النصر بين اليأس والاستعجال
انطلاقا من قوله تعالى:
(حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) [يوسف: 110].
تمهيد:
أتهزأ بالدعاء وتزدريه ** وما تدري بما صنع الدعاء
سهام الليل لا تخطئ ولكن ** لها أمد وللأمد انقضاء
فيمسكها إذا ما شاء ربي ** ويرسلها إذا نفذ القضاء
إن الوضع الذي تمر به أمتنا الإسلامية، وما يعتمل فيه من صراع وتفكك، وكأن بلادنا العربية باتت مختبرا لتجريب الأسلحة المصنعة من قبل الغرب، وشرقنا الأوسط يكتوي بنار التجزئة والحروب المندلعة بناء على نعرات حزبية وأيديولوجيات متناقضة، فحكمها طغاة جلادون، عرفوا بالاستبداد السياسي، ومكنوا لتماسيح الفساد الاقتصادي، وصار عندنا لاجئون بالآلاف والملايين توزعوا على أروبا وأمريكا والعالم العربي ولم يرحب بهم في كثير من البلاد فحالتنا هذه –وأيم الله- يرثى لها من التشظي والاهتراء ولم يسبق لها مثيل، وأمام صيحات من المظلومين والمقهورين والمعذبين في الأرض، متى نصر الله؟ ومتى يسقط الجبابرة فقد طغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد؟
هذا ما حملني على أن أتناول هذه الآية البينة وتحليلها واستخراج الأحكام والحِكَم منها، مع استلهام الدروس والعبر في آخر البحث.
الصورة بإجمال:
تعبر الآية عن حالة من الاحتقان الذي يمر به الرسل مع أقوامهم وما قصروا في دعوتهم وإقامة الحجة عليهم بالأدلة القاطعة والبراهين الساطعة مدعومة بالمعجزات والتحدي مع انتفاء المعارض، وقد يتوعدهم الأنبياء الذين لم يجرب عليهم الكذب حتى في أدنى مراتبه، والصدق مما يجب في حقهم، يتوعدونهم بالعذاب إن لم يستجيبوا لأمر الله وقد يوضع له موعد مسمى، وحين يقترب الموعد ولا يرى الناس عذابا ولا أمارة عليه، ويعدونهم نصرا قريبا، ولما يطول الأمد ولا يرون نصرا، هنالك تبدأ الهواجس والوساوس: متى نصر الله؟ قد يقولها الرسول والذين معه! وينتقل من مجرد وساوس إلى استيئاس ويظن القوم أنهم كذبوا! ويظن الأتباع أنهم كذبوا! وربما يظن الأنبياء الظنونا بتأخر النصر وهي مما يرد من خواطر وحديث النفس والله المستعان!
جاء في ظلال القرآن: "إنها صورة رهيبة، ترسم مبلغ الشدة والكرب والضيق في حياة الرسل، وهم يواجهون الكفر والعمى والإصرار والجحود. وتمر الأيام وهم يدعون فلا يستجيب لهم إلا قليل، وتكر الأعوام والباطل في قوته، وكثرة أهله، والمؤمنون في عدتهم القليلة وقوتهم الضئيلة. إنها ساعات حرجة، والباطل ينتفش ويطغى ويبطش ويغدر. والرسل ينتظرون الوعد فلا يتحقق لهم في هذه الأرض. فتهجس في خواطرهم الهواجس .. تراهم كذبوا؟ ترى نفوسهم كذبتهم في رجاء النصر في هذه الحياة الدنيا؟"[1].
ما تقدير (حَتَّىٰ)؟
والتقدير يعود لأحد أمرين:
- (حتى) ها هنا متعلقة بمحذوف دلّ عليه الكلام من قبل، كأنه قيل: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا) فدعا الرجالُ المرسلون إلى الله واجتهدوا في إنذار قومهم وإنقاذهم من ضريبة الشقاء، وتوعدهم عن الله بأنواع العقوبات إن لم يتبعوهم، وطال عليهم الأمد وتراخى النصر وهم يكذبونهم في إيعاداتهم ويبكتونهم ويستهزئون بهم، وقد صبروا صبرًا تجرعوا فيه العلقم، وطال دعاؤهم وتكذيب قومهم فتراخى نصرهم واستمر ذلك من حالهم وحالهم، (حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ) عن النصر.
- أو إن (حتى) هي غايةٌ لمحذوف دل عليه السياقُ أي: لا يغُرّنهم تماديهم فيما هم فيه من الدعة والرخاء والتكذيب، فإن مَنْ قبلهم قد أُمهلوا وتراخى النصر للرسل وصبروا وطال دعاؤهم حتى أيِسَ الرسل عن النصر عليهم في الدنيا.
دلالات الاستيئاس:
(حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ) بمعنى يئسوا فالسين والتاء للتأكيد، ومثلها (فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ) [يوسف: 34] وكذا (فاسْتَعْصَمَ) [يوسف: 32].
واليأس انقطاع الطمع، لكن صيغة (الاستيئاس) استفعال تدل على المبالغة في اليأس، أي يئسوا من النصر يأسًا عظيمًا.
استيأس الرسل أي من إيمان قومهم، وهي مبالغة في اليأس، يئسوا من قومهم أن يؤمنوا، ويتوبوا إلى ربهم، ويصطلحوا معه، وتبدأ رحلة جديدة بدماء جديدة وبنفَس إيماني جديد!
لما أيست الرسل أن يستجيب لهم قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم، هناك تبدأ حلقات العتمة بعد استحكامها تفرج حتى ينبلج الصبح ويسفر النصر ويتبدد اليأس وينقلب الظن إلى يقين بوعد الله الذي لا يتخلف وربما يتأخر لكن عادة الله أن تجري السنن ولا تحابي أحدا.
دلالات (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا):
اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قَوْلِهِ: (كُذِبُوا)، فَقَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَأَبُو جَعْفَرٍ: كُذِبُوا بِالتَّخْفِيفِ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ تُنْكِرُ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ. وكانت عائشة رضي الله عنها تقرأ بالتثقيل وتنكر التخفيف، كما في الصحيح عن الزهري قال: أخبرني عروة عن عائشة، قالت له وهو يسألها عن قوله: (وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ) مخففة قالت: معاذ الله، لم تكن الرسل تظن ذلك بربها.
وقال الراغب الأصفهاني: "الظن: اسم لما يحصل من أمارة، ومتى قويت أدت إلى العلم، ومتى ضَعُفَت لم تجاوز حد الوهم".
وها أنذا أستعراض الأقوال بإيجاز:
القول الأول: ظن القوم أن الرسل كذبوا عليهم:
أيقن الرسل أنَّ قومهم قد كذَّبوهم، وظن قومهم أنهم قد كذبوهم فيما أخبروا به من أنهم إن لم يؤمنوا سيحل بهم عذاب!
على الرغم من أن الرسل قد حذروهم وأقاموا عليهم الحجة وبينوا لهم أنهم إذا آمنوا ورضخوا لرسالة الأنبياء جاء النصر في طبق من ذهب!
وظن القوم أنهم قد كُذِبوا أي ظنوا أن الرسل قد كَذَبوا عليهم والله المستعان!
ويؤيد هذا أمران:
- قراءة كُذّبوا بالتشديد والتثقيل!
- ثم السياق عن عدم إيمان القوم منها قوله: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ) [يوسف: 106]. وقوله: (وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) [يوسف: 105]. وقوله: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) [يوسف: 103].
القول الثاني: ظن الأتباع أنهم كذبوا بالوعود:
وقيل إن الأمر متعلق بالأتباع للرسل لما طال تعذيبهم ومعاناتهم ولم يحدث نصر ولا عذاب بالطغاة طرأت عليهم شكوك وظنون. ولكنه لم يزل البلاء بالرسل حتى ظنوا أن من معهم من المؤمنين قد كذبوهم.
القول الثالث: ظن الرسول أنهم كذبوا:
وقيل الأمر يعود على الرسل لما طال الأمر دخلهم شيء! وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ معناه ضعف قلوبهم الرُّسُلِ، يَعْنِي: وَظَنَّتِ الرُّسُلُ أَنَّهُمْ قد كَذَبُوا فِيمَا وَعَدُوا مِنَ النَّصْرِ، وَكَانُوا بَشَرًا فَضَعُفُوا وَيَئِسُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أَخْلَفُوا، ثُمَّ تَلَا: (حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ) [البقرة: 214].
وجاء في تفسير السعدي: يخبر تعالى: أنه يرسل الرسل الكرام، فيكذبهم القوم المجرمون اللئام، وأن الله تعالى يمهلهم ليرجعوا إلى الحق، ولا يزال الله يمهلهم حتى إنه تصل الحال إلى غاية الشدة منهم على الرسل.
حتى إن الرسل -على كمال يقينهم، وشدة تصديقهم بوعد الله ووعيده- ربما أنه يخطر بقلوبهم نوع من الإياس، ونوع من ضعف العلم والتصديق، فإذا بلغ الأمر هذه الحال (جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ) وهم الرسل وأتباعهم، (وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) أي: ولا يرد عذابنا، عمن اجترم، وتجرأ على الله (فما لهم من قوة ولا ناصر)[2].
القول الرابع: ظن الرسل أن أتباعهم كذبوهم:
عن عُرْوَة بْن الزُّبَيْرِ: "عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ لَهُ وَهُوَ يَسْأَلُهَا عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ)، قَالَ: قُلْتُ: أَكُذِبُوا أَمْ كُذِّبُوا؟
قَالَتْ عَائِشَةُ: كُذِّبُوا.
قُلْتُ: فَقَدِ اسْتَيْقَنُوا أَنَّ قَوْمَهُمْ كَذَّبُوهُمْ، فَمَا هُوَ بِالظَّنِّ؟
قَالَتْ: أَجَلْ لَعَمْرِي، لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ.
فَقُلْتُ لَهَا: وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا؟
قَالَتْ: مَعَاذَ اللَّهِ! لَمْ تَكُنِ الرُّسُلُ تَظُنُّ ذَلِكَ بِرَبِّهَا.
قُلْتُ: فَمَا هَذِهِ الآيَةُ؟
قَالَتْ: هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ، وَصَدَّقُوهُمْ فَطَالَ عَلَيْهِمُ البَلاَءُ، وَاسْتَأْخَرَ عَنْهُمُ النَّصْرُ، حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ مِمَّنْ كَذَّبَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ، وَظَنَّتِ الرُّسُلُ أَنَّ أَتْبَاعَهُمْ قَدْ كَذَّبُوهُمْ، جَاءَهُمْ نَصْرُ اللَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ"[3].
يستعمل الظن بمعنى اليقين:
وهذا على معنى (ظنوا) أيقنوا؛ وقد ورد استعمال الظن بمعنى اليقين كثيرا في القرآن الكريم لكنه يقين حصل عن أمارات حتى وصلت درجة اليقين لكنه مع ذلك لا يكون كيقين العيان نحو:
- (وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ) [يونس: 22].
- (وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا) [الكهف: 53].
- (وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ) [القصص: 39].
- (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ) [الحشر: 2].
- (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ) [البقرة: 46].
دلالات الظن في الآية الرئيسة:
قد يكون الظن في الآية الرئيسة (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) على غرار قوله: (إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ) [الحج: 52]، والظن لا يراد به دائما الاعتقاد الراجح، كما هو اصطلاح المناطقة والمتكلمين، بحيث إذا جاوز 50%، وأما النازل عن هذه النسبة يسمونه الاعتقاد المرجوح ويسمونه وهمًا أيضا.
هذا وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إيَّاكم والظَّنَّ، فإنَّ الظَّنَّ أكذَبُ الحَديثِ"[4]، وقد قال تعالى: (إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) [يونس :36]. وعليه؛ فإن الاعتقاد المرجوح هو ظن، وهو وهم.
وقد يكون الظن من قبيل حديث النفس المعفو عنه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ تَجاوَزَ لأُمَّتي عن كُلِّ شيءٍ حدَّثتْ به أنفُسَها، ما لم تَكَلَّمْ به، أو تَعمَلْ به"[5].
وقد يكون من باب الوسوسة التي هي محض الإيمان وصريحه؛ كما ثبت في الصحاح: عن أبي هريرة قال: جاء أناسٌ من أصحابِ رسولِ اللهِ إلى النبيِّ فقالوا: يا رسولَ اللهِ إنَّا نجِدُ الشيءَ في أنفسِنا لَيَتعاظَمُ عند أحدِنا أن نتكلمَ به قال وقد وجدتموه قالوا: نعم، قال: "ذلك صريحُ الإيمانِ"[6].
وفي رواية: قالوا: يا رسولَ اللهِ إنَّا نجدُ في أنفسِنا ما لا نحبُّ أن نتكلمَ به وإنَّ لنا ما طلَعَتْ عليه الشمسُ قال قد وجدتم ذلك قالوا نعم قال: "ذاك صريحُ الإيمانِ"[7].
وعن عم عمارة بن أبي الحسن أن الناسَ سألوا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن الوسوسةِ التي يجدُها أحدُهم لأن يسقطَ من عندِ الثريَّا أحبُّ إليه من أن يتكلمَ به. قال: فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "ذاك صريحُ الإيمانِ، إن الشيطانَ يأتِي العبدَ فيما دونَ ذلك فإذا عُصِم منه وقع فيما هنالك"[8].
ونظير هذا: مـا في الصحيح عـن ابن شهاب عـن سعيد بن المسيب وأبي سلمـة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا، لقَدْ كانَ يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ، ولو لَبِثْتُ في السِّجْنِ ما لَبِثَ يُوسُفُ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ، ونَحْنُ أحَقُّ مِن إبْراهِيمَ إذْ قالَ له: (أَوَلَمْ تُؤْمِنْ، قالَ: بَلَى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) [البقرة: 260][9].
وفي رواية صحيحة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم "الشك" قال صلى الله عليه وسلم: "نحن أحَقُّ بالشَّكِّ من إبراهِيمَ، إذْ قال: رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قال أوَلَمْ تُؤْمِنْ قال بَلَى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ويَرحَمُ اللهُ لُوطًا، لَقَدْ كان يَأْوِي إلى رُكنٍ شَدِيدٍ، ولو لَبِثْتُ في السِّجنِ طُولَ ما لَبِثَ يُوسُفَ لَأجبْتُ الدَّاعِيَ"[10].
علمًا أن سيدنا إبراهيم كان مؤمنا؛ لذا قال تعالى: (أَوَلَمْ تُؤْمِنْ، قالَ: بَلَى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) [البقرة: 260]، ولكنه طلب زيادة على الإيمان طمأنينة القلب واستقراره؛ لأن ما بين الإيمان والاطمئنان سماه النبي صلى الله عليه وسلم شكًّا في ذلك لإحياء الموتى؛ كذلك الوعد بالنصر في الدنيا يكون الشخص مؤمنًا بذلك، ولكن قد يضطرب قلبه فلا يطمئن، فيكون فوات الاطمئنان ظنا أنه قد كذب، فالشك مظنة أنه يكون من باب واحد وهذه الأمور لا تقدح في الإيمان الواجب، وإن كان فيها ما هو ذنب فالأنبياء عليهم السلام معصومون من الإقرار على ذلك، كما في أفعالهم على ما عرف من أصول السنة والحديث[11].
دلالات (جَاءَهُمْ نَصْرُنَا):
وهم المؤمنون أتباع الأنبياء وكل من كان ينتظر النصر بشغف وولع، وكان صادقا في جلده وتجرعه مرارة الانتظار من موقع العمل والجهاد والدأب والمسؤولية؛ فقد جاء وعد الله في وقته المسمى، حتى وإن تأخر لكنه لحكمة التمحيص ومزيد من التمحيص لزيادة الأجر والشوق، وهكذا ينبغي أن يتصور المؤمنون حالهم مع رسالات الأنبياء وخاتم النبيين وأشرف المرسلين، ومع ورثة الأنبياء والمصلحين في كل زمان ومكان، فإن النصر قادم وإن تأخر فمن أجل الاستعداد له، والعمل على توفير شروطه وآلياته، والتلبس بقيمه وأخلاقياته، وأن اليأس جاءت الآية كي نحذفه من قاموس السير إلى الله مهما اشتدت الإحن والمحن!
يقول سيد قطب: "والذي ينهض بالدعوة إلى اللّه في المجتمعات الجاهلية -والمجتمعات الجاهلية هي التي تدين لغير اللّه بالطاعة والاتباع في أي زمان أو مكان- يجب أن يوطن نفسه على أنه لا يقوم برحلة مريحة، ولا يقوم بتجارة مادية قريبة الأجل! إنما ينبغي له أن يستيقن أنه يواجه طواغيت يملكون القوة والمال ويملكون استخفاف الجماهير حتى ترى الأسود أبيض والأبيض أسود! ويملكون تأليب هذه الجماهير ذاتها على أصحاب الدعوة إلى اللّه، باستثارة شهواتها وتهديدها بأن أصحاب الدعوة إلى اللّه يريدون حرمانها من هذه الشهوات! .. ويجب أن يستيقنوا أن الدعوة إلى اللّه كثيرة التكاليف، وأن الانضمام إليها في وجه المقاومة الجاهلية كثير التكاليف أيضا. وأنه من ثم لا تنضم إليها – في أول الأمر – الجماهير المستضعفة، إنما تنضم إليها الصفوة المختارة في الجيل كله، التي تؤثر حقيقة هذا الدين على الراحة والسلامة، وعلى كل متاع هذه الحياة الدنيا. وأن عدد هذه الصفوة يكون دائما قليلا جدا.
ولكن اللّه يفتح بينهم وبين قومهم بالحق، بعد جهاد يطول أو يقصر. وعندئذ فقط تدخل الجماهير في دين اللّه أفواجا[12].
النصر ليس رخيصا:
ذلك كي لا يكون النصر رخيصا فتكون الدعوات هزلا. فلو كان النصر رخيصا لقام في كل يوم دعيّ بدعوة لا تكلفه شيئا. أو تكلفه القليل. ودعوات الحق لا يجوز أن تكون عبثا ولا لعبا. فإنما هي قواعد للحياة البشرية ومناهج، ينبغي صيانتها وحراستها من الأدعياء. والأدعياء لا يحتملون تكاليف الدعوة، لذلك يشفقون أن يدّعوها، فإذا ادّعوها عجزوا عن حملها وطرحوها، وتبين الحق من الباطل على محك الشدائد التي لا يصمد لها إلا الواثقون الصادقون الذين لا يتخلون عن دعوة اللّه، ولو ظنوا أن النصر لا يجيئهم في هذه الحياة!
إن الدعوة إلى اللّه ليست تجارة قصيرة الأجل إما أن تربح ربحا معينا محددا في هذه الأرض، وإما أن يتخلى عنها أصحابها إلى تجارة أخرى أقرب ربحا وأيسر حصيلة[13]!
دلالات (فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ):
قَرَأَ الْعَامَّةُ بِنُونَيْنِ، أَيْ: نَحْنُ نُنَجِّي مَنْ نَشَاءُ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَعَاصِمٌ وَيَعْقُوبُ بِنُونٍ وَاحِدَةٍ مَضْمُومَةٍ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْيَاءِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، لِأَنَّهَا مَكْتُوبَةٌ في المصحف بنون واحدة مضمومة، فَيَكُونُ مَحَلُّ مَنْ رَفْعًا عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ، وَعَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُولَى يَكُونُ نَصْبًا، فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ عِنْدَ نُزُولِ الْعَذَابِ، وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ الْمُطِيعُونَ[14].
فبالنونين المخففتين (فَنُنْجِي مَنْ نَشَاء) تأتي بمعنى: فننجي نحنُ من نشاء من رسلنا والمؤمنين بنا، دون الكافرين الذين كَذَّبوا رُسلنا، إذا جاء الرسلَ نصرُنا[15].
إذًا ينطبق الإنقاذ والإنجاء بالأنبياء ومن آمن معهم من الأتباع والأتقياء الأصفياء ممن ساروا على دربهم وانتهجوا منهجهم، وحذوا حذوهم، وقفوا أثرهم، وهي ضريبة الاتباع والصبر. وأما البأس والعذاب وما في معناه من العقوبة فهي لمستحقيها من الذين شقوا طاعة المرسلين والله المستعان!
(وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ):
البأس أصلها الشدة والقوة في الحرب التي تقتل أو تضر من وجهة له إضرارا بليغا، يقال له بأس في الحرب.
أي: ولا يرد عذابنا، عمن اجترم، واقترف كبائر الاثم، وتجرأ على الله علانية بدون خجل ولا حياء فهذا النوع من حثالة البشر المتغطرسين يستحقون العذاب في الدنيا والآخرة، وإذا لم يرد بأس الله عن الواحد منهم: (فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ) [الطارق: 10] أي: (فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ) داخلية يدفع بها عن نفسه (وَلَا نَاصِرٍ) خارجي ينتصر به، فإذا جاء النصر للرسل والأنبياء والمصلحين الصلحاء، فعذاب الله وعقوبته للمجرمين لا مندوحة لهم عنها؛ والمجرمون هم الكافرون والمشركون والظالمون الغاشمون والمستكبرون والمستهزئون بالأنبياء والرسل والذين سولت لهم أنفسهم أن يسيروا على الطريق الآخر غير طريق الأنبياء!
حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله؟
قال الله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) [البقرة: 214].
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى: "(وَزُلْزِلُوا) بأنواع المخاوف من التهديد بالقتل، والنفي، وأخذ الأموال، وقتل الأحبة، وأنواع المضار حتى وصلت بهم الحال، وآل بهم الزلزال، إلى أن استبطأوا نصر الله مع يقينهم به. ولكن لشدة الأمر وضيقه قال (الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ). فلما كان الفرج عند الشدة، وكلما ضاق الأمر اتسع، قال تعالى: (أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) فهكذا كل من قام بالحق فإنه يمتحن. فكلما اشتدت عليه وصعبت، إذا صابر وثابر على ما هو عليه، انقلبت المحنة في حقه منحة، والمشقات راحات، وأعقبه ذلك الانتصار على الأعداء وشفاء ما في قلبه من الداء"[16].
ولسيد قطب لمسات إيمانية رائعة حيث يقول: "ما قرأت هذه الآية أو تلك إلا وشعرت بقشعريرة من تصور الهول الذي يبلغ بالرسول هذا المبلغ، ومن تصور الهول الكامن في هذه الهواجس، والكرب المزلزل الذي يرج نفس الرسول هذه الرجة، وحالته النفسية في مثل هذه اللحظات، وما يحس به من ألم لا يطاق.
في هذه اللحظة التي يستحكم فيها الكرب، ويأخذ فيها الضيق بمخانق الرسل، ولا تبقى ذرة من الطاقة المدخرة .. في هذه اللحظة يجيء النصر كاملا حاسما فاصلا: (جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ)[17].
ولكنكم تستعجلون:
عن خباب بن الأرت قال: "شَكَوْنا إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو متَوَسِّدٌ بُردَةً في ظِلِّ الكعبَةِ، فقُلْنا: ألا تَستنْصِرُ لَنا اللهَ عزَّ وجلَّ -أو ألَا، يعني: تستَنْصِرُ لنا-؟ فقالَ: قدْ كانَ الرَّجُلُ فيمَن كان قبلَكُمْ يُؤخَذُ فيُحفَرُ له في الأرضِ، فيُجاءُ بالمِنشارِ، فيُوضَعُ على رأْسِهِ، فيُجعَلُ بنصفَينِ، فما يَصُدُّه ذلك عن دِينِه، ويُمْشَطُ بأمْشاطِ الحديدِ، ما دونَ عَظمِه من لَحمٍ، أو عَصَبٍ، فما يصُدُّهُ ذلك عن دِينِه، واللهِ ليُتِمَّنَّ اللهُ هذا الأمرَ، حتى يسيرَ الرَّاكِبُ من المدينةِ إلى حضْرَمَوتَ، لا يَخافُ إلا اللهَ عزَّ وجلَّ، والذِّئْبَ على غنَمِهِ، ولكنَّكُم تستَعجِلونَ"[18].
يقول سيد قطب: "تلك سنة اللّه في الدعوات. لا بد من الشدائد، ولا بد من الكروب، حتى لا تبقى بقية من جهد ولا بقية من طاقة. ثم يجيء النصر بعد اليأس من كل أسبابه الظاهرة التي يتعلق بها الناس. يجيء النصر من عند اللّه، فينجو الذين يستحقون النجاة، ينجون من الهلاك الذي يأخذ المكذبين، وينجون من البطش والعسف الذي يسلطه عليهم المتجبرون. ويحل بأس اللّه بالمجرمين، مدمرا ماحقا لا يقفون له، ولا يصده عنهم ولي ولا نصير"[19].
الفرج عند أحلك الأوقات:
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: "قول الله تعالى: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا). يخبر تعالى أن نصره ينزل على رسله، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، عند ضيق الحال وانتظار الفرج من الله تعالى في أحوج الأوقات إلى ذلك"[20].
عن الحسَنِ في قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: (إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) [الشرح: 6]، قال: خرَج النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مسرورًا فَرِحًا وهو يقولُ: "لن يَغلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ؛ إنَّ مع العُسْرِ يُسْرًا، إنَّ مع العُسْرِ يُسْرًا"[21].
عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "واعلَمْ أنَّ في الصَّبرِ على ما تَكرَهُ خَيرًا كَثيرًا، وأنَّ النَّصرَ مع الصَّبرِ، وأنَّ الفَرَجَ مع الكَرْبِ، وأنَّ مع العُسرِ يُسرًا"[22].
ولله در الإمام الشافعي في قوله:
ولرب نازلةٍ يضيق بها الفتى ** ذرعًا وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها ** فُرجت وكنت أظنها لا تفرج
قال أبو الفضل ابن النحوي:
اشتَدَّي أزمَةُ تَنفَرِجي *** قَد آذَنَ لَيلُكِ بِالبَلَجِ
وَظَلامُ اللَّيلِ لَهُ سُرُجٌ *** حَتّى يَغشَاهُ أبُو السُرُجِ
وَسَحَابُ الخَيرِ لَهَا مَطَرٌ *** فَإِذَا جَاءَ الإِبّانُ تَجي
ولله در القائل:
إذا اشتملت على اليأس القلوب ** وضاق بما به الصدر الرحيب
وأوطأت المكاره واطمــأنت ** وأرست في أماكنها الخطوب
ولم تر لانكشاف الضر وجها ** ولا أغنى بحيلته الأريــب
أتاك على قنوط منك غـوثٌ ** يمن به اللطيـف المستجيب
وكل الحادثات إذا تنــاهت ** فموصول بها الفرج قريـب
اليأس من أكبر الكبائر:
الواجب على المسلم أن يرجو رحمة الله تعالى ويطمع فيها ومن ذلك إجابة الدعاء؛ ولا يجوز أن ييأس ويقنط منها؛ فاليأس من رحمة الله تعالى هو من صفات أهل الكفر؛ كما في قول الله تعالى: (إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) [يوسف: 87]. وقال الله تعالى: [قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ] [الحجر: 56].
ولذا عدّ اليأس والقنوط من كبائر الذنوب؛ عن فَضَالَة بْن عُبَيْدٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "وَثَلَاثَةٌ لَا تَسْأَلْ عَنْهُمْ: رَجُلٌ نَازَعَ اللهَ رِدَاءَهُ، فَإِنَّ رِدَاءَهُ الْكِبْرِيَاءُ وَإِزَارَهُ الْعِزَّةُ، وَرَجُلٌ شَكَّ فِي أَمْرِ اللهِ، وَالْقَنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ"[23].
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ قَالَ: "أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ: الْإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللهِ، وَالْقَنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ"[24].
اليأس سبب لعدم إجابة الدعاء:
اليأس سبب في عدم إجابة الدعاء؛ لأن المطلوب الرجاء والطمع في رحمة الله وفضله، والصبر واليقين بأن الله يجيب دعوته؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي"[25].
قال الله تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) [الأعراف: 55 – 56].
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى: "(وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا) أي: خوفا من عقابه، وطمعا في ثوابه، طمعا في قبولها، وخوفا من ردها، لا دعاء عبد مدل على ربه قد أعجبته نفسه، ونزل نفسه فوق منزلته، أو دعاء من هو غافل لاهٍ"[26].
ما الحكمة من تأخير النصر؟
إن كتاب الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلقه، قد أنبأنا عن تأخير النصر بعد أن استيأس الرسل وظنوا أنهم كذبوا، وأن هذا لا يجري عبثا، بل على حكمة ربانية، ولطف الخالق مجري السنن؛ ومن تلكم الفوائد والأسرار:
- يسير النصر وفق سنن الله في الخلق ولا سيما سنة الابتلاء؛ لأنه –النصر- يولد من معاناة وصبر وجلد وأخذ بالأسباب؛ وفي ذلك تَذكير لأهل الإيمان بسنَّة الله عز وجل في الأمم الماضية التي تكبدت من البأساء والضرَّاء واللأواء والمعاناة ما وطأ لها النصر وجاءت العاقبة بالنصر والتمكين لا من فراغ وخمول.
- رسالة الله إلى الإنسانية بأن نصر الله مقصد سام ونبيل دونه وسائل وشروط ينبغي توافرها، مع الأخذ بالأسباب الشرعية والكونية، وحسن التوكل على الله سبحانه، وأن ذلك كاف لاستمطار النصر والتمكين، وأن تعطيل الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يضعف فرص النصر كما هي عادة الله مع الأمم والشعوب!
- في تأخير النصر اختبار بليغ للمؤمنين حتى لا ييأسوا من مدد الله في الوقت المناسب حتى وإن طال أمده! فالعهد بأهل الإيمان الرسوخ والثبات؛ والأخذ بالأسباب المادية والمعنوية، وجرت سنة الله أن عليهم ينزل نصر الله عز وجل عاجلا أم آجلا.
- وفيه إظهار للمنافقين القائمين على الاستعجال وجني الثمرة الدنيوية؛ إذ لو كان الطريق إلى النصر سهلًا؛ لسلكته البشرية قاطبة بدون معاناة، لكن الله سبحانه أرسى هذه السنة من تأخير النَّصر؛ من أجل التمحيص والتمييز بين الخبيث والطيب؛ (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) [الأنفال: 37].
- كما أن في تأخير النَّصر ترويضًا للنَّفس وكسرا لشموخها، وكبحًا لجماحها؛ حتى لا يتطرَّق الكبرياء والغطرسة إلى نفوس أهل الإيمان، وحتى تظل قلوبهم على اتصال دائم بربهم، دون فتور أو انقطاع سائلين إياه النصرَ والتمكين والظفر على الأعداء.
الانتصار الداخلي قبل الخارجي:
"فالنفس لا تنتصر في المعركة الحربية إلا حين تنتصر في المعارك الشعورية والأخلاقية والنظامية…كما أنه لا قيمة ولا وزن في نظر الإسلام للانتصار العسكري أو السياسي أو الاقتصادي، ما لم يقم هذا كله على أساس المنهج الرباني في الانتصار على النفس، والغَلَبَة على الهوى، والفوز على الشهوة، وتقرير الحق الذي أراده الله في حياة الناس؛ ليكون كلُّ نصر نصرًا لله ولمنهج الله، وليكون كل جهد في سبيل الله ومنهج الله؛ وإلا فهي جاهلية تنتصر على جاهلية"[27].
عوائق النصر:
أخرج ابن ماجه بسنده إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل علينا بوجهه، فقال: "يا معشر المهاجرين، خمسُ خصالٍ أعوذ بالله أن تدركوهنَّ:
- ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوا بها؛ إلا ابتلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا!
- ولا نَقَص قومٌ المكيالَ؛ إلا ابتلوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان!
- ولا خَفَر قومٌ العهد؛ إلا سلط الله عليهم عدوّاً من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم!
- وما لم تحكم أئمتهم بما أنزل الله في كتابه؛ إلا جعل الله بأسهم بينهم"[28].
والعوائق كثيرة داخلية تعود علينا في أنفسنا وقونا وخارجية منفكة ترجع للعدو والاحتلال والصهاينة والمنافقين ومن أبرز تلكم العوائق:
- إقصاء الشريعة عن مسرح الحياة وتخلف أحكام القرآن والسنة النبوية المطهرة.
- تفاقم واقع التجزئة وتشظي الوضع الداخلي وتفكك أوصال الجبهة الداخلية.
- استحواذ الترف والترفيه والاستهتار بالقيم والأخلاق والتحلل منها.
- تفشي الطبقية وتفاحشها وهيمنة العنصرية وظهور الطائفية والحزبية المقيتة.
- الاستبداد السياسي وغلبة النظام الدكتاتوري أو الحاكم الوحيد الأوحد.
- الفساد المالي وتكوثر تماسيح الفساد وعمل أشباح الدول العميقة.
- ضعف التعليم واهتراء مناهجه وعدم تماسكها واختلال أولوياتها.
- اختلال مراتب الأعمال واهتزاز فقه الأولويات.
- الاستلاب الفكري والاختراق الثقافي والتغريب الحضاري ونبذ الهوية الإسلامية.
- التفكك الأسري وظلم المرأة وإهمال الطفل وترهل التربية.
- تضييع فروض الكفاية وتهوين مطالبها على مستوى العالم والعصر.
- التطرف المذهبي الأيديولوجي المظلم، وغياب الوسطية الساطعة.
- إهمال السنن في الخلق والأفراد والدول وعدم تسخيرها على الوجه الصحيح.
من أسباب تأخر النصر:
- أن النصر قد يبطئ؛ لأن بنية الأمة لم تنضج بعدُ نضجها، ولم تستكمل قوتها واستعدادها.
- وقد يبطئ حتى تبذل الأمة المؤمنة آخر ما في طوقها من قوة، وآخر ما تملكه من رصيد، فلا تستبقي عزيزًا ولا غاليًا إلا وتبذله رخيصًا في سبيل الله.
- وقد يبطئ حتى تجرِّب الأمة المؤمنة آخر قواها، فتدرك أن هذه القوى وحدها -بدون سند من الله- لا تكفل النصر.
- وقد يبطئ لأن البيئة لا تصلح بعدُ لاستقبال الحق والخير والعدل، فلو انتصرت حينئذ للقيت معارضةً من البيئة، لا يستقر معها قرارٌ.
- وقد يبطئ لتُزيد الأمة المؤمنة صلتها بالله، فتعلم يقينًا أنه لا ملجأ ولا منجا منه سبحانه إلا إليه.
- وقد يبطئ لأن الأمة المؤمنة لم تتجرَّد بعدُ في كفاحها وتضحياتها لله ولدعوته، فهي تقاتل لمغنم تحققِّه، أو حميَّة لذاتها، أو شجاعة، والله يريد أن يكون الجهاد له وحده وفي سبيله.
- وقد يبطئ لأنَّ في الشرِّ الذي تكافحه الأمة المؤمنة بقية من خير، يريد الله أن يجرِّد الشرَّ منها؛ ليتمحض خالصًا.
- وقد يبطئ لأنَّ الباطل الذي تحاربه الأمة المؤمنة لم ينكشف زيفه للناس تمامًا، فلو غلبه المؤمنون؛ فقد يجد له أنصارًا من المخدوعين فيه، فيشاء الله أن يبقى الباطل حتى يتكشَّف عارياً للناس، ويذهب غير مأسوف عليه من ذي بقية[29].
النصر المنشود:
حين كانت الأمة مستوفية شروط النصر حكمت الدنيا قرونا وخاطب هارون الرشيد سحابة رآها تجري فقال: "أمطري حيث شئتِ فسيأتيني خراجك" وقد أنشد الشعراء قصائدهم ومنها:
ملكنـا هـذه الدنـيا قـرونا ** وأخضعها جدودٌ خالدونــا
وسـطَّرنا صحائـف من ضيـاء ** فما نسي الزمان ولا نسينـا
حمَلناهــا سـيوفـا لامعـاتٍ ** غـداةُ الروع تأبى أن تلينـا
إذا خرجـت من الأغمـاد يوما ** رأيت الهول والفتح المبينــا
وكنـا حيـن يـأخذنـا ولـيٌّ ** بطغيان ندوس لـه الجبينـا
وكنـا حيـن يرمينـا أنــاس ** نؤدبهـم أُباةً صـابـريـنا
وما فتـئ الزمـان يـدور حتى ** مضى بالمجد قوم آخـرونـا
وأصبح لا يُرى في الركب قومي ** وقـد عاشـوا أئمته سنينا
مبشرات من القرآن الكريم:
إننا في الزمن الصعب والمرحلة العصيبة نحتاج إلى الأمل والفأل الحسن، ونحتاج إلى أن نزرع في أمتنا المبشرات عوض التيئيس والنذر والوعيد والاكتئاب:
- قوله تعالى: }يُرِيدُونَ أَن يُطۡفُِٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَيَأۡبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٣٢ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ ٣٣{ [التوبة: 32- 33].
- وقوله تعالى: }يُرِيدُونَ لِيُطۡفُِٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٨ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ ٩{ [الصف: 8- 9].
- وقوله تعالى: }هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدٗا ٢٨{ [الفتح: 28].
- وقوله تعالى: }وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٥٥{ [النور: 55].
مبشرات من السنة النبوية:
والسنة النبوية عند استقرائها فهي حافلة بالأمل والتبشير بمستقبل الإسلام؛ وهذه بعض تلكم المبشرات التي عليها المعول في كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام
- عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ وَذُلًّا يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ"[30].
- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ فَيَقْتُلُهُمْ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوْ الشَّجَرُ يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ إِلَّا الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ"[31].
- عن أبي قبيل قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص وسئل: أي المدينتين تفتح أولا: القسطنطينية أو رومية؟ فدعا عبد الله بصندوق حلق، قال: فأخرج منه كتابا، قال: فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله r نكتب، إذ سئل رسول الله r: أي المدينتين تفتح أولا قسطنطينية أو رومية؟ فقال: "مدينة هرقل تفتح أولا!"([32]).
- عن ثوبان قال: قال رسول الله r: "إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها، وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض.." ([33]).
- عن أبي هريرة عن رسول الله r قال: "لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجا وأنهارا" وزاد أحمد في روايته: "وحتى يسير الراكب بين العراق ومكة لا يخاف إلا ضلال الطريق"([34]).
- عن معاوية عن النبي r قال: "لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس"([35]).
- عن أبي هريرة قال r: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها"([36]).
لماذا المبشرات بانتصار الإسلام؟
لقد كتب الشيخ يوسف القرضاوي كتاب: "المبشرات بانتصار الإسلام"، وأورد فيه مسوغات التأليف فقال حفظه الله تعالى:
- هو مطلوب لأننا مأمورون بصفة عامة أن نبشر ولا نفر، كما نحن مأمورون أن نيسر ولا نعسر؛ لقوله r لمعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري حينما بعثهما إلى اليمن: "يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا"[37].
- وهو مطلوب لأن المسلمين عامة –والعاملين للإسلام خاصة- يمرون بمرحلة عصيبة من مراحل تاريخهم المعاصر، وتكاد تغلب في هذه المرحلة عوامل اليأس، ومشاعر الإحباط.
- وهو مطلوب لأن القوى المعادية للإسلام تريد أن تعلن –بل وقد أعلنت- على الإسلاميين حربا نفسية، تيئسهم من الأمل في غد أفضل، والرجاء في مستقبل مشرق.
- وهو مطلوب كذلك لأن كثيرا من المتدينين يشيع بينهم فكر مغلوط عن آخر الزمان وبعبارة أخرى عن مستقبل الأمة وهو مستقبل أقرب إلى السواد إن لم يكن أسود حالكا؛ نتيجة أفهام غير سليمة لبعض أحاديث الملاحم وأشراط الساعة([38]).
هل نتّكل على المبشرات دون عمل؟
إن المبشرات بمستقبل الإسلام لا ينبغي لنا أن نتكل عليها، وننام على آذاننا، ونخلد إلى الدعة والكسل، وننتظر نصر الله ينزل علينا دون جهد نبذله، وجهاد نمارسه، وعمل دؤوب نقوم به في جوانب حياتنا كلها، نقوم ما اعوج منها، ونصلح ما فسد، ونبني ما تهدم، ونقوي ما ضعف، ونكمل ما نقص، بروح المجددين، لا بعقلية المقلدين، نستلهم تراثنا، ونجعله منارا يهدينا، لا قيدا يثقل حركتنا، ويعوق انطلاقنا([39]).
مقومات جيل النصر المنشود:
"جيل النصر المنشود" عنوان كتاب لشيخنا الهمام يوسف القرضاوي مد الله في عمره ضمّنه بقلمه المتدفق جملة من المقومات التي يرجو تحلي الجيل المسلم القادم بها بكل عز وافتخار؛ وهي على وجه الإجمال([40]):
- جيل يؤمن بالواقعية والعلمية؛ حيث إنه يتجاوز العشوائية والغوغائية ويحتكم إلى الحقائق لا إلى الأوهام.. كبير الآمال لكنه واقعي لا يسبح في البر ولا يحرث في البحر ولا يبذر في الصخر ولا ينسج من الخيال، لا يستعجل الأشياء قبل إبانها، يراعي قوانين الله في كونه.
- جيل عمل وبناء جماعي؛ لا يقف أبناؤه عند التغني بأمجاد الماضي ولا عند النواح على هزائم الحاضر، ولا عند التمني لانتصارات المستقبل، وإنما يؤمن بأن المجد بالعطاء لا بالمفاخرة، وبالإنتاج لا بالثرثرة وأن الفتى من يقول ها أنا ذا وليس الفتى من يقول كان أبي.
- جيل ربانية وإخلاص؛ من الذين يعيشون في الدنيا بقلوب أهل الآخرة، يعيشون فوق الأرض بقلوب تهفو إلى عرش الله حيث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
- جيل نسبه الإسلام؛ هويتهم أنهم مسلمون لا باللقب ولا الاسم ولا بالوراثة أو البيئة بل بالدراسة والبرهان والتذوق والتخلق.
- جيل دعوة وجهاد؛ يجاهدون في سبيل الله في كل معركة تطلبهم فهم ورثة الصحابة والسلف الصالح وعلى هديهم يسيرون.
- غرباء لكن يعايشون الناس؛ بالروح المتدفق، والاتجاه المتميز، والجهاد المتواصل عاشوا غرباء وإن كانوا في أوطانهم بل جسدوا الصحوة ومثلوا الصفوة وكانوا القدوة.
- جيل قوة وعزة؛ هم أقوياء على الرغم من غربتهم وأعزاء لم يوحشهم قلة السالكين ولم يوهنهم كثرة الهالكين في أنوفهم شمم، وفي قلوبهم إباء، وفي نفوسهم ترفع واعتداد كأنهم الجبال شموخا ورسوا أو النجوم سناء وعلوا.
- جيل توازن واعتدال؛ وهم مع صلابتهم وجهادهم وغيرتهم متوازنون معتدلون على صراط مستقيم لا يميلون إلى اليمين ولا إلى الشمال، لا يَغرقون في الماديات لا يُغرقون في الروحانيات.
- أوّابون توابون؛ إنهم يحذرون على أنفسهم من معصية الله أكثر مما يحذرون من أعداء الله وأعدائهم فهم يسألون الله دائما أن يكفيهم بحلاله عن حرامه وبطاعته عن معصيته.
الدروس والعبر:
- في القرآن الكريم من قصص المرسلين التي سيقت للعبرة لا التسلية؛ ولهذا قال سبحانه: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ) [يوسف: 111].
- كما أن فيها تثبيتا للقلوب وتنفيسا للمكروبين؛ قال سبحانه: (وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) [هود: 120].
- ومن ذلكم الاعتبار غزارة صبرهم على ما كذبوا وأوذوا، تماما كما قال تعالى: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا) [الأنعام: 43]. وقال: (مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ) [فصلت: 34] وقال: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ) [الأحقاف :35].
- لا معنى لليأس في حياة الدعاة والمؤمنين؛ لقوله تعالى: (وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) [يوسف:87]
- إن النصر الموعود قادم لا محالة؛ وينبغي أن نوطئ له الأكناف ونحقق شروطه؛ قال تعالى: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) [غافر:51]، وقوله: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ) [الصافات: [171- 172]. وقال: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ) [الروم: 60] وقال سبحانه: (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) [الروم: 47].
- إن الله ينزل موعوده بالنصر عند ضيق الحال وانتظار الفرج من الله تعالى حتى في أحوج الأوقات وأعسرها، كما في قوله تعالى: (وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) [البقرة: 214].
- إن الابتلاء سنة الله التي مضت في الأولين لم ينفك عنها أحد وكذلك تجري على أمة الإسلام؛ قال تعالى: (إن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) [آل عمران: 140].
- إن في سنة الابتلاء والتمحيص جسرًا في التمييز بين الصادق والمنافق، حيث جوت سنة الله التمييز بين الدرِّ الثمين والخرز الخسيس، كما في قوله تعالى: (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) [آل عمران: 179]، وقوله تعالى: (وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) [آل عمران: 154].
- إن سنة الابتلاء تفضي إلى التمحيص وكلاهما يفضيان إلى النصر والتمكين، إذ هي سلسلة بعضها آخذ برقاب بعض؛ فعندما سُئل الإمام الشافعي رحمه الله: "أيما أفضل للرجل: أن يمكَّن أو يُبتلى؟ فقال: لا يمكَّن حتى يُبتلى"[41].
- إن الحديث عن النصر ينبغي أن يبدأ من أنفسنا؛ قال تعالى: (إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) [الرعد: 11]، وقال سبحانه: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [الأنفال: 53]:
- أن نغرس بذور النصر في أنفسنا؛ لأن الله تعالى قال: (إن تنصروا الله ينصركم) أي أن نصر الله يأتي بعد تحقيقنا لشروط النصر، "أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم على أرضكم". وقال سبحانه: (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) [الحج: 40].
- إن عدم توافر شروط النصر وإهمالها والتغاضي عنها والتولي والإعراض ينتهي لاستبدال القوم بآخرين كما أكده رب العزة في قوله: (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) [محمد: 38]، ويقول تعالى: (إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ) [التوبة: 39].
- الإبصار في الدعوة إلى الله مع الجماعة المسلمة المتماسكة؛ لقوله تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) [يوسف: 108]. وعدم المبالاة بالمخالفين وإهدار الوقت معهم طالما أخذنا الطريق الصحيح.
- توحيد صفوف أهل السنة، ونبذ الفرقة والتنازع والتفرُّق؛ قال تعالى: (وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) [المؤمنون: 52]، وقوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) [آل عمران: 103].
- توطين النفس على الصبر على البلاء، وسياسة النَّفَس الطويل، وفهم السنن الحاكمة في الكون الجارية على الأفراد والمجتمعات، وتسخيرها على الوجه الصحيح في تقويم العوج الحضاري، ورسم الخطى المنهجية المتحضرة في أفث نهضة شاملة وراشدة.
- الحذر من الوهن الحضاري والاعتماد على الكثرة المخدوعة لا على النوع البشري المتميز؛ قال تعالى: (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ) [التوبة: 25].
- إذا تأخر النصر عن المؤمنين وكادوا ييأسون يأتيهم الفرج ولو بعد حين وينتشون بجهدهم وجهادهم وصبرهم وجلَدهم، وفي الوقت ذات من كانوا يفرحون بوضعهم المزري وعدم تحقق الوعيد فيهم لن تفلتهم العقوبة والعذاب في الدنيا والآخرة وهذه سنة الله في الخلق لا تحابي أحدا.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين.
وكتبه أبو نوفل حسن يشو –لطف الله به وبكم-
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
أستاذ الفقه: أصوله ومقاصده/ كلية الشريعة
جامعة قطر
[1] انظر في ظلال القرآن عند تفسير الآية.
[2] انظر تفسير السعدي.
[3] أخرجه البخاري برقم (4695).
[4] أخرجه البخاري برقم (6066)، ومسلم برقم (2563)، وأبو داود برقم (4917)، والترمذي برقم (1988)، وأحمد برقم (10078).
[5] أخرجه البخاري برقم (5269)، ومسلم برقم (127)، وأبو داود برقم (2209)، والترمذي برقم (1183)، والنسائي برقم (3433)، وابن ماجه برقم (2040)، وأحمد برقم (10363).
[6] أخرجه مسلم برقم (132)، وأبو داود برقم (5111)، وأحمد برقم (9145)، والنسائي في السنن الكبرى برقم (10500)، وابن أبي عاصم في السنة برقم (654).
[7] أخرجه البخاري في الأدب المفرد برقم (1284)، وابن أبي عاصم في السنة برقم (662)، والبزار برقم (7955)، وأبو يعلى برقم (5923).
[8] مجمع الزوائد للهيثمي: 1/ 39.
[9] أخرجه البخاري برقم (4694)، ومسلم برقم (151).
[10] أخرجه البخاري برقم (4537)، ومسلم برقم (151)، وابن ماجه برقم (4026)، وأحمد برقم (8328، 8329).
[11] انظر: http://iswy.co/e3t61
[12] في ظلال القرآن.
[13] في ظلال القرآن.
[14] انظر تفسير البغوي.
[15] واعتلّ الذين قرأوا ذلك كذلك، أنه إنما كتب في المصحف بنون واحدة، وحكمه أن يكون بنونين؛ لأن إحدى النونين حرف من أصل الكلمة، من: "أنجى ينجي"، والأخرى "النون" التي تأتي لمعنى الدلالة على الاستقبال، من فعل جماعةٍ مخبرةٍ عن أنفسها، لأنهما حرفان، أعني النونين، من جنس واحدٍ يخفى الثاني منهما عن الإظهار في الكلام، فحذفت من الخط، واجتزئ بالمثبتة من المحذوفة، كما يفعل ذلك في الحرفين اللذين يُدْغم أحدهما في صاحبه. وقرأ ذلك بعض الكوفيين على هذا المعنى، غير أنه أدغم النون الثانية وشدّد الجيم.. قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا، قراءة من قرأه: (فَنُنْجِي مَنْ نَشَاءُ) بنونين؛ لأن ذلك هو القراءة التي عليها القرأة في الأمصار، وما خالفه ممن قرأ ذلك ببعض الوجوه التي ذكرناها، فمنفرد بقراءته عما عليه الحجة مجمعة من القرأة. وغير جائز خلاف ما كان مستفيضًا بالقراءة في قرأة الأمصار. انظر تفسير الطبري.
[16] انظر تفسير السعدي: 96.
[17] في ظلال القرآن.
[18] أخرجه البخاري برقم (3612)، وأبو داود برقم (2649)، والنسائي في السنن الكبرى برقم (5893)، وأحمد برقم (27217).
[19] في ظلال القرآن.
[20] تفسير ابن كثير: 4/ 424.
[21] أخرجه عبد الرزاق في التفسير برقم (3643)، والحاكم برقم (3950)، والبيهقي في شعب الإيمان برقم (10013).
[22] أخرجه الترمذي برقم (2516)، وأحمد برقم (2803).
[23] أخرجه الإمام أحمد: 39/ 368، وصححه محققو المسند، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة: 2/ 81.
[24] أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير: 9/ 171، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة: 5/ 79.
[25] أخرجه البخاري برقم (6340)، ومسلم برقم (2735).
[26] انظر تفسير السعدي: 292.
[27] في ظلال القرآن: 1/ 459.
[28] أخرجه ابن ماجه في كتاب الفتن، برقم (4019)، والحاكم في "المستدرك"، وقال: صحيح. الإسناد، ووافقه الذهبي: 4/ 540، وأورده الألباني في السلسلة الصحيحة: 1/ 167.
[29] انظر طريق الدعوة في ظلال القرآن، أحمد فائز: 359.
[30] أخرجه أحمد برقم (16957)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار برقم (6155)، والطبراني برقم (1280).
[31] أخرجه من طرق مسلم برقم (1922)، وأحمد برقم (20859)، وأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند برقم (20933).
([32]) أخرجه أحمد في مسنده برقم (6645)، وقال الشيخ شاكر: إسناده صحيح، وأورده الهيتمي في المجمع: 6/ 219، وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير أبي قبيل، وهو ثقة، وذكره الألباني في سلسلته الصحيحة برقم (4).
([33]) أخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة برقم (2889)، وأبو داود برقم (4252)، والترمذي برقم (2203)، وابن ماجه برقم (3952).
([34]) أخرجه مسلم في كتاب الزكاة برقم (60) (1012)، وأحمد: 2/ 370- 371.
([35]) أخرجه أحمد والشيخان انظر صحيح الجماع برقم (7290).
([36]) رواه أبو داود في الملاحم برقم (4291)، والطبراني في الأوسط برقم (6537)، والحاكم في الفتن والملاحم برقم (8592)، وسكت عنه ولكن نقل تصحيحه المناوي في فيض القدير برقم (1845)، فلعله سقط من المطبوع، وسكت عنه الذهبي، والبيهقي في معرفة السنن والآثار: 1/ 208، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم (1874).
[37] أخرجه البخاري برقم (3038) و(7172)، ومسلم برقم (1733).
([38]) المبشرات بانتصار الإسلام: 5- 7 (بتصرف).
([39]) المبشرات بانتصار الإسلام، ليوسف القرضاوي: 101.
([40]) جيل النصر المنشود، للقرضاوي: 26 وما بعدها (بتصرف).
[41] الفوائد لابن القيم: 227.
-150x150.jpg)