الإسلام والمجتمع
الميثاق الإسلامي للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
يؤمن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بأن الإسلام يقيم المجتمع على أواصر الإخاء والوحدة بين أبنائه، فلا مكان فيه لصراع الأجناس، ولا لصراع الأديان، ولا لصراع الطبقات، ولا لصراع المذاهب، فالناس كلهم أخوة، تجمع بينهم العبودية لله، والبنوة لآدم: «إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد» ([i]).
وقد لاحظنا أن الإسلام يُعنى غاية العناية بالفئات الضعيفة في المجتمعات من العمال والفلاحين والحِرَفيين وصغار الموظفين، الذين لا يلتفت الناس إليهم لضعفهم، ولكن الرسول الكريم نوّه بهم، وأشار إلى أنهم عمدة الإنتاج في السلم، وعُدة النصر في الحرب، كما في الحديث الصحيح: «إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم»([ii]).
وقد كان هؤلاء الضعفاء مضيعين في المجتمعات الجاهلية، فجاء الإسلام يحفظ لهم حقوقهم بالمعروف، من الأجور العادلة، والضمانات الواقية، فمن كُلٍ حَسْبَ طاقته، ولكل حسب عمله وحاجته معا. كما يرعى الإسلام العاجزين عن العمل، أو القادرين الذين لا يجدون عملا، أو الذين لا يجدون تمام كفايتهم من أجر عملهم، من الفقراء والمساكين واليتامى وأبناء السبيل. وقد يفرض لهم الإسلام حقوقا دورية، وغير دورية مثل (الزكاة، وما بعد الزكاة) في أموال الأفراد القادرين، وفي مال الجماعة من الغنائم والفيء وسائر موارد الدولة، حتى يتحقق التكافل المعيشي بين أبناء الأمة، ويأخذ قويها بيد ضعيفها، ويصبّ مليئها على فارغها، ولا تبقى الثروة في أيدي الأغنياء يتداولونها وحدهم بينهم، كما قال تعالى: } ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم{… [الحشر 59/7].
يأخذ المسكين وابن السبيل واليتيم ما يأخذه من هذه الموارد حقا معلوما، وفريضة مقدسة، لا تفضلا من أحد ولا تطوعا، بل تأخذه الدولة المسلمة بواسطة العاملين عليها من أغنيائهم لترده على فقرائهم، فمن لم يؤد هذه الفريضة طوعا أخذت منه كرها، ولو بحد السيف. وقد كانت الدولة الإسلامية أول دولة في التاريخ تشن الحرب من أجل حقوق الفقراء. كما قال الخليفة الأول: (والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه) ([iii]).
كما يعمل الإسلام على تقريب الشُّقة بينهم وبين الأغنياء، فيحد من طغيان الأغنياء، ويرفع من مستوى الفقراء ،ولا يقبل في مجتمعه أن يبيت فرد شبعان وجاره إلى جنبه جائع، ويرى أن الدولة مسؤولة مباشرة عن رعاية هؤلاء، فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته. فهو للأمة بمنزلة الأب للأسرة. وقد قال عليه السلام: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي وعليه دين فعليّ قضاؤه، ومن ترك مالا فلورثته»([iv]).
ويؤمن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بأنّ المجتمعات الصالحة لا تصنعها القوانين مهما كانت عادلة وسامية، إنما تصنعها التربية المستمرّة والتوجيه العميق، ولذلك فإنّ الإسلام يهتم بالتربية والتوجيه، مثل اهتمامه بالقانون والتشريع، بل قبل اهتمامه بالقانون والتشريع، وأساس كل نهضة وتغيير، هو بناء الإنسان ذي الفكر والضمير، ذي الإيمان والخلق، وهذا الإنسان الصالح هو أساس المجتمع الصالح.
والإنسان الصالح هو الإنسان الناجي في سورة العصر: } والعصر. إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر{ [العصر103/1-3] ، فهو إنسان إيجابي يجمع بين الإيمان والعمل، وبين صلاح النفس، وإصلاح الغير، يقبل الوصية من غيره بالحق والصبر، كما يوصي غيره بالحق والصبر. فليس في المسلمين شخص أصغر من أن يوصي، ولا أكبر من أن يوصَى.
ولهذا يرى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وجوب توجيه أبلغ العناية إلى المؤسسات التربوية من دور الحضانة إلى الجامعة، بحيث تعلم الإيمان إلى جوار العلم، والخُلُق بجانب المهارة، وتغرس التقوى التي تزكي الأنفس إلى جوار الثقافة التي تضيء العقول. كما يجب العناية بكل مقومات التربية من المنهج الصالح، والكتاب الصالح، والمعلم الصالح، والإدارة الصالحة، والجو المدرسي المعين على حسن التعلم.
والتربية المطلوبة هي التربية المتكاملة، التي تعمل على تكوين المسلم روحيا، وعقليا، ووجدانيا، وخلقيا، وبدنيا، ولغويا، واجتماعيا، وسياسيا، واقتصاديا، وعسكريا، وجنسيا، وبهذا تتكون الشخصية المسلمة التي يكون خلقها القرآن، وأسوتها محمد عليه الصلاة والسلام.
ومن أهم معالم التربية المنشودة للأجيال المسلمة الالتزام بسلامة العقيدة من الخرافة، ونقاء التوحيد من الشرك، وقوة اليقين بالآخرة، واستقامة الأخلاق، من صدق القول، وإتقان العمل، ورعاية الأمانة والعهد، والعدل والإحسان، والرحمة والرفق، وحب الخير، والحياء والعفاف، والتواضع والعزة، والصدع بالحق، ومعاداة الباطل، والنصيحة في الدين، والجهاد بالنفس والمال في سبيل الله، وتغيير المنكر باليد وباللسان وبالقلب حسب الاستطاعة، ومقاومة الظلم والطغيان، وعدم الركون إلى الظالمين، وإن كان معهم سلطان فرعون، ومال قارون.
كما يجب توجيه الاهتمام إلى المؤسسات الإعلامية مقروءة ومسموعة ومرئية، فهي التي أَضْحَت توجه الأفكار والأذواق والميول، وتقود الرأي العام إلى ما تتبناه، فيجب تنقيتها مما يُجافي العقيدة، أو يلوِّث الفكر، أو ينحرف بالسلوك، وأن يكون توجهها لخدمة الأهداف الكبرى للجماعة، من خلال برامج مدروسة منتقاة، تبتعد عن الإثارة والتضليل، محورها الصدق في الخبر، والرشد في التوجيه، والاعتدال في الترفيه، والالتزام بالقيم، والتكامل والتنسيق بين البرامج والأجهزة بعضها وبعض.
36- مسند أحمد، كتاب مسند الأنصار، باب حديث رجل من أصحاب النبي e، رقم (22391). مرفوعاً عن أبي نضرة وفيه رجل مبهم، وانفرد به أحمد.
37- صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من استعان بالضعفاء، رقم : 2681، عن سعد برواية (هل ترزقون وتنصرون). وسنن الترمذي، كتاب الجهاد عن رسول الله e، باب ما جاء في الاستفتاح بصعاليك المسلمين، رقم الحديث: (1623) بزيادة (أبغوني الضعفاء). وسنن أبي داود، كتاب الجهاد، باب الانتصار برذل الخيل والضعفة، رقم : (2227) عن أبي الدرداء.
38- صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن الرسول، رقم: (6741) عن أبي هريرة. وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، رقم (29) عن أبي هريرة.
39- صحيح مسلم، كتاب الفرائض، عن أبي هريرة .
-150x150.jpg)