آخر الأخبار

الأستاذ عبد الحليم أبو شقة

شارك المقال على :

الأستاذ عبد الحليم أبو شقة
راهب العلم والفكر والدعوة
رجل فقدناه, والرجال قليل
(1343- 1416هـ = 1924- 1995م)
{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} [الأحزاب:33] صدق الله العظيم.
فقدت الحركة الإسلامية, والصحوة الإسلامية, بل الأمة الإسلامية: أحد الرجال الأفذاذ, الذين عاشوا حياتهم لله, ونذروا أنفسهم ومواهبهم وملكاتهم لله تعالى, ولنصرة دينه, والنهوض بأمته. من الذين آثروا أن يعملوا في صمت, يبنون في هدوء, ويشاركون في صنع التاريخ, بعيدًا عن الصخب الذي يصك الأسماع, والبريق الذي يخطف الأبصار, ونصب أعينهم قول الله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ} [الأنعام:163, 162].
إنه أبو عبد الرحمن الأستاذ عبد الحليم أبو شقة, الذي وافاه أجله صباح الاثنين الثالث والعشرين من ربيع الآخر 1416هـ, الثامن عشر من سبتمبر (أيلول) 1995م.
لقد عرفت عن قرب, فعرفت فيه مجموعة من المكارم والفضائل, قل أن تجتمع في إنسان.
لقد عرفت فيه رجلًا سلفي العقيدة, نقي الإيمان, لا تعرف الخرافة ولا الشركيات إلى عقله سبيلًا.
عرفته ربانيًا الأخلاق والسلوك, فهو قوي المراقبة لربه, شديد المحاسبة لنفسه, طويل الوقوف بين يدي مولاه, يطيل الركوع والسجود تلذذًا بالمناجاة.
ومع هذا يرى أن الإسلام يذكر الرهبانية المبتدعة, والصوفية المنحرفة, ويقرر أن ليس هناك تعارض بين الطموح إلى السمو الروحي وبين تناول متع الحياة الدنيا المشروعة, بل هناك تكامل وتوازن.
عرفته عن قرب واتصال وثيق بين أسرتي وأسرته, فعرفت فيه الزوج الكريم مع أهله, والأب البار بأولاده, والقريب الوصول لقرابته, والجار المحسن لجيرانه, والأخ المؤثر لإخوانه, والوطني الغيور على وطنه, والعربي الحريص على عروبته, والمسلم الصادق في إسلامه, والإنسان الكريم في إنسانيته.
عرفته رجلًا سليم الصدر لا يحقد على أحد, ولا يضمر لأحد غلًا ولا شرًا.. عف اللسان, لا ينطق بكلمة فحش لا جدًا ولا هزلًا, ولا يذكر أحدًا بسوء لا حضورًا ولا غيبةً.. سخي النفس لا يضن بجهد ولا مال في سبيل الحق الذي يؤمن به, حييًا يخجل من أي نكتة خارجة, ويحمر وجهه خجلًا من أي كلمة منكرة, يهوى النقاش العلمي ويسعى إليه ويحرض عليه, ولكنه لا يطيق جو المراء والجدال ولدد الخصومة, وإذا سخن الجو في معركة جدلية آثر الانسحاب.
مربيًا بالفطرة والدراسة والخبرة, يحمل أبدًا روح الأبوة الحانية, والإيجابية البانية, والأستاذية الهادية, مجاهدًا في سبيل الحق والخير والهدى, لا يدخر وسعًا, لا يبخل بجهد ولا بنفس ولا مال لنصرتها, ذا ملكة نقدية تكتشف العوج بيسر, وتلاحظ الخطأ بسهولة, ولكنها تحاول العلاج, وتجتهد في التقويم.
متسامحًا سهلًا, هينًا لينًا, يكره العنف, ويذكر الغلطة والفظاظة, ويدعو بالحكمة والموعظة الحسنة, ويجادل بالتي هي أحسن, ويؤمن بالتفاهم والحوار مع الآخر, أيًا كان خلافه, في السياسة أو الفكر, أو العقيدة, ويعجبه أسلوب الجماعة الإسلامية في باكستان في رفضها الاستراتيجي للعنف بأي طريقة.
وهو – مع هذه السماحة والسهولة – يحمل قبلًا يشتعل غيرة على دينه ووطنه وأمته, وعقلًا يتوهج تفكيرًا في مخارج لها من أزمتها, وإرادة صلبة لا تلين في مواجهة الباطل.
لقد عرفت الأستاذ عبد الحليم اسمًا منذ ما يقارب نحو نصف قرن, ثم رأيته وجهًا من أكثر من أربعين سنة في منزل العلامة المعروف الأستاذ محمود محمد شاكر, وقد كان يلقي بعض الدروس على نخبة من شباب الحركة الإسلامية, ولم يكن إلا اللقاء والمصافحة.
ثم عرفته عن كثب منذ أعرت إلى قطر سنة 1961م, وكان قد سبقني إليها بسنوات, فهو من الرعيل الأول الذين أسهموا في تأسيس النهضة  التعليمية في قطر, في رحاب الدوحة الفيحاء, تعارفنا وتآلفنا نحن وزوجاتنا وأولادنا, وكلما مضى الزمن ازدادت صلتنا توثقًا, كنا نلتقي باستمرار هو رحمه الله والإخوة: أحمد العسال, وحسن المعايرجي, ومصطفى الأعظمي, وانضم إلى المجموعة بعد عودته من لندن: الدكتور عز الدين إبراهيم, نلتقي لنتشاكى هموم الأمة, ونتدارس شؤون الفكر, وشجون الدعوة, ومسائل الساعة, وقضايا المصير.
وكان عبد الحليم أبدًا الرجل الهادئ الحكيم الذي يحمل الأمة في ساعة اليأس, ويبشر بالفجر في حلكة الليل, ولا ييئس من رَوْح الله أبدًا, وهو الرجل المتمسك بالحق لا يحيد عنه, ولا يبيعه بالباطل, بفتوى يفتيها لنفسه, بل كان – مع تسامحه مع الناس – شديدًا على نفسه.
زارنا في أوائل الستينيات في الدوحة الداعية الكبير السيد أبو الحسن الندوي, وجلسنا معه جلسة روحية دعوية شفافة, وكان فيما قاله لنا: إنه نصح أحد الدعاة المشاهير في ذلك الوقت أن يتجنب الطريق التي يسلكها فإنها خطرة, وقال الشيخ: لقد قلت له: ابتعد عن هذه السفينة, فإنها ستغرق!. وهنا قال الأخ عبد الحليم: وهل ستنجو هذه السفينة ولن تغرق, هل ركوبها صحيح ومشروع في الأصل أو لا؟
وهنا عرفت أن هذا الرجل رجل مبادئ وقيم, وليس رجل مكاسب ومصالح.
ولقد كان مديرًا لمدرسة الدوحة الثانوية, وكان معه أحد إخواننا المعلمين الأكفياء, فكان تقريره عنه أنه رجل بناء, لا يجد فكرة تبني وتنشئ إلا تبناها وتعهدها, واجتهد بعقله وعزمه أن يحولها إلى عمل مشهود, وواقع ملموس.
وأشهد أن هذه الكلمة التي شهد بها هذا الأستاذ أصابت كبد الحقيقة, وأنها (توصيف) لشخصية الرجل, الذي عاش عمره يحاول أن يبني ولا يهدم, وأن يجمع ولا يفرق, وأن يقوي ولا يضعف.
لقد نشأ في قلب الحركة الإسلامية الأم – حركة الإخوان المسلمين – وتتلمذ مباشرة على إمامها ومؤسسها الشهيد حسن البنا, جلس إليه, واستمع منه, وصحبه وسأله وأجابه, واقترب من كبار الإخوان, ودخل النظام الخاص, واتهم في بعض قضاياه, ودخل السجن, وأصابه ما أصابه من التعذيب. ولا غرو أن كان لديه رصيد غير قليل من التجربة في العمل الحركي, وأهميته وثماره, ونواقصه أيضًا. وقد شكا إلى مرشده الأستاذ حسن البنا في أواخر حياته ما يشعر به من أن التنظيم الخاص يشكو الجفاف الروحي, وأنه في حاجة إلى دفقات روحية لترطيب هذا الجفاف, وأقره الأستاذ على قوله, ووعده خيرًا, ولكن الأحداث كانت أسرع, والقدر كان أعجل, {إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [نوح:4].
كان الفقيد رحمه الله يعيش في دولة قطر, طيب العيش, هادي البال, مستقر الحال, في مركز جيد, وبمرتب جيد, فقد كان مديرًا للمدرسة الثانوية الوحيدة في ذلك الوقت, وكان موضع التجلة والتقدير من الجميع, ولكنه عزم وصمم على الاستقالة من عمله, وتغيير مسار حياته. فالعمل الوظيفي يستهلك وقته وجهده, وهو في حاجة إلى هذا الوقت, وهذا الجهد, للعمل العلمي, إنه يريد أن يتحرر من أعباء الوظيفة ليتفرغ لأعباء الفكر. وما ادخره من مال في تلك السنوات التي عملها في قطر يمكن توظيفه في عمل حر مناسب يشرف عليه, ولكن يكله إلى من يقوم بإدارته. وكان هذا العمل الذي اختاره قريبًا مما يشغل به نفسه, هو (النشر), فأنشأ (الدار الكويتية) للنشر, ثم رأى أن يسميها (دار القلم), واختار الكويت مقرًا له في أول الأمر, لما فيها من الانفتاح والتحرر والنشاط الثقافي, ثم لما تنفست مصر أنسام الحرية في أوائل عهد الرئيس السادات, رأى أن الأولى به المقام بمصر, فهي مصدر التأثير في العالم العربي, بل العالم الإسلامي كله.
كان الناس يستغربون من تصرف هذا الرجل, الذي ترك الوظيفة المرموقة, والمرتب المغري في الخليج, في حين يلهث الكثيرون هنا وهناك, في سبيل الحصول على موضع ما, في تلك البلاد!..
ولكن صاحب الرسالة يفكر في غير ما يفكر فيه العامة من الناس, على أن الله قد عوضه بالعمل الحر خيرًا {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق:3,2].
كان أعظم ما يشغله تقويم الفكر, وتصحيح المفاهيم, وتكوين حركة عقلية واعية ناقدة داخل الحركة الإسلامية, وكان هذا ما يثيره مع إخوانه المقربين منه كلما جلس إليهم أو جلسوا إليه. وكان ما يهمه أكثر هو الآليات التي يحقق بهذا الهدف الكبير.
وكان من الوسائل التي انتهى إليه تفكيره مع مجموعة من خاصة إخوانه: إخراج مجلة فكرة عصرية ذات مستوى رفيع, تهتم بمشكلات الأمة, وقضايا الكبرى, وأزمة الفكر الإسلامي والحركة الإسلامية, من منطلق الشريعة والنظرة الإسلامية الأصيلة, وفي ضوء اجتهاد عصري, لا يتعصب لقديم, ولا يتعبد لجديد.
كانت هذه هي المجلة التي تمثلت في (المسلم المعاصر) فهو في الحقيقة الأب الأول لفكرتها, والذي لم يزل يدعو إلى اجتماع بعد اجتماع في بيروت, وفي الكويت, وفي غيرهما, حتى خرجت إلى حيز الوجود.
وكان له في أعدادها الأولى إسهام قوي مباشر, عرفه الناس من خلالها صاحب قلم حر وفكر مستقل, وعقل نقاد, كما يتجلى ذلك في مقالتيه عن (أزمة العقل المسلم المعاصر) وعن (أزمة الخلق المسلم المعاصر).
ولخلاف في سياسة التحرير مع رئيس التحرير ترك المجلة لأخيه وصديقه الدكتور جمال الدين عطية, لأن من طبيعته ألا يعمل إلا في جو صاف من كل خلاف.
قد بدأ يكتب في عدة اتجاهات أفكارًا وخواطر متناثرة, حول (التربية) وحول (الحركة الإسلامية) وحول (العمل الفكري) من منظوره الإسلامي, ومن منطلق المعاناة والشعور بالنواقص والعوائق, والتطلع إلى الكمال.
ثم بدا له موضوع (المرأة), وما آل عليه أمرها من الإفراط والتفريط, أو بين الجاهليتين؛ جاهلية التقليد الأعمى للآباء, وخصوصًا في عصور التخلف الحضاري, والانحراف عن الإسلام. وجاهلية التقليد الأعمى للغرب, التي تريد أن تذيب الحدود بين الرجل والمرأة, وبين الحلال والحرام وحاجة المرأة إلى التحرر من ربقة الجاهليتين معًا, والعودة إلى الإسلام الصحيح, وإلى الكتاب والسنة لمعرفة هدي الله, ثم تنزيل هذا الهدي على الواقع المعاصر, حتى يستقيم على أمر الله, وهذا هو التجديد المنشود في قضايا المرأة.
ولقد استغرق هذا الموضوع جل جهده وفكره ووقته, وطفق يراجع في كتب السنة جميعها فوجدها بحرًا زاخرًا, فاكتفي بالصحيحين, ووجد فيهما – مع القرآن الكريم – ضالته التي ينشد, لا يأخذ من غيرهما إلا أحيانًا.
وقد عاش لهذا الكتاب ما يقرب من عشرين عامًا, يقرأ ويبحث ويلاحظ ويسجل, ولا يكتب فصلًا من فصوله إلا عرضه عليّ, لأبدي ملاحظاتي عليه, وفي الغالب كان يأخذ بها أو يناقشني فيها. ولم أكن أنا وحدي الذي يشاوره في ذلك, فهناك أكثر من واحد, ولكنه كان يقول: مراجعتهم مستحبة, ومراجعتك واجبة.
وخرج الكتاب بأجزائه الستة, موسوعة إسلامية معاصرة في قضايا المرأة, وسماه (تحرير المرأة في عصر الرسالة) يرد بذلك على مؤلف (تحرير المرأة), وهو قاسم أمين, كأنما يقول له: إن المرأة قد حررتها رسالة الإسلام منذ أربعة عشر قرنًا.
وكان للكتاب صدًى واسعٌ في الأوساط العلمية والإسلامية المختلفة في مصر, وفي العالم العربي كله, بل وفي العالم الإسلامي على امتداده, وكتبت عنه المجلات والصحف, وعقدت ندوات بشأنه شاركت في بعضها, وكان الكتاب مفاجأة للكثيرين ممن لم يعرفوا مؤلف من قبل عن كثب. أما الذين عرفوه فقد علموا أن الشيء من معدنه لا يستغرب {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ} [الأعراف:58].
وبعد صدور الكتاب لم يأل الأستاذ رحمه الله أن يستمع إلى ملاحظات القراء والدارسين, وأن يسعى بنفسه إلى كل من عنده ملاحظة على الكتاب ليناقشه فيها, وهو مستعد – إن ظهر له الحق – أن يرجع عن رأيه وهو راض كل الرضا, وهو صادق في ذلك فيما عملته عنه.
وكم أسف – رحمه الله – أن الإخوة السلفيين رفضوا كتابه رفضًا كليًا, وحاول أن يلقي بعضهم ليحاورهم في المسائل التي يخالفون فيها, فأبوا أن يلقوه مجرد اللقاء, وأن يسمحوا بمجرد قراءة الكتاب, وقد علق على ذلك الشيخ الجليل علي الطنطاوي بأنهم بهذا يرفضون القرآن والبخاري ومسلمًا, فليس في الكتاب أكثر من هذا!.
وبلغه أن أحد الإخوة من العلماء الدعاة المعروفين لديه ملاحظات على الكتاب فأرسل إليه يطلب لقاءه أين شاء, ومتى شاء, ليستمع منه إلى ملاحظاته, وكان ذلك في هذا الصيف, ويبدو أن هذا اللقاء لم يتم.
واقترح عليه كثيرون أيضًا أن يختصر الكتاب, حتى يسهل على الكثيرين اقتناؤه, وتسهل قراءته أيضًا, ففعل ذلك, وأخرج منه ثلاثة أجزاء, وأحسب أن الأجزاء الباقية مهيأة للطباعة والله أعلم.
ولكنه في لقاء قريب معي قال: إن هذا الاختصار في حاجة إلى اختصار أيضًا, ليخرج كل جزء في رسالة صغيرة.
ولعل بعض أحبائه وتلاميذه ومنهم هبة رؤوف عزة تقوم بهذا الأمر, وتحقق للفقيد أمله في قبره, رحمه الله.
كان يقول: أريد أن أنهي موضوع المرأة وأغلق ملفه إن أمكن, لأتفرغ للقضايا المهمة الأخرى. وخصوصًا قضايا الدعوة الإسلامية, والحركة الإسلامية. وعنده فيها أشياء وأفكار وأطروحات, بعضها مكتوب في صورة مسودات, وبعضها خواطر قد تكون مرتبة أو متناثرة في القرطاس, أو أفكار مركوزة في الرأس.
وقد عرض بعض هذه المسودات على عدد من إخوانه, وأنا منهم, كما عرض بعض الأفكار في (مركز الدراسات الحضارية) وقد ناقشناه في أفكاره, وطلبنا إليه أن يعرضها في (مركز الدراسات الحضارية) وقد ناقشناه في أفكاره, وطلبنا إليه أن يعرضها بصورة أوسع, وبعد دراسة المحقق, في ندوة أكبر, فوعد بذلك.
ومن هذه الأفكار أن شمول الفكرة لا يستلزم شمول الحركة, وأن الخير للحركة الإسلامية أن تتفرغ للعمل الدعوي والتربوي وتحسينه, وتعمل على إنشاء الجيل المؤمن المنشود حقًا, وأن يقوم بالسياسة حزب ولاؤه للإسلام, تؤيده الحركة, ولكنها ليست مسئولة عنه, فإن للسياسة رجالها, وللدعوة والتربية رجالها, وكل ميسر لما خلقه الله.
المهم أن الرجل كان رجل إصلاح وبناء, وكان عقله ولودًا, يلد الأفكار الإيجابية البناءة, وكان عنده من الإرادة والصبر والمتابعة ما يجعله يجتهد في نقل الأفكار إلى أعمال.
وكان لا يسمع بفكرة جيدة إلا شجع صاحبها, ولا يقرأ مقالة أصيلة في مجلة, إلا كتب لصاحبها, يشد على يديه, وربما ذهب لزيارته في بيته وهنأه على مقالته, وسأله المزيد والاستمرار في هذا الاتجاه.
ولا يسمع بشاب نابه ذي فكر ورأي, إلا فتح له بيته ومكتبته, وفتح له صدره وقلبه, وقد يساعده ماديًا إن احتاج إلى مساعدة, دون منٍّ ولا أذى, بل دون أن يعلم أحد.
وكان جهده – غير المنظور- وراء البيان الذي أصدره الدكتور أحمد كمال أبو المجد, معلنًا فيه عن ميلاد تيار إسلامي جديد, له توجهاته وخصائصه, وقد ترك بصماته عليه في أكثر من موضع, وأشار إلى ذلك صاحب البيان حفظه الله وإن لم يذكر أسماء.
وكان من مظاهر اهتمامه بالعمل الفكري العمل على تكوين جمعية رسمية تتفرغ لهذا الأمر, وتعطيه حقه من الوقت والجهد, والتأمل والدراسة, وتجمع صفوة المهتمين بهذا الأمر. وهي التي تقوم ببحث القضايا الكبيرة, التي تفتقر إليها الحركة الإسلامية في مسارها, فهي تأخذ منها مدروسة مبلورة مصفاة, وعليها تبني سياساتها وقراراتها, وتعد مناهجها وأنظمتها.
كما أنها تبصر الأمة في قضاياها المصيرية, وتعمل على توحيد المفاهيم الكبرى ما استطاعت, وقد جمع لهذه الجمعة عددًا من المؤسسين من رجال العلم والفكر المشغولين بهموم هذه الأمة, ومسيرة الدعوة, واجتهد أن يحصل على تصريح بإقامتها في مصر, فلم يوفق, فذهب إلى أمريكا وأروبة, حتى استطاع أن يسجلها في باريس باسم (جمعية تجديد الفكر الإسلامي) على ما أذكر. وكان يبذل لهذه الجمعية من ماله وجهده, دون أن يذكر ذلك لأحد.
وقد كان يشغله أمر هذه الجمعية وتنشيطها إلى حد كبير, وتحدث معي في ذلك ومع الأخ الدكتور أحمد العسال, ومع الأستاذ فهمي هويدي, والدكتور سيد دسوقي وكثير من مؤسسي الجمعية, وقد زارني قبل رحلتين الأخيرة إلى أمريكا في أول سبتمبر (أيلول) من أجل هذه القضية خاصة.
قال: لا بدَّ أن تضع يدك في يدي لنعمل على تنشيط الجمعية, حتى تقوم بواجبها, وتحقق ما نرجوه منها, ولا بدَّ أن يفرغ لها بعض الرجال القادرين تفريغًا كاملًا, وبعضهم نصف تفريغ, وبعضهم قابل, وبعضهم يحتاج إلى سعي لإقناعه. وأشار إلى بعض الأسماء المرشحة, وقال: بدون التفريغ لن تنهض الجمعية بالعبء المنوط بها, ووعدته أن نتابع الموضوع بعد العودة من رحلة أمريكة.
ولقد كان ينتهز فرصة الإجازة الصيفية وحضوري وأمثالي إلى القاهرة لنلتقي باستمرار, ونتحدث في مشروعات المستقبل, وخاصة ما يتعلق بالفكر والتربية والثقافة.
وفي هذه الإجازة كانت عنده مشروعات طموحة, وآمال كبيرة, وأفكار حية, وجلسنا عدة مرات نتجاذب أطراف الحديث حولها, وإن كانت المتاعب الصحية قد بدأت تقلقه أكثر من ذي قبل.
وكان أهم ما يميزه هو روح التفاؤل والأمل التي لا تفارقه, وبالرغم من جؤارنا وصراخنا من الضربات الهائلة التي تكال للصحوة الإسلامية, ورغم المكايد الجهنمية التي تكاد للحركة الإسلامية, وبالرغم من الهجمة الشرسة التي هُجم بها على الأمة الإسلامية من شمال وجنوب, ومشرق ومغرب, وبالرغم مما يعانيه الإسلام من جهل أبنائه, وغياب علمائه, وكيد أعدائه وفساد أمرائه, وشح أغنيائه, وبالرغم من هذا كله, كان يقول: لا تحزن ولا تقنط, إن الصحوة غدت حقيقة واقعة, وإن أحدًا لن يستطيع أن يطفئ الشمس, {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ} [التوبة:32] يقول ذلك بثقة الموقن, ويقين الواثق, فتنتقل إليك الطمأنينة, وتحل في قلبك السكينة.
ومع هذا كان يحس بأن المنطقة كلها مقبلة على مرحلة من أخطر مراحل التاريخ, وأن الأمة الإسلامية في حاجة إلى أن تجمع كل قواها لتواجه الخطر, وأن الخلافات الإيديولوجية لا ينبغي أن تنسينا الوقوف في وجه هذا الخطر الزاحف بل الماحق, وأن كل عمل لتقريب (القوى الوطنية) بعضها مع بعض مطلوب شرعًتا في هذه المرحلة, قال: وأنا أستخدم تعبيرك هنا (فريضة وضرورة), قلت له: أنا أؤيد هذا, وقد شاركت في المؤتمر القومي الإسلامي الذي عقد في بيروت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي (2994م) كما شاركت في بيان لجنته التحضيرية من الجانب الإسلامي.
وكان من الأفكار التي طرحها رحمه الله: عقد ندوة أو (صالون ثقافي) يجمع بين الإسلاميين والقوميين والليبراليين وغيرهم من كل حريص على مصلحة الوطن ومصير الأمة.. وكان قد اقترح على الدكتور أحمد كمال أبو المجد أن يتبنى هذه الفكرة, وأن يكون ذلك في بيته. ولكنه قال: إن مشكلة الدكتور أبو المجد هي مشاغله وأسفاره التي لا تكاد تنتهي. واقترحت عليه أن تعرض الفكرة على الدكتور محمد سليم العوا فبيته مناسب, ولقد استقبل مثل هذا اللقاء قريبًا فيه. فقال: إنه عرضها على الأستاذ فهمي هويدي, ورحب بها, ومن دقته المعهودة زار بيت الأستاذ فهمي وأراه المكان ومدى سعته, ورآه مناسبًا, ولم يبق إلا التنفيذ, وهذا عرفته من الأستاذ فهمي.
وبعد عودتي من أمريكة زارني رحمه الله في المنزل, فوجدني متوعكًا, فقد أصبت بنزلة في برد في أمريكا ما زلت أعاني من أثرها, فلم يطل المكث معي, وخرج على أن نلتقي بعد, فلم يقدر لنا لقاء.
ولكنه بعد يومين كلمني من منزله, وقال: إنه قرأ فصل (اللهو والفنون) في كتابي (ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده) ولم يكن يحسبه بهذا المستوى من النصح والرشد والتأصيل, وأنه يوافق كل الموافقة الإخوة الذين اقترحوا أن ينشر في رسالة مفردة, فهو نفسه لم يلتفت إليه ضمن الكتاب الذي يبلغ أربع مئة صفحة, بل إنه يرى اتباع هذا الأسلوب مع كل القضايا المهمة في الكتب الكبيرة, بحيث تفصل في رسالة صغيرة الحجم, رخيصة الثمن.
كانت آخر وصاياه لي في هذه المكالمة: لا تدع الكلمة الرشيدة تكتبها, ولا الكلمة التي تلقيها. فمن الناس من يقرأ ولا يسمع, ومنهم من يسمع ولا يقرأ, ولا بدَّ أن تصل الكلمة الرشيدة إلى الفريقين, هذه رسالتك, أعانك الله عليها.

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
+ posts

أخبار ذات صلة

دُسْتُورُ الأَنْعَامِ.. وَمَيْدَانُ الأَعْرَافِ

دُسْتُورُ الأَنْعَامِ.. وَمَيْدَانُ الأَعْرَافِ (مِحْرَابُ التَّدَبُّرِ: قُطُوفٌ مِنْ خَوَاطِرِ الجُزْءِ

لجنة الثوابت والفكر الإسلامي بالاتحاد تنظم ندوة دولية بعنوان «هجرة النبي ﷺ: بناء وتجديد»

تنظم لجنة الثوابت والفكر الإسلامي بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ندوة

دعوة إبراهيم -عليه السلام- إلى إفراد الله بالعبادة وطلب الرزق

دعوة إبراهيم -عليه السلام- إلى إفراد الله بالعبادة وطلب الرزق

100%