آخر الأخبار

كتاب : فقه الجهاد .. الحلقة [ 67 ] : الباب السادس : جيش الجهاد الإسلامي “واجباته وآدابه ودستوره” الفصل الخامس : الدستور الأخلاقي للحرب في الإسلام (2 من 3)

شارك المقال على :

 

• التقليل من سفك الدماء :

وهدف هذه التعالم والأحكام الشرعية كلها ، هو التقليل من سفك الدماء ، وأن الأصل فيها هو الحرمة ، وما خلق الله الناس ليقتلوا ، بل خلقهم ليعبدوه ، ويعمروا أرضه التي استخلفهم الله فيها ، وإنما أجاز القتال والقتل بقدر ما توجبه الضرورة القاهرة ، وهو قتل من يقاتل المسلمين . أما من لا يقاتل كالنساء ، والشيوخ الكبار ، والأطفال الصغار ، والمعوقين ، والفلاحين ، والتجار ، والرهبان ، ونحوهم ، فلا يجوز التعرض لهم .

وهذا ما جرت عليه الحروب الإسلامية منذ عهد النبوة والخلافة الراشدة فما بعدها . فرغم أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه معه اضطرهم أعداؤهم أن يخوضوا الحرب كارهين ، كما قال تعالى : " كُتِبَ عَلَيْكُمْ القِتَالُ وهُوَ كُرّهٌ لَكُمْ" [البقرة:216] وكما أوصاهم نبيهم بقوله : (لا تتمنوا لقاء العدو ، وسلوا الله العافية"[1] ، فلقي الرسول وصحبه خصومهم في سبع وعشرين غزوة ، شهدها النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه ، أشهرها تسع معروفة .

وبعث أصحابه في بضع وخمسين سرية ، ولكن الحصيلة النهائية من هذه الغزوات والسرايا في عشر سنوات من الصراع المسلح ، كانت عددا محدودا (203 من المشركين ، 186 من المسلمين) ، إذا قيس بضحايا الحروب التي خاضها العرب ، بعضهم مع بعض .

وقد أحصى المفكر والباحث الإسلامي الشهير الدكتور محمد عمارة ، أعداد القتلى من الجانبين في جميع الغزاوات والسرايا في عهد النبوة . وقارتها بضحايا الحروب كما ذكرها (العهد القديم) : التوراة وملحقاتها ، فكان البون شاسعا ، والفرق هائلا وواسعا . وأورد قائمة أعداد ضحايا معارك الإسلام التي حدث فيها قتال في الغزوات والسرايا (البعوث(:

• أعداد ضحيا معارك الإسلام التي حدث فيها قتال : غزوات وسرايا (بعوث):

1 – غزوة بدر ، 2هـ : (70 مشرك / 14 مسلم)

2 – غزوة السويق ،2هـ : (0 مشرك / 2 مسلم)

3 – بعث كعب ابن الأشرف ، 3هـ : (1 مشرك / 0 مسلم)

4 – غزوة أحد ، 3هـ : (22 مشرك / 70 مسلم)

5 – غزوة حمراء الأسد ، 3هـ : (1 مشرك / 0 مسلم)

6 – بعث الرجيع ، 3هـ : (0 مشرك / 7 مسلم)

7 – بعث بئر معونة ، 3هـ : (0 مشرك / 27 مسلم)

8 – غزوة الخندق ، 5هـ : (3 مشرك / 6 مسلم)

9 – غزوة بني قريظة ، 5هـ : (0 مشرك / 0 مسلم) الـ (600 ) الستمائة الذين قتلوا من بني قريظة لم يقتلوا في الحرب. وإنما قتلوا قضاء بالتحكيم الذي ارتضوه جزاء على خيانتهم ، فلا يحسبون في قتلى المعارك.

10 – بعث عبد الله بن عتيك ، 5هـ : (1 مشرك / 0 مسلم)

11 – غزوة ذي قرد ، 6هـ : (1 مشرك / 2 مسلم)

12 – غزوة بني المصطلق ، 6هـ : (0 مشرك / 1 مسلم)

13 – غزوة خيبر ، 7هـ : (2 مشرك / 20 مسلم)

14 – غزوة وادي القرى ، 7هـ : (0 مشرك / 1 مسلم)

15 – غزوة مؤتة ، 8هـ : (0 مشرك / 11 مسلم)

16 – فتح مكة ، 8هـ : (17 مشرك / 3 مسلم)

17 – غزوة حنين ، 8هـ : (84 مشرك / 4 مسلم)

18 – غزوة الطائف ، 8هـ : (0 مشرك / 13 مسلم)

 

المجموع : (203 مشرك + 183 مسلم) = المجموع الكلي من الجانبين 386

• ضحايا حروب العهد القديم :

 أولا : عدد ضحايا غير اليهود

1 – 12000 ضحايا عاي : يشوع 8/25

2 – 10000 من الكنعانييت والفرزيين : قضاة 1/4

3 – 10000 من موآب : قضاة 3/29

4 – 120000 من مديان : قضاة 8/10

5 – 1000 من شكيم : قضاة 9/49

6 – 30 من أشقلون : قضاة 14/19

7 – 1000 من الفلسطينيين : قضاة 15/17

8 – 300 من الفلسطينيين : قضاة 16/27

9 – 20 من الفلسطينيين : صموئيل اول 14/14

10 – 200 من الفلسطينيين : صموئيل أول 18/27

11 – 22000 من آرام : صموئيل ثاني 8/5

12 – 18000 من آرام : صموئيل ثاني 8/13

13 – 40000 من آرام : صموئيل ثاني 10/18

14 – 100000 من آرام : ملوك اول 20/29

15 – 10000 من أدوم : ملوك ثاني 14/7

16 – 185000 من آشور : ملوك ثاني 19/35

17 – 1000000 من الكوشيين : أخبار الأيام الأول 14/9-13

18 – 500 من الفرس : استير 9/5

19 – 75000 من الفرس : استير 9/16

20 – 300 من الفرس : استير 9/15 .

مجموع الضحايا من غير اليهود : 1.635.650

 ثانيا : عدد ضحايا اليهود في حروبهم الداخلية او مع الأجانب :

21 – 42000 من أفرايم : قضاة 12/6

22 – 22000 من إسرائيل : قضاة 20/21

23 – 18000 من إسرائيل : قضاة 20/25

24 – 25000 من بنيامين : قضاة 20/32

25 – 30 من إسرائيل : قضاة 20/39

26 – 18000 من بنيامين : قضاة 20/42

27 – 2000 من بنيامين : قضاة 20/45

28 – 4000 من إسرائيل : صموئيل اول 4/2

29 – 30000 من إسرائيل : صموئيل أول 4/10

30 – 50.070 من بتشمن : صموئيل أول 6/19

31 – 85 من الكهنة : صموئيل أول 22/19

32 – 20 من عبيد داود : صموئيل أول 2/30

33 – 360 من رجال أبنير : صموئيل أول 2/30

34 – 20000 من إسرائيل : صموئيل ثان 18/7

35 – 42 من إخوة أخزيا : صموئيل ثان 10/13

36 – 50 من الجلعاديين : صموئيل ثان 15/25

37 – 120000 من يهوذا : أخبار الأيام الثاني 28/6

38 – 70 من إخوة أبيمالك : قضاة 9/5

– مجموع الضحايا من اليهود : 352.827

والمجموع الكلي للضحايا – المحصاة – من الجانبين : 1.988.477 قتيلا [2]

• ( 3 ) تحريم المُثْلة:

عرف الناس من قديم في الحروب تجاوزات شتَّى، منها: المُثْلة، ويراد بالمُثلة: الانتقام من العدو، بعد موته، بتشويه جثَّته، وقطع بعض أجزاء من جسده، مثل الأذن والأنف والذكر وغير ذلك، وقد يخرج بعض أعضائه الداخلية مثل القلب أو الكبد. كلُّ هذا ليشفي غيظه من خَصمه، مع أنه قد مات واستراح منه، ولكن الإنسان – لظلمه وجهله – لم يكفِه موته، حتى ينكِّل به.

وقد رأينا المشركين في غزوة أُحد، وقد قتلوا سبعين من المسلمين، قد مثَّلوا بعدد منهم، وقد قال أبو سفيان بعد المعركة يُسمِع المسلمين: سترون مُثلة قد وقعت، أما أنها لم تكن بأمري، ولم تسؤني[3[

• الأحاديث التي تنهى عن المثلة :

أما الإسلام، فقد نهى عن المُثلة وحرَّمها، كما ثبت ذلك بأحاديث شتَّى.

ففي حديث بُريدة في صحيح مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول لقوَّاده: "… اغزوا ولا تغلُّوا ولا تغدُروا ولا تمثِّلوا …"[4[

وروى مالك معنى ذلك عن عمر بن عبد العزيز: كتب إلى عامل من عماله (ولاته): أنه بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث سرية يقول لهم: "اغزوا باسم الله … ولا تغلُّوا ولا تمثِّلوا"[5[

وروى أبو داود في كتاب الجهاد – باب النهي عن المُثلة – عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعفُّ الناس قِتْلةً: أهلُ الإيمان"[6] . ومعنى هذا: أنهم يعفِّون عن الانتقام من الموتى، والتمثيل بأعضائهم وجثثهم، فهذا يتنافى مع عفَّة أهل الإيمان، وأخلاقهم المُثلى.

وروى أبو داود بسنده، عن الهَيَّاج بن عِمران: أن عِمران أبَق له غلام (أي هرب منه)، فجعل لله عليه: لئن قدر عليه ليقطعنَّ يده! فأرسلني لأسال له، فأتيت سَمُرَة بن جُندُب فسألته، فقال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحثُّنا على الصدقة، وينهانا عن المُثْلة"[7] . وبهذا تبيَّن لعِمران أن هذا النذر الذي نذره بقطع يد الغلام إن قدر عليه: نذر في غير محله، لأنه نذر معصية لا يجوز الوفاء به.

• نهي الخلفاء الراشدين عن نقل رؤوس المحاربين :

ومن ثَمَّ التزم المسلمون في جميع حروبهم: أن يراعوا حرمة الموتى، ولا يتعرَّضوا لجثثهم بأي تشويه، ولهذا منع الخلفاء الراشدون نقل رؤوس المحاربين من قادة أعدائهم إلى مدنهم ومقارِّ إقامتهم، ليتشفَّوا بالنظر إليها.

وعن عبد الله بن عامر: أنه قدم على أبي بكر الصديق رضي الله عنه برأس البطريق، فأنكر ذلك، فقال: يا خليفة رسول الله، إنهم يفعلون ذلك بنا! قال: فاستنان بفارس والروم؟! لا يحمل إليَّ رأس! فإنه يكفي الكتاب والخبر[8[

فانظر إلى هذا الموقف الرائع من الخليفة الأول: إنكار حمل الرأس إليه، وقوله: آستنان بفارس والروم؟ ينكر عليهم أن يتَّخذوا من تقاليد فارس والروم أسوة لهم، فقد جعلهم الله رؤوسا لا ذيولا، فهم يُتَّبعون لا يَتَّبعون. ثم أصدر هذا الأمر الحاسم: لا يُحمل إليَّ رأس!

وأُتي أبو بكر برأس، فقال: بغيتم[9] ! أي إن هذا من فعل أهل البغي والظلم لا من فعل أهل الإيمان.

قال الإمام الزهري: لم يؤتَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم برأس، وأٌتي أبو بكر برأس فقال: لا يُؤتى بالجيف إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأول من أُتي برأس: ابن الزبير [10[

وعلى هذا استقرَّ الفقه الإسلامي، ورجَّحه المحققون من علمائه. يقول ابن عابدين في حاشيته: (لو تمكَّن من كافر حال قيام الحرب: ليس له أن يمثِّل به)[11[

واستثنى بعض الفقهاء: مَن كان مثَّل بالمسلمين، فيجوز أن يُمثَّل به قصاصا، استنادا لما فعله النبي صلى الله عليه وسلم بالعُرَنيين[12] . ولكن هذا لم يكن في الحرب، إنما هو حكم القضاء عليهم، بما قتلوا وسرقوا وعاثوا في الأرض فسادا[13[

فالراجح هو: النهي عن المثلة في الحرب بصفة عامة، حتى إنهم لو مثَّلوا بنا لا نمثِّل بهم، لأن لدينا ما يمنعنا، وليس لديهم ما يمنعهم.

• النهي عن التمثيل ببهائم الكفار :

بل رأينا في آثار الصحابة رضي الله عنهم من الروائع ، أنهم لم يكتفوا بالنهي عن المُثلة بالآدمي ، فأضافوا إليها المُثلة بالبهائم ، كما قال الإمام الجصاص في شرح مختصر الطحاوي : ( وقوله : "ولا تمثلوا بآدمي ولا بهيمة"[14] قد أفادنا النهي عن المُثلة بالكفار وبهائمهم ، إذا لم يقدروا على إخراجها ، لأن النهي عن المُثلة قد ورد ،عن النبي عليه الصلاة والسلام شائعا مستفيضا على الإطلاق في غير الأخبار.

وفائدة ذكره في وصايا الأمراء : أنه قد كان يجوز أن يتوهم أن أهل الحرب ، إذا كانت دماؤهم مباحة ، فأبان النبي صلى الله عليه وسلم أن النهي عن المُثلة عامٌ فيهم وفي غيرهم .

وأفاد النهي عن المُثلة بالبهيمة أنا لم نقدر على إخراجها (أي: إلى بلادنا) لا يجوز لنا أن نعقرها أو نتركها ، أو نبتدئ فنحرقها ، ولكن نذبحها لئلا يككون مُثلة ثم نحرقها [15] . أي أي إذا قضت الضرورات الحربية أن نحرمهم من لحمها .

وأورد العلامة بن رشد في ( بداية المجتهد) : عن مالك التفريق بين قطع الشجر لضرورة الحرب وقتل الحيوان ، فلم يجز قتل الحيوان بحال لأن قتل الحيوان مُثلة ، وقد نُهي عن المُثلة ، ولم يأت عته عليه الصلاة والسلام أنه قتل حيوانا [16] . اهـ

• ( 4 ) تحريم الغدر والخيانة:

ومن أخلاقيات الحرب والجهاد في الإسلام: إيجاب الوفاء بالعهود لمَن عاهدهم المسلمون، والالتزام بكلِّ ما التزموا به، وتحريم الغدر بكلِّ صُوره، واعتباره من خصال النفاق، وأخلاق الكافرين. وكذلك الخيانة في كلِّ أمانة مادية أو أدبية.

يقول الله تعالى في كتابه في مدح المؤمنين: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المؤمنون:8، المعارج: 32]، {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ} [الرعد:20[

ويقول تعالى بصيغة الأمر: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً} [الإسراء:34]، {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} [النحل:91،92]، ففي هذه الآية ينكر القرآن أن تُبنى المعاهدات على الغشِّ والدَّخَل، وليس على الإخلاص والاستقامة، وأن يكون الهدف منها علو أمة على أمة بغير الحقِّ، بحيث تكون أربى وأزيد من الأمم الأخرى عددا وعُدَّة، واقتصادا وقوة، وفي سبيل ذلك تنقض العهود، كما نرى أمريكا اليوم في كلِّ معاهداتها واتفاقياتها، تريد أن تكون هي الأَولَى والأزيد، وأن يكون لها نصيب الأسد في كلِّ شيء!

كما نهى القرآن عن الخيانة بكلِّ ألوانها: الخيانة المادية، والخيانة المعنوية، الخيانة لله، والخيانة للناس، الخيانة في السلم، والخيانة في الحرب، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال:27[

{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء:58[

ومما لا شكَّ فيه أن العهود والمواثيق تُعتبَر من الأمانات التي يجب رعايتها والمحافظة عليها.

وذمَّ القرآن الذين ينقضون عهودهم، أو يخونون أماناتهم بأشدِّ العبارات، وأبلغ التهديدات، كما في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران:77[

كما ذمَّ المشركين بقوله: {لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلّاً وَلا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ} [التوبة:10].

وجعل الرسول الكريم الغدر صفة أساسية من صفات المنافق، فقال: "أربع مَن كنَّ فيه كان منافقا خالصا، ومَن كانت فيه خصلة منهنَّ كانت فيه خصلة من النفاق حتى يَدَعَها: إذا حدَّث كذب، وإذا أؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر"[17[

وقال عليه الصلاة والسلام من حديث ابن مسعود: "لكل غادر لواء يوم القيامة، يُعرَف به، يقال: هذه غدرة فلان"[18] ، ومن حديث ابن عمر: "إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة: يرفع لكل غادر لواء، فقيل: هذه غدرة فلان بن فلان"[19[

وفي حديث أبي سعيد: "لكلِّ غادر لواء عند استه"[20] . أي خلف ظهره، لأن لواء العزَّة يرفع على الرأس أو تلقاء الوجه، فناسب أن يكون عَلَم المذلَّة في هذا الموضع زيادة في فضيحته، فقوبل بنقيض قصده.

• احترام العقود والمعاهدات في السلم والحرب :

وأوجب الإسلام على المؤمنين أن يحترموا عهودهم واتفاقاتهم مع الآخرين في السلم وفي الحرب على السواء، وكان من وصاياه صلى الله عليه وسلم لقادة الجيوش وأمراء السرايا: "لا تغلُّوا ولا تغدروا ولا تمثِّلوا"[21]. وهو في الصحيح كما تقدَّم.

واستثنى القرآن من المشركين الذين برئ منهم الله ورسوله، مَن كان له عهد مؤقَّت بمدَّة، فيوفَّى له عهده إلى مدَّته، كما قال تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة:4[

كما استثنى الذين عاهدوا الرسول والمؤمنين عند المسجد الحرام: {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة:7[

بل وجدنا القرآن يقدِّم مَن كان بيننا وبينهم ميثاق من غير المسلمين على إخواننا من المسلمين الذين ليسوا في دار الإسلام، ولا يخضعون لحكم المسلمين، فلم يطلب منا أن ننصرهم على مَن عاهدونا، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} [الأنفال:72]، فكأنما اعتبر رباط العهد والميثاق مقدَّما على رباط الدين، إذا لم ينضمَّ إليه الإقامة في دار الإسلام.

• جواز نقض العهد في حالة واحدة :

ولم يُجِز الإسلام نبذ العهد إلا في حالة واحدة: أن ينقضه الطرف الآخر، أو يخاف منه الخيانة في عهده، وقد ظهرت أمارات ذلك في قوله أو عمله، وفي هذه الحالة ينبذ إليه عهده على طريق علني سوي صريح لا خداع فيه، ولا يجوز أن ينقض عهده خُفية منه، فيفاجأ بنقضه، وهذا ما قرَّره القرآن الكريم بوضوح حين قال: {وإمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخَائِنِينَ} [الأنفال:58[

• تأديب الناكثين للأيمان والعهود :

كما شرع الإسلام تأديب الناكثين للأيمان والعهود، وأوجب معاملتهم بالشدَّة التي تجعلهم عبرة ونكالا لأمثالهم، وتمنعهم من الجرأة على الإقدام على نقض المواثيق، وخيانة العهود المُبرَمة دون مبالاة بالعواقب، مثل اليهود الذين نقضوا عهد الله وعهد رسوله المرَّة بعد المرَّة، كما قال تعالى: {الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وهُمْ لا يَتَّقُونَ * فَإمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأنفال:57،56[

وقال في أمثالهم من المشركين: {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ * أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَأُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}؟ [التوبة:13،12[

وعن حذيفة بن اليَمَان رضي الله عنه قال: ما منعني أن أشهد بدرا، إلا أنني خرجت أنا وأبي (حُسَيلٌ) قال: فأخذنا كفار قريش، وقالوا: إنكم تريدون محمدا. فقلنا: ما نريده، ما نريد إلا المدينة. فأخذوا منا عهد الله وميثاقه: لننصرفنَّ إلى المدينة، ولا نقاتل معه. فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرناه الخبر. فقال: "انصرفا، نفي لهم بعهدهم، ونستعين بالله عليهم"[22] . فما أعظم هذا الموقف وما أروعه وما أثقله في ميزان القيم والأخلاق ، فقد أمر بالوفاء لهم رغم حاجته إليهم .

وعن علي رضي الله عنه: ما عندنا كتاب نقرأه، إلا كتاب الله، وما في هذه الصحيفة. وفيها: "ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمَن أخفر مسلما (أي: نقض عهده) فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل"[23] (أي لا توبة ولا فدية(.

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَن قتل معاهدا لم يَُرَِح رائحة الجنة، وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاما" [24[

فهذه أحكام الإسلام وتعاليمه من كتاب الله وسنة رسوله: ترى رعاية العهود والمواثيق والاتفاقيات من صميم الدين، ومن تقوى الله التي يحبُّها ويحبُّ أهلها، وترى الغدر والخيانة منافية للدين والإيمان والتقى، وهي من رذائل الكفار وخصال المنافقين.

ومن فضائل الإسلام وروائعه: أنه لا يجيز معاملة أعدائه بمثل عملهم[25]، فيكيل لهم بصاعهم، فيقابل غدرهم بغدر، ويجازي خيانتهم بخيانة مثلها، والبادي أظلم، بل يرى التمسك بالقيم والمبادئ فرضا على المسلمين، وإن فرَّط فيها خصومهم. وفي هذا يقول صلى الله عليه وسلم: "أدِّ الأمانة إلى مَن ائتمنك، ولا تخن مَن خانك"[26[

فأين هذا مما يراه قادة الغرب الذين يرى بعضهم المعاهدات إنما هي قصاصة ورق! يعمل بها عند الضعف لا عند القوة، وقال آخر: المعاهدات إنما هي حُجَّة القوي على الضعيف!

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
+ posts

أخبار ذات صلة

دُسْتُورُ الأَنْعَامِ.. وَمَيْدَانُ الأَعْرَافِ

دُسْتُورُ الأَنْعَامِ.. وَمَيْدَانُ الأَعْرَافِ (مِحْرَابُ التَّدَبُّرِ: قُطُوفٌ مِنْ خَوَاطِرِ الجُزْءِ

لجنة الثوابت والفكر الإسلامي بالاتحاد تنظم ندوة دولية بعنوان «هجرة النبي ﷺ: بناء وتجديد»

تنظم لجنة الثوابت والفكر الإسلامي بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ندوة

دعوة إبراهيم -عليه السلام- إلى إفراد الله بالعبادة وطلب الرزق

دعوة إبراهيم -عليه السلام- إلى إفراد الله بالعبادة وطلب الرزق

100%