حماية البيئة في الإسلام
الشيخ محمد الصادق محمد يوسف رحمه الله تعالى
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، المنعم الكريم، الذي سخّر لنا هذه الكائنات نعمة منه وفضلًا، والصلاة والسلام على نبيه المصطفى الذي أرسله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:
فلا شكّ أن مشكلة حماية البيئة من أكبر مشكلات العصر الحاضر، وهي لا تقلّ في خطورتها عن خطورة السلاح النووي في جلْبها للإنسانية العواقبَ السيئة.
إنّ التطوّر في مجال التكنولوجيا، واختراع مصادر جديدة للقوى الإلكترونية، وظهور المعادن والمواد الكيميائية، وتدخّل الإنسان في قوانين الطبيعة دون تفكير في عواقبه، كل ذلك أحدث المعضلات في حمايتها.
وبالطبع هي من المشاكل التي تُثير القلق لدى الملايين من المسلمين وعلمائهم في العالم، وهم يلجأون في حلّها إلى الآيات القرآنية والتعاليم الإسلامية.
ومن المعلوم لكل مسلم أن الله تعالى خلق هذا الكون بدقّة عجيبة لا مثيل لها، وبترابط وتناسق وثيق فيما بين مخلوقاته، وجعل لهذه المخلوقات خصائص وصفاتٍ وتراكيب وعددًا حسبما اقتضتْهُ إرادتُه المَبْنِيَّةُ على الحِكَم البالغة، وخلق سبحانه كلّ شيء في زمان خاصّ، ومكان خاصّ، وترتيب وحالة خاصّة، يقول الله تعالى: «إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49)» [القمر: ٤٩].
وقال في آية أخرى: «وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (2)» [الفرقان: ٢].
أيْ: إن كلّ شيء في الدنيا من الماء والأرض والهواء والجبال والحيوانات والنباتات خلقها الباري عزّ وجلّ بقدَر وترابط وتناسق فيما بينها، إذا اختلّ هذا الترابط ولو قليلًا نتج عنه مصائب شتى، وربما أدّى إلى هلاك الطبيعة والإنسانية.
ومن المعلوم أيضًا أن الله سخّر هذا الكون وذلّل ما فيه للإنسان، وجعله خليفته في أرضه، وكرّمه فيها، ومع ذلك اختبره وابتلاه، ولذا هو المسؤول عن جميع أعماله وتصرفاته، وهذه المسؤولية صادرة عن هذا التكريم والخلافة وحقّ التصرّف. ومع إعطاء الله إياه هذه الحقوق والمزايا بيَّن له كيفية استعمال هذه النعم لصالح نفسه وغيره بواسطة الوحي، وأمره بحفظ العالم والانتفاع من نعم الله تعالى، وعدم إهلاكها، بل استعمالها في سبيل الخير، قال تعالى: «وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا» [الأعراف: ٥٦].
يفهم من هذه الآية أن الله خلق الأرض وهيّأها ليعيش الإنسان في سعادة ورفاهية، لأن فيها المياه، والجبال، والحيوانات، والنباتات، والخيرات المادية والمعنوية، وعلى الإنسان أن يحافظ على هذه النعم، وأن ينتفع منها دون إخلال في توازنها وتناسقها.
ونرى اليوم اختلافًا في نظام الكون بسبب تدخّل الإنسان فيه بلا علم ولا رَوِيّة. ولأجل ذلك نتج عنه العقبات التي تسدّ طرق حماية البيئة. ولذلك على كل متدين أن يناضل من أجل حماية الطبيعة وإبقائها كما أبدعها الله تعالى.
والآية القرآنية الآتية تبيّن سببَ ظهور الفساد في الأرض، ألا وهو ما كسبه الإنسان من المعاصي والآثام، يقول الله تعالى: «ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41)» [الروم: ٤١].
إذا كانت أفكار الناس وقلوبهم غير طاهرة تكون نتائج أعمالهم هالكة، وعواقبها وخيمة. ولكن مع ذلك رحمة الله واسعة، وهو رحيم بعباده، لذا فتح لهم باب التوبة ليثوبوا إلى رشْدهم، ويفيقوا من غفلتهم، وقال في آخر الآية: «لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41)».
هناك أحاديث متضافرة تتحدث عن مسؤولية الإنسان في هذا الكون، منها: «فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». هذا الحديث من جوامع الكلم حوى على وَجَازة ألفاظه معانيَ كثيرةً التي تُحمّله مسؤولية سلامة الكون وأمنه، إضافةً إلى الوظائف التي سبقت ذكرها.
والذين يُهلكون ما خلقه الله تعالى ويتلفونها يسميهم الله عز وجل «مفسدين»، قال عزّ وجلّ: «وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ (205)» [البقرة: ٢٠٥].
الحرث هو الزرع ، والنسل هو الحيوان في هذه الآية. وهما أيْ: عالم النباتات، وعالم الحيوانات يعتبران في الإسلام من نعم الله تعالى للإنسان. ومن يُتلف واحدًا منهما يكون قدْ كفر النعمة وأضرّ بالإنسانية.
الإسلام وحماية عالم الحيوانات
والإسلام دائمًا يدعو المؤمن إلى الرأفة بالحيوانات وعدم الإضرار بها.
إن الله سبحانه وتعالى قد فصّل في القرآن كيفية تعامل الإنسان بما حوله، ومن جملتها معاملته بالحيوانات.
وهناك آيات كثيرة توضّح مراد الله عز وجل من خلقه لعالم الحيوانات، وتدعو الإنسان إلى دراسة هذا العالم وحمايته، وتعلّمه كيفية الانتفاع منه، وكيف يربّي هذه الحيوانات، وتدعو للتدبر في هذه المخلوقات وعِظَمِ قدرة خالقها، وإن صغرت أحجامها، وعدمت أهميتها في نظرنا القاصر.
وقد سميت عدة سور في القرآن الكريم باسم الحيوانات، كسورة البقرة، والأنعام، والنمل، والنحل، والفيل.
ويؤكد القرآن أن كل الحيوانات أمم كأمثالنا، وهذا التأكيد نفسه يحثّ الإنسان على الرحمة بتلك الأمم، قال تعالى: «وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ» [الأنعام: ٣٨ ].
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ r: «لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا كُلِّهَا». رواه الترمذي وأبو داود.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ r يَقُولُ: «قَرَصَتْ نَمْلَةٌ نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ فَأُحْرِقَتْ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ أَنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أَحْرَقْتَ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ تُسَبِّحُ». متفق عليه.
ونجد في كثير من الآيات جوابًا على السؤال الآتي: «لماذ خلقت الحيوانات؟»، وعلى سبيل المثال قال عزّ وجلّ في سورة المؤمنون: «وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (21) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (22)»، [المؤمنون: 21-22].
وقال في سورة النحل: «وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5)»، [النحل:5].
هذه الآيات الكريمة تقول: إن الحيوانات خُلقت لينتفع الإنسان بها، ويتمتع منها بالأكل والشرب والدفء والحمل عليها، لذا عليه أن يؤدي شكر هذه النعم وأن يحافظ عليها كما ينبغي.
وأداء الشكر يكون على طريقتين:
الأولى: أن يثني على المنعِم، وأما الثانية: الخضوع لأوامر الله وإرشاداته في الانتفاع من هذه النعم.
والإسلام يؤكد بكل معنى الكلمة على عدم الإضرار بعالم الحيوانات أيّ ضررٍ.
أخرج مسلم في صحيحه عَنْ جَابِرٍ t: أَنَّ النَّبِيَّ r مَرَّ بحِمَار قَدْ وُسِمَ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ: «لَعَنَ اللهُ الَّذِي وَسَمَهُ».
وأخرج أبو داود في سننه عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ r فِي سَفَرٍ فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ، فَرَأَيْنَا حُمَّرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ، فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا، فَجَاءَتِ الْحُمَّرَةُ فَجَعَلَتْ تُفرِّشُ، فَجَاءَ النَّبِيُّ r فَقَالَ: «مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا؟ رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا».
ونرى من هذين الحديثين مدى رحمة الإسلام لجميع الحيوانات. ويعدّ الإسلام قتل الحيوانات سدًى ذنبًا عظيمًا، وينهى عن ذلك؛ لأن الله خلقها لمصلحة الإنسان، وقتلها يعتبر كفرًا بهذه النعمة. روى النسائي عن الشَّرِيدَ t قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ r يَقُولُ: «مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا عَبَثًا عَجَّ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ: يَا رَبِّ، إِنَّ فُلَانًا قَتَلَنِي عَبَثًا وَلَمْ يَقْتُلْنِي لِمَنْفَعَةٍ».
الرأفة والرفق بالحيوانات في الإسلام ليست بسبب المنفعة المرجوة منها فحسب، بل المسلمون مأمورون بالرفق وإن لم توجد هذه المنفعة.
رحمة المسلم بالحيوانات ترِد كقاعدة في الدين التي بسببها يدخل الجنة. وجاءت أحاديث كثيرة تؤيد هذا المعنى وتقوّيه، منها ما أخرجه البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t، أَنَّ رَسُولَ اللهِ r قَالَ: «بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي، فَمَلأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ ثُمَّ رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟!»، قَالَ: «فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ».
وبالعكس لو أن شخصًا ظلم حيوانًا ما، وآذاه يعذبه الله بسببه في العقبى، روى مسلم عن أَبِي هُرَيْرَةَ t قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ r: «دَخَلَت امْرَأَةٌ النَّارَ مِنْ جَرَّاءِ هِرَّةٍ لَهَا – أَوْ هِرٍّ – رَبَطَتْهَا فَلَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا، وَلَا هِيَ أَرْسَلَتْهَا تُرَمْرِمُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ هَزْلًا».
الإسلام وحماية عالم النباتات
تكلمنا فيما تقدّم عن موقف الإسلام بعالم الحيوانات، وأما الآن نتكلم عن موقفه بعالم النباتات، كما كانت رحمة الله واسعة بعالم الحيوان فإنها كذلك بعالم النبات. وهي من نعم الله تعالى التي أنعمها للإنسان، لولاها لما وجدت الحياة على سطح الأرض، لذا أكثر الله من ذكرها في القرآن الكريم، أنه خلقها لتكون وسيلة لدوام حياة الإنسان واستمرارها، وعلفًا لأنعامه، حيث قال جلّ شأنه في سورة عبس: «فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32)»، [عبس:24-32].
يُذكِّر الله تعالى عباده في هذه الآيات أنه كما خلق الحيوان لمصلحة الإنسان خلق النبات لمصلحته ومصلحة أنعامه. وكلمة «المتاع» تعني جميع أنواع المنافع. وندرك من هذه الآيات أنه جعل عالم النباتات لمنافع الإنسان ومصالحه.
ومن المعلوم أن تعاليم الإسلام تحرّم أن يُبيد الإنسان ما يجرّ النفع له ولأمته، أو يجلب عليه الضرر أو يسرفه.
قال تعالى في سورة (ق): «وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10)»، [ق:9-10].
إذن أنَّ النباتات قوت للعباد ورزق لهم، وينبغي عليهم أن يؤدوا شكرها، والشكر يكون بالثناء والحمد لمنعِمها، وصرفها لما يرضيه. والفوز برضاه في هذا المجال أن يحسن الإنسان التعامل بذلك العالم. قال سبحانه في سورة (طه): «الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (53) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لأُولِي النُّهَى (54)»، [طه: 53-54].
يعني: أن الله وحده مهّد الأرض للحياة عليها، وأنزل من السماء ماء فأنبت به أصنافاً من نبات شتى.
وهناك أحاديث كثيرة ترغب في الفلاحة والزراعة، روى مسلم في صحيحه عن جابر t، عن النبي r قال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلاَّ كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ». أي: أَنّ أجْر الفلاح مستمرّ حتى بعد موته ما دام يُنتفع من ذلك الغِرَاس والزّرْع، وما تولّد منه إلى يوم القيامة.
وروى البيهقي عن أنس t قال: قال رسول r: «سَبْعٌ تَجْرِي لِلْعَبْدِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَهُوَ فِي قَبْرِهِ: مَنْ عَلَّمَ عِلْمًا، أَوْ أَجْرَى نَهْرًا، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا، أَوْ غَرَسَ نَخْلًا، أَوْ بَنَي مَسْجِدًا، أَوْ وَرَّثَ مُصْحَفًا، أَوْ تَرَكَ وَلَدًا صَالِحًا يَسْتَغْفِرُ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ».
وفي هذا الحديث سوّى r بين إنشاء الأنهر وحفر الآبار وغرس الأشجار وبين بناء المساجد وتعليم العلم وتوريث المصاحف، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدلّ على سعة رحمة الله بعباده وفضله عليهم، أن جعل ثواب تلك الأعمال غير منقطعة بعد موت فاعليها.
ليست دعوة الإسلام الناس للزراعة والفلاحة لأنهما تجرّان النفع للفاعل خاصة بل للمجتمع عامة.
ونقل الطيبي عن محيي السنة: أن رجلًا مرّ بأبي الدرداء وهو يغرس جوزة فقال: أتغرس هذه وأنت شيخ كبير، وهذه لا تطعم إلا في كذا وكذا عامًا؟، فقال: ما عليّ أن يكون لي أجرها ويأكل منها غيري؟.
وإن القرآن يؤكد أن الماء من أهم عناصر الحياة، واليوم لا نتصور استمرار الحياة دونه. قال الله في سورة الأنبياء: «وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ»، [الأنبياء:30]، وقال في سورة النور: «وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ»، [النور:45]، أي: أن أصل جميع الكائنات الحيّة وتراكيبها من الماء، يقول العلماء: إن الماء عنصر أساسي في جسم الإنسان، حيث يشكّل 76% منه. وكذا الحال في سائر الكائنات الحيّة، ولا يتصور وجود النباتات دون الماء. لصناعة 1 كغ من السكر يحتاج إلى 1000 ليتر من الماء العذب، ولإنتاج 1 كغ القمح يحتاج 1500 ليتر من الماء، وكذلك في صناعة المواد الأخرى، وعلى سبيل المثال: لصناعة أو إنتاج 1 كغ من الفولاذ يحتاج إلى 400 ليتر من الماء. ولأجل ذلك يعدّ الماء من أعظم نعم الله في منظور الإسلام، وهو يدعو لعدم إسرافه وتلويثه.
وصَل اهتمام السلف الصالح بالماء إلى درجة حتى أنهم بوّبوا في كتبهم بابًا يتكلم عن هذه المعنى، مثل: (كراهة الإسراف الماء ولو كنت على نهر جار)، واستدلوا لهذا الحكم بحديث النبي r: كَانَ النَّبِيُّ r يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ وَيَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ.
وروى الإمام أحمد في مسنده، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّ النَّبِيَّ r مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَقَالَ: «مَا هَذَا السَّرَفُ يَا سَعْدُ؟» قَالَ: أَفِي الْوُضُوءِ سَرفٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ».
ومن المعلوم أن الوضوء والغسل مما فرض الله على المسلمين، وإذا نهى الباري العباد عن الإسراف فيهما وهما من الفرائض لمن باب أولى أن ينهاهم في غيرهما.
تربية الشباب على حماية البيئة
من أهمّ عوامل تلويث البيئة هي عدم وجود الأعمال التربوية الكافية عند الناس على حمايتها.
ومن المعلوم أن الإسلام أولى اهتمامًا عظيمًا باتجاه هذا الموضوع، نجده في كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
وهذا الموضوع من المواضيع الحسّاسة في الإسلام، حتى الدولة لها تعليمات عديدة تجاه حلّ مشكلة تلوّث البيئة.
وهنالك حجج وبراهين تثبت ما نحن عليه، وقد تقدّم بعض منها فيما سبق. وكما نجد في الكتب الفقهية عن واجبات أصحاب الأنعام نحو الحيوانات. ولا يكفينا مجرد قراءة تلك الواجبات والتعاليم، بل المطلوب هو إخراجها إلى ساحة التطبيق.
لقد سلك الإسلام هذا المسلك في قضية حماية البيئة كما سلكها في غيرها من القضايا ألا وهو تطبيق الإرشادات والعمل بها.
وبالطبع طُبّق هذا المعنى أول ما طبّق في الإسلام. ونستطيع أنْ نقول: أنّ ما يسمونه بـ«كتاب الأحمر للحيوانات» مستمدّ من الإسلام. وعلى سبيل المثال: منَع الإسلام الصيد وقطْع الأشجار والنباتات في أوقات مخصوصة، وأماكن مخصوصة حتى يدرك الإنسان مدى أهمية حماية البيئة من حوله. وعلى سبيل المثال حرّم الإسلام على المحرِم بالحجّ أو العمرة صيد البرّ، وعليه ألا يمدّ يده إلى المخلوقات بالأذى حتى يحلّ، قال تعالى في سورة المائدة: « أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96)»، [المائدة: 96].
توضح الآية الكريمة أن كل محرم بالحج أو العمرة بعد أن لبس لباس الإحرام يحرم عليه قتل الصيد البريّ أو دلالة الصيادين على أماكنه. وكذلك يحرم عليهم الإضرار بالحيوانات وحتى البيضة.
تُعدّ الحرب حالة من حالات الطوارئ لا تخضع لقوانين السِّلم. ومن جملتها قتل النفس، والهدم، وإلى آخر ما هنالك. لذا الإسلام دين السلام والطمأنينة يحاول أن يسدّ كل الأبواب التي تشعل الحرب، إلا عند الضرورة يأذن بمحاربة الأعداء لحماية النفس، ومنع الإفساد في الأرض، ويؤكد لكل مسلم بعدم فقْد إنسانيته وأن لا يقوم بأعمال وحشية عند الحرب.
توجد تعاليم عديدة في هذا المجال. ونورد إحدى هذه التعاليم وهي وصية أبي بكر الصديق t لأحد قادته، روى الإمام مالك في موطأه: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ بَعَثَ جُيُوشًا إِلَى الشَّامِ، قَالَ لِقَائِدِ الْجَيْشِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ: «إِنِّي مُوصِيكَ بِعَشْرٍ: لَا تَقْتُلَنَّ امْرَأَةً، وَلَا صَبِيًّا، وَلَا كَبِيرًا هَرِمًا، وَلَا تَقْطَعَنَّ شَجَرًا مُثْمِرًا، وَلَا تُخَرِّبَنَّ عَامِرًا، وَلَا تَعْقِرَنَّ شَاةً وَلَا بَعِيرًا إِلاَّ لِمَأْكُلَةٍ، وَلَا تَحْرِقَنَّ نَخْلًا، وَلَا تُفَرِّقَنَّهُ، وَلَا تَغْلُلْ، وَلَا تَجْبُنْ».
ألا ترون أن المؤمن يعير اهتمامه نحو حماية البيئة حتى في أوقاته الحرجة التي تهدد إيمانه ومصيره. ولا يحقّ له أبدًا في هذه الحالة عَقْر الحيوانات عبثًا، وقطع الأشجار المثمرة والنباتات.
وهذا كله يدل على الاهتمام البالغ بحماية البيئة في الإسلام، ويحمّل مسؤولية تعليم تلك المبادئ على الكبار، وعليهم أن يعلّموها الأجيال الجديدة، ويكونوا لهم قدوة حسنة في تطبيقها وفقًا لتعاليمه.
وفي الحديث المتفق عليه أن ابْنَ عُمَرَ مرّ بِفِتْيَانٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ نَصَبُوا طَيْرًا وَهُمْ يَرْمُونَهُ، وَقَدْ جَعَلُوا لِصَاحِبِ الطَّيْرِ كُلَّ خَاطِئَةٍ مِنْ نَبْلِهِمْ، فَلَمَّا رَأَوُا ابْنَ عُمَرَ تَفَرَّقُوا، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا، لَعَنَ اللَّهُ مَنْ فَعَلَ هَذَا، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – لَعَنَ مَنِ اتَّخَذَ شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا.
وكثير من الشراح يؤكدون أن ابن عمر رضي الله عنهما كان شديدًا في مثل هذه الحالات.
وختامًا نقول: وأن من الضروري أن يعلم المسلم أن توجيهات وتعاليم الإسلام في حماية البيئة يجب العمل به في كل الأماكن والأزمان.
وعلى كل مسلم أن يعرف تعاليم دينه في هذا المجال حق المعرفة، وأن يطبقها في حياته اليومية.
نسأل الله أن يلهمنا الرشد والصواب في جميع أعمالنا، ومن جملتها حماية البيئة.
والحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
المراجع:
- صحيح البخاري للإمام محمد بن إسماعيل البخاري.
- صحيح مسلم للإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري.
- سنن أبي داود للإمام سليمان بن الأشعث السجستاني.
- سنن النسائي للإمام أحمد بن شعيب النسائي.
- سنن الترمذي للإمام محمد بن عيسى بن سورة الترمذي.
- موطأ مالك للإمام مالك بن أنس الحميري.
- مسند أحمد للإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني.
- سنن البيهقي للإمام أحمد بن الحسين بن علي البيهقي.
-150x150.jpg)