آخر الأخبار

كتاب : فقه الجهاد الحلقة [ 66 ] : الباب السادس : جيش الجهاد الإسلامي “واجباته وآدابه ودستوره” الفصل الخامس : الدستور الأخلاقي للحرب في الإسلام (1 من 3(

شارك المقال على :

 

• نظرية الغاية تبرر الوسيلة في الحضارة الغربية :

الحرب في الإسلام: حرب أخلاقية، مثل: السياسة والاقتصاد والعلم والعمل، فكلُّها لا تنفصل عن الأخلاق، على خلاف النظرة السائدة في الحضارة الغربية، فالأخلاق فيها منفصلة تماما عن الحرب، انفصالها عن العلم، وعن السياسة، وعن الاقتصاد.

والفكرة الرائجة عندهم: أخلاقية الغايات، ولا أخلاقية الوسائل، فنظرية (الغاية تبرر الوسيلة) المنسوبة إلى (ميكافيلي) مقبولة عندهم بصفة عامة.

بل كثيرا ما تكون الغايات غير أخلاقية أيضا، على الأقلِّ في نظر غيرهم,

فقد رأينا لديهم سيادة فكرة (القوة) لا (الحقِّ) فمَن كان أقوى، كان من حقِّه أن يسيطر ويسود، ويفرض نفسه ومنطقه على الآخرين، أحبُّوا أم كرهوا، رضوا أم سخطوا. فالبقاء عندهم للأقوى، وليس البقاء للأصلح.

ولا يزال الغرب إلى اليوم مؤمنا بحقِّ القوَّة، لا بقوَّة الحقِّ. ومن آثاره: مبدأ (الفيتو) في مجلس الأمن، الذي كثيرا ما تستخدمه الولايات المتحدة الأمريكية في حماية الكِيان المغتصِب (إسرائيل) من أيِّ عقوبة تمسُّها، أو مجرَّد أن تدان في جريمة اقترفتها يداها الملوثتان بالدماء.

• نظرية تفاضل العروق والأجناس :

وقد رأينا عندهم في بعض الفترات التاريخية: فكرة (سيادة الجنس الأبيض) أو (الجنس الآري)، بناء على نظرية (تفاضل الأجناس)، وأن هناك عِرقا أفضل من عِرق بحكم الخلقة والطبيعة. وعلى أساسها قامت (النازية) في ألمانيا. وكان شعارها (ألمانيا فوق الجميع). وهي نظرية متوارثة عندهم من عهد الفيلسوف الكبير أرسطو، الذي كان يرى: أن كلَّ يوناني سيد، وكلَّ بربري عبد له. وهو ما علَّق عليه مؤرِّخ الفلسفة يوسف كرم: أن أرسطو لم يستطع أن يتحرَّر من سلطان عصره وبيئته [1[

ونظرية تفاضل العروق والأجناس: نظرية باطلة، لا تقوم على أساس منطقي من العلم أو الدين. فكلُّ الأجناس فيها العباقرة والأذكياء والمتوسِّطون والأغبياء والمتخلِّفون، بنسب متقاربة. وإنما يحدث التفاوت الفاحش، نتيجة لما يُتاح لبعضهم من فرص للتعلُّم والترقي، تهيئها له البيئة، على حين لا يجد ذلك الآخرون، بل ولا عشر معشاره. على خلاف الفكرة الإسلامية المؤسَّسة على أن البشرية كلَّها أسرة واحدة، فهم عباد لرب واحد، وأبناء لأب واحد.

وقد هيَّأت تعاليم التوراة التي يؤمن بها الغربيون: الذهنية الغربية، لتقبُّل فكرة أن بعض الأجناس أفضل من بعض، حين علَّمتهم التوراة: أن بني إسرائيل هم (شعب الله المختار) بمقتضى عِرقهم ونسبهم، لا بفضائلهم وأعمالهم! على خلاف الإسلام الذي يقول كتابه: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات:13]، ويقول رسوله: "مَن بطَّأ به عمله لم يسرع به نسبه"[2[

المهم أن الحرب في حضارة الغرب ومَن وافق فلسفتهم: حرب غير أخلاقية، أو على الأقل: ليس من اللازم أن تنضبط بالأخلاق. أما الحرب عندنا فهي ملتزمة بالقِيَم والأخلاق، منضبطة بأحكام الشرع، تقف عند حدود الله ولا تتعدَّاها. ولهذا يحكم الحرب عند المسلمين (دستور أخلاقي) شامل ملزم، يتعبَّد المسلمون بتنفيذه والتقيُّد به، لأنه من الله تبارك وتعالى، وما كان لمؤمن أن يرفض أو يهمل ما كان من عند الله! قال تعالى : "وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ" [الأحزاب:36[

• الأخلاق في الإسلام جزء أساسي من الدين :

إن الأخلاق في الإسلام ليست نافلة في الدين، بل هي جزء أساسي منه، فالفضائل فرائض في الدين ملتزمة، والرذائل محرَّمات في الدين مجتنبة.

فالعدل والإحسان، والرحمة والصدق، والأمانة والإخلاص، والوفاء بالعهد والعفاف، والحياء والتواضع، والسخاء، وحب الخير للناس، ورعاية الحرمات، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، وإكرام الجار، وغيرها من الفضائل: واجبات دينية أمر بها الله ورسوله. وتعتبر من شُعَب الإيمان.

وأضدادها من الرذائل: من الظلم والإساءة، والقسوة والكذب، والخيانة والرياء، والغدر والفجور، والكبر والشحِّ، والحقد والحسد، والزنى والسُّكْر، وأكل الحرام وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وقتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحقِّ، ونحوها من خصال السوء: محرَّمات نهى عنها الله ورسوله، وتُعَد من شُعَب النفاق. بل بعضها يُعَد من كبائر الإثم والفواحش والموبقات التي شدَّد الإسلام في التحذير من الوقوع فيها، واعتبرها مهلكة للفرد والجماعة.

• دستور أخلاقي شامل:

من هنا نرى أن الدستور الأخلاقي العسكري في الإسلام دستور شامل متكامل يشمل فيما يشمل:

أولا: ما قبل الحرب.

ثانيا: أثناء الحرب.

ثالثا: ما بعد الحرب.

• أولا: أخلاق ما قبل الحرب:

فأما ما قبل الحرب، فإن الإسلام يحرِّم على المسلمين تحريما باتًّا: استخدام الوسائل غير الأخلاقية التي تستخدمها – عادة – الاستخبارات العسكرية، لاختراق الأعداء، وتجميع المعلومات عنهم، وكشف عوراتهم، والاطلاع على أسرارهم العسكرية التي يُهِمُّ المسلمين معرفتها: عن عددهم، وعدَّتهم، ومخابئ أسلحتهم، ومنصات صواريخهم، وخططهم، وتطلُّعاتهم، ونقاط الضعف عندهم، ونقاط القوة لديهم، ومدى تماسك الجبهة الداخلية، أو تفكُّكها وتخلخلها، وما المنافذ التي يمكن الدخول إليهم منها … إلخ ما هو معروف ومدروس في العلوم العسكرية بتوسُّع وتفصيل يرجع إليه في مصادره.

المهم في تجميع مثل هذه المعلومات وأمثالها من قبل أجهزة الاستخبارات الإسلامية: ألا تستخدم المحرَّمات في الإسلام مثل الخمر والنساء، وهما: الوسيلتان المفضلتان لدى الكثير من الدول، لاستدراج الرجال الذين يملكون الأسرار عن طريق الشهوات.

فالمسلمون لا يستعينون على نصرة الحقِّ بطريق الباطل، ولا يحصلون طاعة الله بمعصية الله. وقد جاء في الحديث الذي رواه ابن مسعود: "إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث"[3[

• ثانيا الأخلاق أثناء الحرب:

وأما الأخلاق أثناء الحرب، فقد أوسعنا القول فيها فيما مضى. وحسبنا هنا: أن نؤكِّد أن الإسلام لا يسمح بالأسلحة التي تأخذ البريء بالمسيء، والمسالم بالمحارب، وتحصد الناس حصدا، بما عُرف في عصرنا بـ(أسلحة الدمار الشامل)، من أسلحة كيماوية فتَّاكة، وأسلحة جرثومية وبيولوجية مهلكة، وأسلحة نووية مدمِّرة للحياة والأحياء، مهلكة للحرث والنسل، فهذا من الفساد في الأرض، الذي يكرهه الله تعالى، وينهى عنه، كما قال القرآن في شأن بعض الناس: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة:205]، وكما قال في شأن اليهود الذين ازدادوا طغيانا وكفرا: {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [المائدة:64[

• ثالثا: أخلاق ما بعد الحرب:

وأما أخلاق ما بعد الحرب، وخصوصا بعد الانتصار، فالإسلام يرعى هذا الجانب الأخلاقي في التعامل مع الأسرى، ويحثُّ على العطف عليهم، وإشعارهم بإنسانيتهم، وعدم إذلالهم وإهانتهم، أو تخويفهم وتعذيبهم.

قال تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً} [الانسان:8،9[

وقال تعالى في شأن أسرى بدر: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنفال:70[.

وهكذا أمر الله رسوله أن يخاطب الأسرى الموثقين في أيديهم: خطابا يبشِّرهم بغد أفضل، ومستقبل أطيب، إذا أخلصوا نيتهم، وتخلَّوا عن ظلمهم وكفرهم، وسيعوضهم الله خيرا مما أُخذ منهم من فداء. ولا غرو أن يأمر الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يستوصوا بأسرى بدر خيرا.

وأما التعامل مع الشعوب بعد هزيمتها، فلا يجوز أن تُنتقَص كرامتها، أو يستخفَّ بحرمتها، أو تُهدر دماؤها، أو تُستحلَّ أعراضها، أو يُعتدَى على معابدها أو مقدساتها، أو تُصادَر في حرية عبادتها.

ولا يجوز للمسلمين إذا نصرهم الله على عدوهم، ومكَّن لهم في الأرض: أن ينهجوا نهج الكفار الذين نصرهم الله عليهم، ويمضوا على نفس سيرتهم في إفساد البلاد، وإذلال العباد، وتسخير الشعوب، فهذا مما يسخط الله تعالى عليهم.

روى الإمام أحمد، عن حذيفة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن قوما كانوا أهل ضعف ومسكنة، قاتلهم أهل تجبُّر وعداء، فأظهر الله أهل الضعف عليهم، فعمدوا إلى عدوهم، فاستعملوهم وسلَّطوهم، فأسخطوا الله عليهم إلى يوم القيامة" [4[

قال ابن كثير: (ومعناه: أن هؤلاء الضعفاء لما قدروا على الأقوياء فاعتدوا عليهم، فاستعملوهم (استخدموهم واستعبدوهم) فيما لا يليق بهم: أسخطوا الله عليهم بسبب هذا الاعتداء. قال: والأحاديث والآثار في هذا الباب كثيرة جدا)[5[

ومعنى "سلَّطوهم": أي سلَّطوهم على مَن يريدون الانتقام منه، كأنما اتَّخذوهم أدوات في تنفيذ أغراضهم، وإن لم تكن مشروعة ولا مقبولة عند الله.

وهكذا فتح المسلمون بلاد الفرس والروم: في العراق وفارس والشام ومصر، وشمال إفريقية، فكان فتحهم فتح عدل ورحمة وعمارة وإحسان، ولم يكن فتح تخريب وتدمير، أو فتح قهر واستغلال، وبطش وجبروت، بل قال جوستاف لوبون وغيره: ما عرَف التاريخ فاتحا أعدل ولا أرحم من العرب. يعني: المسلمين[6[

وهكذا رأى الناس الفاتحين المسلمين، وقد خضعت لهم الشعوب، وفتحت لهم أبواب المدن، فلم يُعرَف أن أحدا منهم اعتدى على معبد، أو استقوى على ضعيف، أو طمع في مال تاجر أو ثري، أو غرَّه جمال امرأة فانتهك حرمتها، أو تطلَّع إلى ما لا يحلُّ له من البلاد المفتوحة، بل كان ما يغنمه من الجواهر والحلي والكنوز الثمينة من قصور الملوك والأمراء، يؤدِّيه إلى قائده بأمانة بالغة، حتى قال عمر حين أرسل إليه بعض ما غنم من قصور كسرى: إن قوما أدَّوا هذا لأمناء [7[!!

وتتمثَّل أخلاقيات القتال أو الحرب في الإسلام في المبادئ التالية:

• ( 1 ) تحريم العدوان:

أول هذه المبادئ: تحريم العدوان على الغير، فقد نهى الله تعالى عنه بصريح القرآن حين قال: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة:190[

وقد فُسِّر الاعتداء المنهي عنه هنا بأمرين:

الأول : إما بقتال غير المسلمين الذين لا يقاتلون المسلمين، ولا يعادونهم، أو يظاهرون عليهم عدوا.

والثاني : وإما بقتل النساء والأطفال والشيوخ الضعفاء والزَّمنَى والعميان وأمثالهم ممَّن ليسوا من أهل الحرب والقتال، وليس لهم فيها مشاركة ببدن ولا رأي. وهو مروي عن ابن عباس، وعمر بن عبد العزيز، والحسن البصري، ومقاتل بن حيان، وغيرهم[8[

وقد قال بعض المفسِّرين : إن هذا منسوخ بآية السيف، وقال ابن تيمية: إن الاعتداء هو الظلم، والله تعالى لا يبيح الظلم قط[9[

وقد قال تعالى في الحديث القدسي الصحيح: "يا عبادي إني حرَّمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرَّما، فلا تظالموا"[10[

ثم إن هذا النهي معلَّل بعِلَّة لا تقبل النسخ، وهي قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة:190]، وهذا خبر عن الله تعالى، ومن المقرَّر أن الأخبار لا تنسخ، لأن هذا يدخل في باب الكذب، والله تعالى لا يكذب: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً} [النساء:87].

ولا يبيح القرآن للمسلمين أن يعتدوا، أو يتعاونوا على العدوان، بسبب شنآن الأعداء – أي شدَّة البغض – سواء كان هذا البغض منهم للمسلمين، أو من المسلمين لهم، أو من الطرفين بعضهما لبعض، ولو أدَّى هذا البغض والشنآن إلى صدِّ المسلمين عن المسجد الحرام بغير حقٍّ، كما حدث في الحديبية، حين كان المسلمون يريدون أداء العمرة تعبُّدا لله، كما يؤدِّيها غيرهم من سائر العرب، فصدَّتهم قريش عن وِجهتهم، يقول تعالى: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة:2[

كلُّ ما أجازه الإسلام هنا: الردَّ على العدوان بمثله، كما قال تعالى: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة:194[

وإنما سُمِّى الردُّ على الاعتداء اعتداءً، من باب (المشاكلة) – كما يقول علماء البلاغة – لأن الردَّ على الاعتداء بمثله، ليس اعتداء في الحقيقة، وإنما هو من باب العدل. ومثله قوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى:40]. فسَمَّى جزاء السيئة سيئة، وهي ليست كذلك في واقع الأمر.

والإسلام هنا ينظر إلى الإنسان والحياة نظرة واقعية، ولا يقتصر على النظرة المثالية في عَلاقات الأفراد بعضهم ببعض، وهو ما روي عن المسيح أنه قال: (مَن ضربك على خدِّك الأيمن فأَدِر له خدَّك الأيسر)، فهذا قد يصلح للعَلاقات الفردية المثالية، ولا يصلح في عَلاقات الدول بعضها ببعض.

على أن بعض الأفراد قد لا يصلح لهم هذه المعاملة المثالية، فبعض الأشرار إذا أدرت له خدَّك الأيسر صفعك عليه، وجرَّأه الحلم والعفو على التمادي في الشرِّ والأذى.

لهذا كانت نظرة الإسلام هي الأوفق والأصلح: أنه شَرَع العدل، وحثَّ على الإحسان والفضل. فقال تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [الشورى:40]، وقال سبحانه: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} [النحل:126[

وبهذا وضع العدل في محله، والعفو والفضل في محله، بحسب مقتضى الحكمة، وقد قال أبو الطيب:

ووضع الندى في موضع السيف بالعلا … مضرٌّ ، كوضع السيف في موضع الندى!

• ( 2 ) لا يقتل إلا من يقاتل:

ومن أخلاقيات الحرب في الإسلام: تحريم قتل مَن لا يقاتل ولا يحمل السلاح، وهم الذين يسمُّونهم في عصرنا (المدنيين) من الأطفال والنساء والشيوخ الهرمين، والرهبان الذين يتعبَّدون في صوامعهم، والعميان الزَّمنَى (المَعُوقين من أصحاب العاهات الدائمة والعائقة) والفلاحين والتجار وأمثالهم.

روى البخاري، في كتاب الجهاد، في باب قتل الصبيان في الحرب: حديث ابن عمر: أن امرأة وُجدت في بعض مغازي النبي صلى الله عليه وسلم مقتولة، فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم: قتل النساء والصبيان[11[

وروى البخاري في الباب التالي: باب قتل النساء في الحرب، حديث ابن عمر نفسه من طريق آخر، قال: وُجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهى رسول الله عن قتل النساء والصبيان[12] . وقد روى مسلم الحديث بروايتيه.

ففي الرواية الأولى: أنكر قتل النساء والصبيان، وفي الرواية الثانية: نهى عن قتل النساء والصبيان. فهو إنكار معه نهي، أو نهي معه إنكار.

ولقد روى البخاري ومسلم، من طريق ابن عباس، عن الصَّعَب بن جَثَّامَة قال: مرَّ بي النبي صلى الله عليه وسلم بالأبواء – أو بوَدَّان – فسُئل عن أهل الدار يبيِّتون من المشركين، فيصاب من نسائهم وذراريهم؟ قال: "هم منهم"[13[

وفي رواية لمسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: لو أن خيلا أغارت من الليل، فأصابت من أبناء المشركين؟ قال: "هم من آبائهم" .

• نسخ حديث الصعب بن جثامة في قتل نساء وذرية المشركين :

وزاد الإسماعيلي في رواية هذا الحديث عن سفيان بن عيينة قال: وكان الزهري إذا حدَّث بهذا الحديث قال: وأخبرني ابن كعب بن مالك، عن عمه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث إلى ابن أبي الحُقَيق: نهى عن قتل النساء والصبيان[14] . انتهى.

قال الحافظ: (وهذا الحديث أخرجه أبو داود بمعناه من وجه آخر، عن الزهري. وكأن الزهري أشار بذلك إلى نسخ حديث الصَّعب. وقال مالك والأوزاعي: لا يجوز قتل النساء والصبيان بحال، حتى لو تترَّس أهل الحرب بالنساء والصبيان، وتحصَّنوا بحصن أو سفينة، وجعلوا معهم النساء والصبيان: لم يجُز رميهم ولا تحريقهم)[15] .

وقد أشار الحافظ إلى أن رواية أبي داود للحديث (الذي يقول عن النساء والذراري: "هم منهم") تُبيِّن أنه منسوخ بوضوح، فقد ذكر عن سفيان (قال الزهري: ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك عن قتل النساء والصبيان)[16] .

وأكَّد ذلك بنهيه صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد عن قتل الذراري والعُسَفاء (أي الأجراء والتابعين(

فقد روى أبو داود وابن ماجه، عن رباح بن ربيع قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة، فرأى الناس مجتمعين على شيء، فبعث رجلا فقال: "انظر: علام اجتمع هؤلاء؟". فجاء فقال: على امرأة قتيل. فقال: "ما كانت هذه لتقاتل!" قال: وعلى المقدمة خالد بن الوليد، فبعث رجلا، فقال: "قل لخالد: لا يقتلنَّ امرأة ولا عسيفا"[17[

• سنة الخلفاء في تحريم قتل النساء والصبيان :

يؤكد هذا: ما رواه مالك في (الموطأ)، عن أبي بكر الصديق: أنه أوصى يزيد بن أبي سفيان – أحد قوَّاده إلى الشام – فكان مما قال له: إنك ستجد قوما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله (يعني: الرهبان) فدَعهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له. وإني موصيك بعشر: لا تقتلن امرأة ولا صبيا ولا كبيرا هرِما… [18]الخ.

فهذا يدلُّ على أن سنة الخلفاء الراشدين: تحريم قتل النساء والصبيان والشيوخ الهرمين. وكذلك راعى ذلك خامس الراشدين عمر بن عبد العزيز، كما روى عنه ذلك مالك في موطئه[19] ، مما يدلُّ على استمرار ذلك النهج طيلة القرن الأول.

• الجمع بين الحديثين :

على أن الذين لم يقولوا بنسخ حديث الصَّعب بن جَثَّامَة في أن الذراري من آبائهم، وجمعوا بين الحديثين: الحديث الذي يجيز والحديث الذي ينهى، قالوا: قوله: "هم منهم"، أي في الحكم في تلك الحالة، وليس المراد إباحة قتلهم بطريق القصد إليهم، بل المراد – كما قال الإمام الخطابي – بيان جواز (قتلهم في البيات وفي الحرب، إذا لم يتميَّزوا من آبائهم، وإذا لم يتوصَّل إلى الكبار إلا بالإتيان عليهم. وأن النهي عن قتلهم ينصرف إلى حال التميز والتفرق)[20[

والخلاصة: أن جمهور فقهاء المسلمين يحرِّمون قتل النساء والصبيان والشيوخ الكبار، ومثلهم الزَّمنَى والعميان والرهبان ومَن في حكمهم من كلِّ مَن لا يباشر القتال. ومَن أجاز منهم قتل النساء والصبيان ومن في حكمهم، فإنما يجيزه تبعا لا قصدا، بحكم ضرورات الحرب، كما يدلُّ عليه مجموع الأحاديث.

قال العلاَّمة ابن قدامة في (المغني): (ولا تقتل امرأة، ولا شيخ فانٍ. وبذلك قال مالك، وأصحاب الرأي (أي: أبو حنيفة وأصحابه). وروي ذلك عن أبي بكر الصديق، ومجاهد. وروي عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَلا تَعْتَدُوا} [البقرة:190]. يقول: لا تقتلوا النساء والصبيان والشيخ الكبير[21] .

• مناقشة مذهب الشافعي في جواز قتل شيوخ المشركين :

وقال الشافعي، في أحد قوليه، وابن المنذر: يجوز قتل الشيوخ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "اقتلوا شيوخ المشركين، واستحيوا شرخهم" (جمع شارخ، وهو: الشاب). رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح[22] . ولأن الله تعالى قال: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة:5]. وهذا عام يتناول بعمومه الشيوخ.

قال ابن المنذر: لا أعرف حُجَّة في ترك قتل الشيوخ يستثنى بها من عموم قوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ}. واحتجَّ ابن قدامة على الشافعي: بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقتلوا شيخا فانيا، ولا طفلا، ولا امرأة". رواه أبو داود في سننه[23[

وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: أنه أوصى يزيد حين وجَّهه إلى الشام، فقال: لا تقتل صبيا، ولا امرأة، ولا هرِما[24[

وعن عمر: أنه أوصى سَلَمَة بن قيس فقال: "لا تقتلوا امرأة، ولا صبيا، ولا شيخا هِمًّا". (الهِمُّ: الكبير الفاني) رواهما سعيد[25[

ولأنه ليس من أهل القتال، فلا يُقتَل، كالمرأة. وقد أومأ النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه العِلَّة في المرأة، فقال: "ما بالها قُتلت، وهي لا تقاتل؟".

والآية {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} مخصوصة بما روينا، ولأنه قد خرج من عمومها المرأة، والشيخ الهِمُّ في معناها، فنقيسه عليها.

وأما حديثهم، فأراد به الشيوخ الذين فيهم قوة على القتال، أو معونة عليه، برأي أو تدبير، جمعا بين الأحاديث، ولأن أحاديثنا خاصة في الهرِم، وحديثهم عام في الشيوخ كلهم، والخاص يقدم على العام، وقياسهم ينتقض بالعجوز التي لا نفع فيها.

قال ابن قدامة: ولا يقتل زَمِن ولا أعمى ولا راهب، والخلاف فيهم كالخلاف في الشيخ، وحجَّتهم ههنا حجَّتهم فيه.

ولنا: في الزمن والأعمى: أنهما ليسا من أهل القتال، فأشبها المرأة. وفي الراهب: ما روي في حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه، أنه قال: وستمرون على أقوام في الصوامع … فدعوهم حتى يميتهم الله على ضلالهم. ولأنهم لا يقاتلون، تديُّنا، فأشبهوا مَن لا يقدر على القتال)[26] انتهى.

• جواز قتل الشيوخ والنساء والزمنى إذا قاتلوا أو أعانوا برأيهم :

قال ابن قدامة: (ومن قاتل ممَّن ذكرناهم جميعهم، جاز قتله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قتل يوم قريظة امرأة ألقت رحًا على محمود بن مسلمة[27] . ومَن كان من هؤلاء الرجال المذكورين ذا رأي يعين به في الحرب، جاز قتله؛ لأن دُرَيد بن الصِّمَّة قتل يوم حنين، وهو شيخ لا قتال فيه، وكانوا خرجوا به معهم، يتيمنون به، ويستعينون برأيه، فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم قتله[28] . ولأن الرأي من أعظم المعونة في الحرب، وقد جاء عن معاوية، أنه قال لمرْوان والأسود: أمددتما عليًّا بقيس بن سعد[29] . وبرأيه ومكايدته، فوالله لو أنكما أمددتماه بثمانية آلاف مقاتل، ما كان بأغيظ لي من ذلك[30[

وعلَّق ابن قدامة على قول الخِرَقي في مختصره: (ومَن قاتل من هؤلاء – أي الصبيان أو النساء أو المشايخ أو الرهبان – في المعركة، قُتلوا). فقال في شرحه:

(لا نعلم فيه خلافا. وبهذا قال الأوزاعي، والثوري، والليث، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وقد جاء عن ابن عباس، قال: مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة مقتولة يوم الخندق، فقال: "مَن قتل هذه؟". قال رجل: أنا يا رسول الله. قال: "ولم؟". قال: نازعتني قائم سيفي. قال: فسكتَ[31] . ولأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على امرأة مقتولة، فقال: "ما بالها قُتلت، وهي لا تقاتل". وهذا يدلُّ على أنه إنما نهى عن قتل المرأة إذا لم تقاتل، ولأن هؤلاء إنما لم يُقتلوا لأنهم في العادة لا يقاتلون)[32] انتهى.

وقول ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافا: غير مسلَّم، فقد ذكر الحافظ في (الفتح): أن ابن حبيب من المالكية قال: لا يجوز القصد إلى قتل المرأة إذا قاتلت، إلا إن باشرت القتل وقصدت إليه. قال: وكذا الصبي المراهق. وأيَّد الحافظ قول الجمهور بما أيَّده به ابن قدامة من حديث: "ما كانت هذه لتقاتل". فإن مفهومه: أنها لو قاتلت لقُتلت. قال: واتَّفق الجميع على منع القصد إلى قتل النساء والصبيان[33[

• ترجيح قول الجمهور في قتل المرأة المقاتلة :

وقول الجمهور هو الأقرب إلى المنطق، وهو الذي يعالج الواقع في عصرنا، فنحن نرى اليوم الكِيان الصهيوني الذي اغتصب أرضنا، وشرَّد أهلنا في فلسطين: يقوم جيشه على الرجال والنساء جميعا من مجنَّدين ومجنَّدات، فهذا النوع من النساء المقاتلات، لا يُعامَل إلا كما يُعامَل كلَّ جندي مسلَّح.

• حكم قتل المرضى والفلاحين :

قال ابن قدامة: (فأما المريض، فيُقتل إذا كان ممَّن لو كان صحيحا قاتل، إلا أن يكون مأيوسا من بُرئه، فيكون بمنزلة الزَّمِن، لا يُقتل؛ لأنه لا يخاف منه أن يصير إلى حال يقاتل فيها.

قال: فأما الفلاح الذي لا يقاتل، فينبغي ألا يُقتل؛ لما روي عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أنه قال: اتقوا الله في الفلاحين، الذين لا ينصبون لكم الحرب[34] . وقال الأوزاعي: لا يقتل الحَرَّاث، إذا علم أنه ليس من المقاتلة. وقال الشافعي: يُقتل، إلا أن يؤدِّي الجزية؛ لدخوله في عموم المشركين.

ولنا: قول عمر، وأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقتلوهم حين فتحوا البلاد، ولأنهم لا يقاتلون، فأشبهوا الشيوخ والرهبان)[35] انتهى

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
+ posts

أخبار ذات صلة

دُسْتُورُ الأَنْعَامِ.. وَمَيْدَانُ الأَعْرَافِ

دُسْتُورُ الأَنْعَامِ.. وَمَيْدَانُ الأَعْرَافِ (مِحْرَابُ التَّدَبُّرِ: قُطُوفٌ مِنْ خَوَاطِرِ الجُزْءِ

لجنة الثوابت والفكر الإسلامي بالاتحاد تنظم ندوة دولية بعنوان «هجرة النبي ﷺ: بناء وتجديد»

تنظم لجنة الثوابت والفكر الإسلامي بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ندوة

دعوة إبراهيم -عليه السلام- إلى إفراد الله بالعبادة وطلب الرزق

دعوة إبراهيم -عليه السلام- إلى إفراد الله بالعبادة وطلب الرزق

100%