآن في خمسة مواضع فقط، جاء بصيغة الاسم في موضعين: أحدهما: قوله تعالى: (قال إنا منكم وجلون) [الحجر: 52]. ثانيهما: قوله سبحانه: (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة) [المؤمنون: 60]. وجاء في ثلاثة مواضع بصيغة الفعل، منها قوله سبحانه: (الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) [الحج: 35].
وأما عن الفرق بين الخوف والوجل؛ فالخوف خلاف الطمائنينة. يقال: وجل الرجل يوجل وجلا: إذا قلق ولم يطمئن. ويقال: أنا من هذا على وجل، ومن ذلك على طمأنينة. ولا يقال: على خوف في هذا الموضع. وقوله تعالى: (الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) [الأنفال: 2]، أي: إذا ذكرت عظمة الله وقدرته، لم تطمئن قلوبهم إلى ما قدموه من الطاعة، وظنوا أنهم مقصرون، فاضطربوا من ذلك، وقلقوا. فليس الوجل من الخوف في شيء[47].
معالجة الشريعة للخوف السلبي:
إن ثمة جملة من الوصفات العلاجية لهوس الخوف إن ظهرت أعراضه؛ منها:
أولا: تقوية الإيمان بالله تعالى وقدرته وأنه قادر على كل شيء وقاهر له، وأن ليس للإنسان أمامه حول ولا قوة، لقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) [فصلت: 30].
ثانيا: التوكل على الله تعالى وجعله حسيبًا في جميع الأمور، والإكثار من قول: "حسبنا الله ونعم الوكيل"، يقول ابن عباس رضي الله عنه: "حسبنا الله ونعم الوكيل" قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل"[48].
ثالثا: التضرع إلى الله بالدعاء؛ فهو يرفع البلاء والخوف، ويبدله أمنا، والتزام ذكر الله وأوراد الصباح والمساء؛ قال سبحانه: (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الأنعام: 43].
رابعا: قراءة آية الكرسي خلف كل صلاة إذا سلم وأتى بالأذكار الشرعية يأتي بآية الكرسي يقرأها بينه وبين نفسه: (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) [البقرة: 255]. وإذا قرأها عند النوم لا يزال عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح[49].
خامسا: قراءة الفاتحة؛ لأنها الوافية والواقية والشفاء؛ قال أبو سعيد الخدري: "نَزَلْنَا مَنْزِلًا، فأتَتْنَا امْرَأَةٌ فَقالَتْ: إنَّ سَيِّدَ الحَيِّ سَلِيمٌ، لُدِغَ، فَهلْ فِيكُمْ مِن رَاقٍ؟ فَقَامَ معهَا رَجُلٌ مِنَّا، ما كُنَّا نَظُنُّهُ يُحْسِنُ رُقْيَةً، فَرَقَاهُ بفَاتِحَةِ الكِتَابِ فَبَرَأَ، فأعْطَوْهُ غَنَمًا، وَسَقَوْنَا لَبَنًا، فَقُلْنَا: أَكُنْتَ تُحْسِنُ رُقْيَةً؟ فَقالَ: ما رَقَيْتُهُ إلَّا بفَاتِحَةِ الكِتَابِ قالَ: فَقُلتُ: لا تُحَرِّكُوهَا حتَّى نَأْتِيَ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فأتَيْنَا النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ فَذَكَرْنَا ذلكَ له، فَقالَ: ما كانَ يُدْرِيهِ أنَّهَا رُقْيَةٌ؟ اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لي بسَهْمٍ معكُمْ. وفي رواية: بهذا الإسْنَادِ نَحْوَهُ، غيرَ أنَّهُ قالَ: فَقَامَ معهَا رَجُلٌ مِنَّا، ما كُنَّا نَأْبِنُهُ برُقْيَةٍ"[50].
سادسا: قراءة سورة الإخلاص والمعوذتين ثلاث مرات صباحا ومساء وعند النوم؛ عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: "أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أَنْ أَقْرَأَ بِالْمُعَوِّذَاتِ، فِي دُبُرَ كُلِّ صَلاَةٍ"[51]. وعن عبد الله بن خبيب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "قُلْ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، وَالمُعَوِّذَتَيْنِ، حِينَ تُمْسِي وَتُصْبِحُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ"[52].
سابعا: عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَن قال حينَ يُصْبِحُ وحينَ يُمْسي أعوذُ بكلماتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِن شرِّ ما خلَق لم يضُرَّه شيءٌ وفي روايةٍ مَن قال إذا أمسى أعوذُ بكلماتِ اللهِ التَّامَّاتِ كلِّها مِن شرِّ ما خلَق لم يضُرَّه شيءٌ وفي روايةٍ مَن قال حينَ تغيبُ الشَّمسُ أعوذُ بكلماتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِن شرِّ ما خلَق لم يضُرَّه شيءٌ في ليلتِه"[53].
ثامنا: عن عثمان بن عفان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من عبدٍ يقولُ في صباحِ كلِّ يومٍ أو مَساءِ كلِّ ليلةٍ باسمِ اللهِ الذي لا يضرُّ مع اسمِه شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ وهو السميعُ العليمُ إلا لم يضرَّه شيءٌ"[54].
تاسعا: حسن توجيه الفرد عند تعرّضه لموقف يخيفه، أو يسبب له التوتر والانزعاج الشديد، ومحاولة تجنب كل أسباب القلق والخوف.
عاشرا: إبعاد الفرد عن المواقف التي تزعجه وتسبب له الخوف، واللجوء إلى العلاج النفسي، ومحاولة مواجهة أسبابه، أو القيام بالأشياء المخيفة بشكلٍ تدريجي، والتوكل على الله ولن يصيبنا إلا ما كتبه الله لنا، واستعمال أدوية مضادات الاكتئاب، والمهدئات والمسكنات.. إلخ.
(وَالْجُوعِ)
يُعرّف الجوع بأنّه الشعور بالحاجة إلى الطعام، أو الحالة التي لا يمتلك فيها الجسم ما يكفي من الغذاء، حيث وُلد الإنسان مع شعورٍ فطريٍّ للجوع، ففي مرحلة الطفولة يلجأ للبكاء من أجل التعبير عن الجوع، أو إبعاد الطعام عن فمه أو إغلاقه عند الشبع، كما أنّ للجوع تأثيرات عديدة، مثل: العصبيّة، أو التشوّش، أو الشعور بالدّوار، أو الصّداع، وغيرها من الأعراض.
إذًا فالجوع إحساس يمثل حاجة الجسم الفسيولوجية للطعام. معنى هذا أن الجوع إحساس وظيفي جسدي وليس إحساسًا نفسيًا. فشعورك بالجوع يعني وجود نقص في المواد الغذائية التي يحتاجها جسدك من أجل القيام بوظائفه على الوجه الأكمل.
تستخدم منظمة الصحة العالمية مؤشرات متعددة لرصد الجوانب المختلفة لهذه القضايا المعقدة. يتم استخدام اثنين من هذه المؤشرات، انتشار سوء التغذية، وانتشار انعدام الأمن الغذائي المتوسّط أو الحادّ بين السكان، استنادًا إلى مقياس المعاناة من انعدام الأمن الغذائي.
بالجوع -وهو القحط- يقول: لنختبرنكم بشيء من القحط والجدب، وبسَنة تُصيبكم ينالكم فيها مجاعة وشدة، وتتعذر المطالب عليكم؛ فتنقص لذلك أموالكم.
أي أن جُدوبًا تحدُث، فتنقص لها ثماركم. كل ذلك يكون امتحانًا من الله لنا، واختبارًا منه لنا، فيتبين صادقونا في إيمانهم من كاذبينا فيه، ويُعرف أهل البصائر في دينهم منا، من أهل النفاق فيه والشك والارتياب.
ما الفرق بين (لباس الجوع) و(شيء من الجوع)؟
قال تعالى: (لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ) [النحل: 112] لماذا عبّر هنا في النحل بلباس الجوع والخوف، وفي البقرة قال: (بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ) [البقرة: 155] لماذا فرق بينهما؟
قال سبحانه: (فَأَذَاقَهَا اللّهُ) [سورة النحل: 112] أي: تلك الطائفة أو القرية الكافرة عذبها الله سبحانه، أنزل بها بأسه، فأذاقها لباس الجوع والخوف، فصار ذلك ظاهرًا عليهم، كاللباس الذي يظهر على لابسه.
وهنا يقول لأهل الإيمان: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ) [البقرة: 155] فهو شيء يسير لا يكون بتلك المثابة التي هي من قبيل العذاب، مثل: أذاقها لباس الجوع والخوف، هذا ما ذكره في وجه التفريق بين العبارتين.
(وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ)
أي: نقص من الأموال بسبب الاشتغال بقتال الكفار.
وقيل: بالجوائح المتلفة.
وقال الشافعي: بالزكاة المفروضة.
والحق أن (نقص من الأموال) يشمل جميع النقص المعتري للأموال من جوائح سماوية، وغرق، وضياع، وأخذ الظلمة للأموال من الملوك الظلمة، وقطاع الطريق وغير ذلك.
(وَالْأَنفُسِ)
ونقص الأنفس يعني: ذهاب الأحباب من الأولاد، والأقارب، والأصحاب، ومن أنواع الأمراض في بدن العبد، أو بدن من يحبه، ولا سيما الأوبة الفتاكة، والجوائح المبيدة للجماعات والتجمعات، والفيروسات كالكورونا المعدية والقاتلة.
فقد الأحباب والأكباد:
إن الله يجعل موت الأطفال حجابًا لوالديهم من النار مع الصبر والاحتساب، لقوله صلى الله عليه وسلم: "ما منِ امرَأَيْنِ مُسلِمَيْنِ هلَكَ بينَهما وَلَدانِ أو ثلاثةٌ فاحتَسَبا وصَبَرا، فيَرَيانِ النارَ أبدًا"[55].
ومنه قبول شفاعة الأطفال في والديهم يوم القيامة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "يُقالُ للوِلدانِ يومَ القيامةِ ادخُلوا الجنَّةَ فيقولونَ يا ربِّنا يدخُلُ آباؤُنا وأمَّهاتُنا قال فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ ما لي أراهم مُحْبَنْطِئينَ ادخُلوا الجنَّةَ قال فيقولونَ يا ربِّ آباؤنا قال فيقولُ ادخُلوا الجنَّةَ أنتم وآباؤُكم"[56].
ومنه إكرام العبد الصابر الحامد ببيت الحمد في الجنة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ولدُ العبدِ قال اللهُ تعالَى لملائكتِه: قبضتم ولدَ عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقولُ: قبضتم ثمرةَ فؤادِه؟ فيقولون: نعم، فيقولُ: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمِدك واسترجع، فيقولُ اللهُ تعالَى: ابْنُوا لعبدي بيتًا في الجنَّةِ، وسمُّوه بيتَ الحمدِ"[57].
قال صلى الله عليه وسلم: "من وُلِدَ له ثلاثةُ أولادٍ في الإسلامِ فماتوا قبل أن يَبلُغوا الحِنْثَ أدخلَه اللهُ الجنَّةَ بفضلِ رحمتِه إياهم، ومن شاب شَيْبَةً في سبيلِ اللهِ كانت له نورًا يومَ القيامةِ ومن رمى بسهمٍ في سبيلِ اللهِ بلغ به العدوُّ أصاب أو أخطأ كان له عتقُ رقبةٍ ومن أعتق رقبةً مؤمنةً أعتق اللهُ بكل عضوٍ منه عضوًا منه من النارِ ومن أنفق زوجَينِ في سبيلِ اللهِ فإنَّ للجنَّةِ ثمانيةَ أبوابٍ يُدخِلُه اللهُ من أيِّ بابٍ شاء منها"[58].
عن عبد الله بن مسعود "أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خَطَبَ النِّساءَ، فقال لهنَّ: ما منكنَّ امرأةٌ يَموتُ لها ثلاثةٌ، إلَّا أدخَلَها اللهُ عزَّ وجلَّ الجنَّةَ، فقالتْ أجَلُّهنَّ امرأةً: يا رسولَ اللهِ، وصاحبةُ الاثنَينِ في الجنَّةِ؟ قال: وصاحبةُ الاثنَينِ في الجنَّةِ"[59].
"أخي إن مما يكشف الكرب عند فقد الأحبة التأمل والتملّي والتدبر والنظر في كتاب الله عز وجل وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ففيهما ما تقر به الأعين، وتسكن به القلوب وتطمئن له تبعاً لذلك الجوارح مما منحه الله، ويمنحه لمن صبر ورضي واحتسب من الثواب العظيم والأجر الجزيل، فلو قارن المكروب ما أخذ منه بما أعطى لا شك سيجد ما أعطي من الأجر والثواب أعظم من فوات تلك المصيبة بأضعاف مضاعفة ولو شاء الله لجعلها أعظم وأكبر وأجل، وكل ذلك عنده بحكمة وكل شيء عنده بمقدار"[60].
(وَالثَّمَرَاتِ)
أي: الحبوب وثمار النخيل والأشجار كلها والخضر، ببرد، أو حرق، أو آفة سماوية من جراد ونحوه.
قال الشافعي: المراد موت الأولاد، وولد الرجل ثمرة قلبه، كما جاء في الخبر.
وقال ابن عباس: المراد قلة النبات وانقطاع البركات.
وقيل: لا تغل الحدائق والمزارع كعادتها؛ إذ كانت بعض النخيل لا تثمر غير واحدة، وكل هذا وأمثاله مما يختبر الله به عباده، فمن صبر أثابه (الله) ومن قنط أحل (الله) به عقابه.
أو آفة سماوية، من جراد ونحوه. فهذه الأمور، لا بد أن تقع؛ لأن العليم الخبير، أخبر بها، فوقعت كما أخبر.
وأتصورها جميعها من مشمولات (الثمرات) التي تتعرض لزوال النعمة، وتسلط الجوائح.
لماذا قال: (بشيء) ولم يقل "بأشياء"؟
وإنما قال تعالى ذكره: (بشيء من الخوف) ولم يقل بأشياء؛ لاختلاف أنواع ما أعلم عبادَه أنه مُمتحنهم به. فلما كان ذلك مختلفًا -وكانت "مِن" تَدلّ على أنّ كل نوع منها مُضمر "شيء"، فإنّ معنى ذلك: ولنبلونكم بشيء من الخوف، وبشيء من الجوع، وبشيء من نقص الأموال- اكتفى بدلالة ذكر "الشيء" في أوله، من إعادته مع كل نوع منها. ففعل تعالى ذكره كل ذلك بهم، وامتحنهم بضروب المحَن[61].
والمعنى بشيء يسير منهما؛ لأنه لو ابتلاهم بالخوف كله، أو الجوع، لهلكوا، والمحن تمحص لا تهلك[62].
(وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)
أي: تسلوا بقولهم هذا عما أصابهم، وعلموا أنهم ملك لله يتصرف في عبيده بما يشاء، وعلموا أنه لا يضيع لديه مثقال ذرة يوم القيامة، فأحدث لهم ذلك اعترافهم بأنهم عبيده، وأنهم إليه راجعون في الدار الآخرة.
وأما من وفقه الله للصبر عند وجود هذه المصائب، فحبس نفسه عن التسخط قولا وفعلا، واحتسب أجرها عند الله، وعلم أن ما يدركه من الأجر بصبره أعظم من المصيبة التي حصلت له، فهذا قد صارت المصيبة نعمة في حقه، فلهذا قال تعالى: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) أي: بشرهم بأنهم يوفون أجرهم بغير حساب.
والصبر أصله الحبس، وثوابه غير مقدر. لكن لا يكون ذلك إلا بالصبر عند الصدمة الأولى، كما روى البخاري عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَرَّ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقالَ: اتَّقِي اللَّهَ واصْبِرِي قالَتْ: إلَيْكَ عَنِّي، فإنَّكَ لَمْ تُصَبْ بمُصِيبَتِي، ولَمْ تَعْرِفْهُ، فقِيلَ لَهَا: إنَّه النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأتَتْ بَابَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ، فَقالَتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ، فَقالَ: إنَّما الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى"[63].
يقول أحد الشعراء:
اصْبِرْ قَليلًا فَبَعْدَ العُسْرِ تَيْسيرُ ** وَكُلُّ أمْرٍ لَهُ وَقِتٌ وَتَدْبيرُ
وَيَقول آخر:
لا تَحْسَبِ المَجْدَ تَمْرًا أنْتَ آكِلُهُ ** لَنْ تَبْلُغَ المَجْدَ حَتّى تَلْعَقَ الصّبْرا
أنواع الصبر:
الصبر ثلاثة أنواع:
- الصبر على الطاعة؛ ومنه الثبات على أحكام الكتاب والسنة؛ قال تعالى: )وأمُر أهلَكَ بالصَّلاةِ واصطَبِرْ عليها) [طه: 132]. وقال تعالى: (واستعينوا بالصّبر والصّلاة وإنَّها لكبيرةٌ إلا على الخاشعين) [البقرة: 45]. وقال تعالى: (رَبُّ السَّمواتِ والأرضِ وما بينَهُما فاعبُدهُ واصطبِرْ لعبادتِهِ هل تعلمُ لهُ سَميًّا) [مريم: 65]. وقال سبحانه: (واصبِرْ نَفسكَ مع الذين يَدعُونَ رَبَّهُم بالغَداةِ والعَشِي يُريدونَ وَجهَهُ ولا ت

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
-150x150.jpg)