الإشكالية في الواقع
الواقع في هذه المسألة أليم، فبالرغم من أهمية المسجد القصوى لكل مسلم في بلاد الأكثريات والأقليات كما ذكرنا، إلا أننا نجد أن المرأة في نسبة كبيرة من مساجد المسلمين في الشرق والغرب ليس لها مكان في المسجد أصلاً، خاصة في بلاد الأقليات المسلمة، وهو عجيب!
وإذا فكرت مسلمة – فضلاً عن غير المسلمة – في دخول كثير من المساجد في لندن أو جوهانسبرغ أو دلهي أو غيرها من العواصم الكبيرة فإنها تجد على الباب من الرجال من ينهرها عن دخول المسجد، أو تواجه بلافتة واضحة على باب المسجد مكتوب عليها: ممنوع على النساء، أو: لا مكان للنساء – كما رأيت بنفسي وللعجب الشديد!
وزاد الطين بله أن المحطات الفضائية التي يشاهدها الجميع في بريطانيا (بي بي سي ٤ مؤخراً) وفي أمريكا (أي بي سي مؤخراً) وفي غيرهما – تخرج على الناس بين الحين والآخر بتحقيقات مصورة عن منع النساء من مساجد المسلمين وسوء معاملة من تحاول الدخول إليها، مما يضر بطبيعة الحال بدعوة الإسلام ضرراً بليغاً ويصم دين الله تعالى بما ليس فيه من أفعال المسلمين أنفسهم.
وإذا كان الحكم على الشيء فرع من تصوره فهناك من يتصور المسألة بشكل مختلف تماماً، مفاده أن المسلمين يتعرضون للفتن والمؤامرات، وأنه لابد من عودة الرجال إلى المسجد وتمسكهم به وإعانتهم على ذلك بمنع النساء من المساجد أو عزلهم فيها في أضيق نطاق، وذلك حتى يتجنب الرجال الفتنة ويتفرغوا للعبادة وعمل الخير.
والحق أن هذا التصور بعيد عن واقع المسلمين وواقع غيرهم كذلك، ويصدر عن عدم وعي بحق المرأة الأصيل في بيت الله كحق الرجل، وأهمية الدور الذي يمكنها أن تقوم به لدينها ومجتمعها الإسلامي والدعوة الإسلامية في المسجد، بل وخطورة غياب ذلك الدور على الدين والدنيا.
والمسألة عندي لا تحتاج إلى استدلال في الحقيقة لأن المساجد هي بيوت الله وهو رب الرجال والنساء. وليس يصحُّ في الأذهان شيءٌ *** إذا احتاج النهارُ إلى دليل
ولكن الاستدلال التالي هو من باب التفصيل في النصيحة والحجاج لصالح المرأة المسلمة وبهدف القضاء على هذه الظاهرة الخطيرة والبدعة المقيتة.
أدلة القرآن على إعمار النساء للمساجد
أما نصوص القرآن المتعلقة بهذه المسألة، فكلها يحض المسلمين ذكوراً وإناثاً دون تمييز على زيارة المسجد والذكر والصلاة فيه.
قال عز وجل: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ. رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ. النور ٣٦-٣٧، وقال: لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ. التوبة ١٠٨.
وقد أشكل على بعض المفسرين لفظة "رجال" في هاتين الآيتين فظنوا أنها تعني الذكور دون الإناث، وأثر ذلك التفسير سلبياً على عادات المجتمعات الإسلامية في تصور بعضهم أن المرأة ليس لها مكان في المسجد. فقد علق ابن كثير مثلاً على لفظة "رجال" في آية النور المذكورة بقوله: أما النساء فصلاتهن في بيوتهن أفضل لهن … ويجوز لها شهود جماعة الرجال، بشرط أن لا تؤذي أحداً من الرجال بظهور زينة ولا ريح طيب. ولكن لفظة "رجال" هي في لغة العرب ولغة القرآن للذكور والإناث. قال تعالى: "وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ". الأعراف 46، وهذه للرجال والنساء، وقال: "مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ"، وهذه للرجال والنساء. ولكن إذا أراد الله تعالى أن يخص لفظ "رجال" بالذكور دون الإناث ذكر لفظ "نساء" معه في نفس السياق، كقوله تعالى: " وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ". الفتح 25.
ومن الناحية اللغوية، يقال للنساء المتميزات "رجال" في لغة العرب. ففي مختار الصحاح مثلاً ورد تحت مادة ر ج ل: نِسْوَةٌ (رِجَالٌ) … وَيُقَالُ لِلْمَرْأَةِ: (رَجُلَةٌ). وَيُقَالُ: كَانَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا رَجُلَةَ الرَّأْيِ. وفي لسان العرب: أَن أَبا زِيَادٍ الْكِلَابِيَّ قَالَ فِي حَدِيثٍ لَهُ مَعَ امرأَته: فَتَهايَجَ الرَّجُلانِ يَعْنِي نَفْسَهُ وامرأَته … وفِي مَعْنَى تَقُولُ هَذَا رَجُل كَامِلٌ … وَفِي هَذَا الْمَعْنَى للمرأَة: هِيَ رَجُلة.
ثم إن هناك آيات أخرى عامة على أي حال تحض الجميع على إعمار المساجد والتزين لها ظاهراً وباطناً. قال تعالى: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ. التوبة ١٨، وقال: قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ. الأعراف ٢٩، وقال: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ. الأعراف ٣١، وحتى الجن قال تعالى على لسانهم مخاطبين قومهم: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا. الجن ١٨. وينهى القرآن بوضوح عن منع الناس من المساجد، وذلك في عموم قوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ. البقرة 114.
أدلة السنة على إعمار النساء للمساجد
هذا بالإضافة إلى عشرات بل مئات الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي تدل على وجود المرأة في المسجد بشكل طبيعي في كل الصلوات والمناسبات، ولا تسمح هذه المساحة باستقصاء تلك الأحاديث كلها ولكن هاكم بعض الأمثلة:
عن عائشة رضي الله عنها قالت: كن نساء المؤمنين يشهدن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر متلفعات بمروطهن ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة.
وعن الشعبي قال: دخلنا على فاطمة بنت قيس … قالت: نُودِىَ فِى النَّاسِ إِنَّ الصَّلاَةَ جِامِعَةً – قَالَتْ – فَانْطَلَقْتُ فِيمَنِ انْطَلَقَ مِنَ النَّاسِ – قَالَتْ – فَكُنْتُ فِى الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ مِنَ النِّسَاءِ وَهُوَ يَلِى الْمُؤَخَّرَ مِنَ الرِّجَالِ – قَالَتْ – فَسَمِعْتُ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ فَقَالَ: إِنَّ بَنِى عَمٍّ لِتَمِيمٍ الدَّارِىِّ رَكِبُوا فِى الْبَحْرِ …
وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: أتيت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين خسفت الشمس فإذا الناس قيام يصلون … فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حمد الله وأثنى عليه ثم قال …
وعن عائشة قالت: أصيب سعد يوم الخندق … فضرب النبي صلى الله عليه وسلم خيمة في المسجد ليعوده من قريب. كتب ابن حجر شارحاً: رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل سعداً في خيمة رفيدة عند مسجده وكانت امرأة تداوي الجرحى فقال: اجعلوه في خيمتها لأعوده من قريب.
وعن عائشة، أن وليدة كانت سوداء لحي من العرب، فأعتقوها، فكانت معهم، قالت: فخرجت صبية لهم عليها وشاح أحمر من سيور، قالت: فوضعته – أو وقع منها – فمرت به حدياة وهو ملقى، فحسبته لحما فخطفته، قالت: فالتمسوه، فلم يجدوه، قالت: فاتهموني به، قالت: فطفقوا يفتشون حتى فتشوا قبلها، قالت: والله إني لقائمة معهم، إذ مرت الحدياة فألقته، قالت: فوقع بينهم، قالت: فقلت هذا الذي اتهمتموني به، زعمتم وأنا منه بريئة، وهو ذا هو، قالت: «فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت»، قالت عائشة: «فكان لها خباء في المسجد – أو حفش -» قالت: فكانت تأتيني فتحدث عندي، قالت: فلا تجلس عندي مجلسا، إلا قالت: ويوم الوشاح من أعاجيب ربنا *** ألا إنه من بلدة الكفر أنجاني، قالت عائشة: فقلت لها ما شأنك، لا تقعدين معي مقعداً إلا قلت هذا؟ قالت: فحدثتني بهذا الحديث.
وعن أم سلمة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أن النساء في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كن إذا سلمن من المكتوبة، قمن وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن صلى من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله صلى الله عليه وسلم قام الرجال.
وعن أسماء بنت أبي بكر، قالت: كسفت الشمس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم … ثم جئت ودخلت المسجد، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما، فقمت معه، فأطال القيام، حتى رأيتني أريد أن أجلس، ثم ألتفت إلى المرأة الضعيفة، فأقول هذه أضعف مني، فأقوم، فركع فأطال الركوع، ثم رفع رأسه فأطال القيام، حتى لو أن رجلا جاء خيل إليه أنه لم يركع.
وعن أسماء أيضاً قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: من كان منكن يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ترفع رأسها حتى نرفع رؤوسنا، كراهية أن يرين عورات الرجال لصغر أزرهم وكانوا إذ ذاك يأتزرون هذه النمرة.
وعنها كذلك: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطبنا، فذكر الفتنة التي يفتن فيها المرء في قبره، فلما ذكر ذلك ضج الناس ضجة، حالت بيني وبين أن أفهم آخر كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سكنت ضجتهم قلت لرجل قريب مني: أي بارك الله فيك، ماذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر قوله؟ قال: «قد أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم قريبا من فتنة الدجال».
وعن أبي هريرة أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد فماتت فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عنها فقالوا ماتت. قال: أفلا كنتم آذنتموني؟ دلوني على قبرها فأتى قبرها وصلى عليها.
وعن عائشة قالت: لما توفي سعد بن أبي وقاص أرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يمروا بجنازته في المسجد فيصلين عليه ففعلوا فوقف به على حجرهن يصلين عليه. قال النووي: والصحيح الذي عليه الجمهور أنهم صلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرادى فكان يدخل فوج يصلون فرادى ثم يخرجون ثم يدخل فوج آخر فيصلون كذلك ثم دخلت النساء بعد الرجال ثم الصبيان.
خلاصة
لابد من عودة المرأة المسلمة إلى المسجد، ولا يجوز منعها جماعياً أو فردياً، بل لابد من إيجاد مكان مناسب للنساء في المسجد وتشجيعهن على الحضور، حتى يحققن الفوائد والمقاصد المرجوة من بيوت الله، كالرجال تماماً، وخاصة في هذا العصر.
-150x150.jpg)