هذا هو الإسلام
اللهم بلغنا رمضان
عضو الاتحاد الشيخ الدكتور تيسير رجب التميمي/ قاضي قضاة فلسطين رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي سابقاً أمين سر الهيئة الإسلامية العليا بالقدس
الحلقة الثالثة : التماس هلال رمضان
بعد أيام قليلة ؛ وفي التاسع والعشرين من شهر شعبان يحتفل العالم الإسلامي في مشارق الأرض ومغاربها بشعيرة من شعائر الإسلام وهي تحري رؤية هلال شهر رمضان المبارك ، حيث ترقُبُ أعين المسلمين في كل مكان ميلاده ، وترصد أسماعهم تسابق وسائل الإعلام في الإعلان عن ثبوت رؤيته .
والهلال اسم لما يُستهلّ به أي يُعلن ويُجهر به حتى يراه الناس ويعلموه ، فإذا طلع في السماء ولم يظهر للناس ولم يعرفوه لم يكن هلالاً . والشهر مأخوذ من الشهرة ؛ فإن لم يشتهر بين الناس لم يكن الشهر قد دخل . ورؤية الهلال المطلوبة تعني مشاهدته بالعين ؛ مما يدل على عدم قبول تقدير الهلال بالحساب الفلكي أو بحساب المنجمين أو غيرها لأنها طرق غير شرعية . فلا يكون الصيام والإعلان عنه إلا برؤية مستفيضة تنتشر بين الناس أو بشهادة عادلة موثوقة ، وهذا ما عليه جمهور الفقهاء ، فقد حصر رسول الله صلى الله عليه وسلم طرق إثبات رمضان في رؤية الهلال وإكمال شعبان ثلاثين في قوله { صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته } رواه البخاري .
تأتي أهمية الْتماس أهلّة الشهور القمرية أنها تتعلق بمطالعها أحكام دنيوية ودينية :
1- فأما الدنيوية فمنها حلول آجال الديون ؛ ومعرفة التقويم والزمان قال تعالى { هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ } يونس5 .
2- وأما الدينية فمن أهمها أداء بعض الفرائض وأركان الإسلام ؛ فرؤية هلال رمضان توجب الصيام ؛ ورؤية هلال شوال توجب الفطر ، قال صلى الله عليه وسلم { صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غمي عليكم فأكملوا العدد } رواه مسلم ، ورؤية هلال ذي الحجة تحدد زمان أداء فريضة الحج والوقوف بعرفة ، قال تعالى { يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ } البقرة 189 .
ولأهمية مطالع الشهور وضع العلماء قواعد لثبوتها بالرؤية ، من ذلك أنهم فرقوا بين الرؤية التي توجب الدخول في العبادة والرؤية التي تفيد الخروج منها :
ففي رؤية هلال رمضان تقبل شهادة رجل واحد عدل ، جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني رأيت الهلال فقال { أتشهد أن لا إله إلا الله ؟ أتشهد أن محمداً رسول الله } قال نعم ، قال { يا بلال أذن في الناس أن يصوموا غداً } رواه الترمذي . أما هلال شوال فتشترط لرؤيته شهادة رجلين عدلين ، روى أنس بن مالك أن عمومة له شهدوا عند النبي صلى الله عليه وسلم على رؤية الهلال { فأمر الناس أن يفطروا وأن يخرجوا إلى عيدهم من الغد } رواه أحمد ، وهذا ما يشترط في الحقوق المالية من البينات التي يقبلها القاضي ، فالأصل أن كل ما فيه إلزام بحقوق الناس يشترط فيه شرائط الشهادة ومنها العدد . وهلال ذي الحجة كهلال شوال تشترط فيه شهادة رجلين عدلين ، فمع أن رؤيته توجب دخول بعض الناس في عبادة الحج والوقوف بعرفة ، إلاَّ أن فيه منفعة للناس وتوسعة عليهم بلحوم الأضاحي في اليوم العاشر .
والاعتماد في ثبوت الأهلة يكون على البيِّنة في المجلس القضائي ، فبحكم القاضي تُلزم الأمة أداء الفرائض والعبادات كالصوم والحج ، وبه تخرج من العبادات كما في عيد الفطر وعيد الأضحى ، برهان ذلك أن القاضي هو الذي يقرر حال الشهود وعدالتهم وقبول شهادتهم أو ردَّها ، وهو الذي يقرر تطابق شهادة الشهود أو تناقضها ، وبالتالي هو الذي يحكم بثبوت رؤية الهلال ودخول الشهر وما يترتب عليها من أحكام أو بعدم ثبوتها .
وإن لم تطبق هذه الإجراءات فيكون الإعلام بالرؤية مجرد رواية وإخبار لا تفيد الإلزام أو الوجوب ، فلا بد أن يكون صوم الناس مبنياً على حكم قضائي .
وفي هذه المناسبة كثيراً ما يثور جدال ساخن بين العامة والخاصة من المسلمين حول اختلاف المطالع في الأقطار الإسلامية ، وتكثر الدعوات إلى صوم جميع المسلمين في يوم واحد ؛ باعتبار ذلك مظهراً لاجتماع الأمة ووحدتها .
والحقيقة أن هذه المسألة من الفروع التي اختلفت فيها اجتهادات الفقهاء ، وهذا يعني أن كل قطر في العالم الإسلامي يمكنه انتقاء الاجتهاد الذي يترجح لأولي الأمر فيه ليلزم الناس به ، فالقاعدة الفقهية تنص على أن [ حكم الحاكم يرفع الخلاف ] ، لذا لا مبرر للاختلاف حول هذه المسألة ، ولا ينبغي أن يعيب أحد على اختيار أحد فهي ليست من القطعيات
والواقع أن اختلاف المطالع غير مؤثر في وحدة الأمة المسلمة ولا مضعفاً لها ؛ لأن الوحدة من ثمار الفكر الإسلامي المنبثق من العقيدة الواحدة التي يدين بها أبناء هذه الأمة ، فالوحدة تعني نظاماً واحداً ومواقف مشتركة في التصدي للقضايا المصيرية التي تواجهها الأمة ، هي المؤازرة والتناصر بين الأخوة في البأساء ، هي المواساة والتضامن في السراء والضراء . هذه هي الوحدة الحقيقية الراسخة في النفوس .
ومع أن جمهور الفقهاء يرون وجوب صيام وفطر المسلمين في يوم واحد ؛ إلا أن التاريخ الإسلامي الذي تميز بتتبع أدق التفاصيل وبالدقة العلمية في قبول الرواية ؛ لم يذكر لنا تحقُّق وحدة المطالع في أي عصر ، ولم يذكر لنا أحد من الفقهاء أو علماء السلف على كثرة المصنفات والمؤلفات التي تناولت هذه المسألة أن اختلاف المطالع سبب لاختلاف الأمة أو أن اتحادها سبب اجتماع الكلمة ، بل لم يتسبب ذلك في إثارة خلاف أو نزاع بين أبناء الأمة أو علمائها وقادتها .
لكن لا بد من القول في الوقت ذاته أن اتحاد المطالع وبالأخص في الصيام مظهر من مظاهر الوحدة المنشودة للأمة المسلمة ـ وإن كان مظهراً شكلياً ـ وهو أمر ممكن في هذا الزمان الذي تطورت فيه وسائل الاتصال الحديثة التي تضمن سرعة انتشار حكم القاضي بثبوت رؤية الهلال وسرعة تبليغه إلى المسلمين في كل مكان ، وهو مطلب عام يعبر عنه الناس في كل عام في الوقت الذي ينتظرون فيه ثبوت هلال رمضان .
أما ما نراه اليوم من اختلاف الأمة في ثوابت الفكر والهوية والانتماء ومرجعية الأحكام الشرعية وغيرها من المفاهيم قد أسهم فعلاً في التنازع والتناحر والتقاتل ورفع أبنائها السلاح في وجه بعض ؛ مما زاد في وهنها وتكالب الأعداء وتداعي الأمم عليها ، وتخبطهم في تبني وتفسير وتطبيق أحكام الشرع ، فكان لذلك أسوأ الأثر عليها وعلى ديننا الحنيف ، إن هذا الوضع المزري والهوان المخزي لا يكفي لتغييره تبني مذهب اتحاد المطالع في رمضان وغيره من الأهلة ، بل يفتقر إلى جهود فكرية وتربوية ضخمة متضافرة تتبناها القيادات المخلِصة المخلَصة كما تتبناها كل الشرائح والقطاعات والأفراد ، هكذا فقط نعيد الوحدة الحقيقية النابعة من القلوب والضمائر والمسيّجة بالأرواح والدماء الزكية
ومما يثير الجدل الأوسع بين الناس مسألة ثبوت هلال شهر شوال ، خصوصاً إذا رافقها قيام بعض الأفراد بالإفطار على مرأىً من الجميع عند ثبوت رؤية هلاله في أحد الأقطار الإسلامية ، وهذا من التصرفات التي تؤدي إلى تشكيك الناس في عبادتهم ونشر البلبلة والفوضى بينهم وتثير الفرقة في البلد الواحد والبيت الواحد ، وصعوبة اتخاذهم أي قرار بالفطر أو مواصلة الصيام .
والحكم في هذه الحالة أن المنفرد برؤية الهلال إذا ردّ القاضي شهادته يصوم عند بعض العلماء لقوله تعالى { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } البقرة 185 ، وهو قد شهد الهلال ، أما في هلال شوال فيفطر سراً لأنه إذا أظهر الفطر عرّض نفسه لعقوبة الحاكم وللتهمة في دينه ومخالفة الجماعة ، وأسهم في إشاعة الفوضى والبلبلة بين أهل البلد ، وقد قال صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن { الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون } رواه الترمذي ، وقال الحسن البصري في ذلك : لا يصوم إلا مع الإمام ولا يفطر إلا معه .
إننا نهيب بأبناء شعبنا الفلسطيني في كل مكان من يقدر منهم أن يقيموا هذه الشعيرة النبوية ، بالمشاركة في رؤية هلال هذا الشهر الكريم ، وعلى من رآه التوجه للإدلاء بأقواله وشهادته أمام القاضي الشرعي .
-150x150.jpg)