اللهم بلغنا رمضان
الشيخ الدكتور تيسير رجب التميمي
الحلقة السادسة : أولويات الإنفاق في رمضان
الغنى نعمة عظيمة من نعم الله تعالى على المسلم ، لأنها تنمي عنده شعوراً بزيادة المسؤوليات التي يتحملها تجاه نفسه وأسرته ومجتمعه ودينه . وهو ليس فقط في المال وإنما أيضاً في الأخلاق والمشاعر والمواقف والعواطف ، فكما يحتاج الآخرون شيئاً من ماله فقد يكونون أحوج إلى مساندته النفسية ومؤازرته الروحية .
حث الإسلام على التبرع وفعل الخير وتقديم المعروف بكل صوره وأشكاله ؛ لأنه من التعاون المحمود الذي أمر الله تعالى به أن يسود في المجتمع ، قال تعالى { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } المائدة 2 ، والتبرع هو التفضل بما لا يجب عليه من العطاء عن اختيار وطواعية ومن غير سؤال وبغير عِوَض ، وهو من صور الإنفاق الذي ندبه الإسلام وحث عليه ، ففي الحديث النبوي أنه صلى الله عليه وسلم { أمر بالصدقة فقال رجل يا رسول الله عندي دينار فقال تصدق به على نفسك قال عندي آخر قال تصدق به على ولدك قال عندي آخر قال تصدق به على زوجتك أو قال زوجك قال عندي آخر قال تصدق به على خادمك قال عندي آخر قال أنت أبصر } رواه أبو داود .
فالإنفاق يكون أولاً على النفس ثم على الزوجة ثم على الأولاد الصغار ثم على الأبوين المعسرين ثم على الأقارب الآخرين ، وترتيب مستحقي النفقة يبدأ بالأقرب فالأقرب نسباً ، وإذا كانت في الأشد منهم عداوة فهي أفضل لتأليف قلوبهم وللبعد عن الرياء وكسر النفس , وألحق بهم الأزواج من الذكور والإناث , ثم الرحم غير المحرم كأولاد العم والخال ، ثم في الأقرب فالأقرب رضاعاً ثم مصاهرة ثم جواراً , ويقدم الجار الأجنبي على القريب البعيد عن دار المتصدق .
لا خلاف بين الفقهاء في جواز التصدق على الأقرباء والأزواج صدقة التطوع , قال صلى الله عليه وسلم { إذا أنفق المسلم نفقة على أهله وهو يحتسبها كانت له صدقة } رواه البخاري ، وقال أيضاً في حديث آخر { الصدقة على المسكين صدقة , وهي على ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة } رواه الترمذي ، وروى … { أن امرأتين أتيتا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالتا لبلال سل لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هل يجزئ أن نتصدق على أزواجنا ويتامى في حجورنا ؟ فقال نعم لهما أجران أجر القرابة وأجر الصدقة } رواه البخاري ، فالإنفاق على الأقارب فيه إغاثة الملهوف , وقضاء حوائج المحتاجين ورفع ضيق المعاناة عنهم .
وَالصدقة من صور الإنفاق ، وهي مستحبة إذا زادت عن حاجة المتصدق ، قال صلى الله عليه وسلم { خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول } رواه البخاري ، وهي آكد وأكثر استحباباً في شهر رمضان وأكثر ثواباً ، وفي أدائها إعانة للضعيف وقضاء لحوائجه وتمكينه وتقويته على أداء ما افترض الله عليه من التوحيد والعبادات . وهي شكر لله عز وجل على نعمه وسبب في زيادة الرزق قال تعالى { يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ } البقرة 276 ، وهي أيضاً دليل صحة إيمان مؤَديها وتصديقه ولذا سميت صدقة ، ومما وصف سبحانه وتعالى به المؤمنين قوله { الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } الأنفال 3 ، وقال أيضاً { إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ } الحديد 18 . وقال صلى الله عليه وسلم { أيما مؤمن أطعم مؤمناً على جوع أطعمه الله يوم القيامة من ثمار الجنة , وأيما مؤمن سقى مؤمناً على ظمأ سقاه الله يوم القيامة من الرحيق المختوم وأيما مؤمن كسا مؤمناً على عري كساه الله من خضر الجنة } رواه الترمذي ، وقال أيضاً { سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله … ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه } رواه البخاري
ويجوز دفع صدقة التطوع لغير المسلمين أيضاً وذلك لعموم قوله سبحانه { ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً } الإنسان 8 ، ولقوله صلى الله عليه وسلم { في كل كبد رطبة أجر } رواه البخاري .
ولا فرق في أحكام الصدقة بين الرجل والمرأة ، فيجوز للمرأة أن تتصدق من بيت زوجها للسائل وغيره إذا أذن الزوج لها أو إذا لم ينه عن ذلك ، قال صلى الله عليه وسلم { إذا أنفقت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة كان لها أجر ما أنفقت ولزوجها أجر ما اكتسب ولخازنه مثل ذلك لا ينقص بعضهم أجر بعض } رواه الترمذي
والمرأة البالغة الرشيدة لها أيضاً حقّ التصرف في مالها بالصدقة والإنفاق وغيرهما ؛ سواء أكانت متزوجة أم غير متزوجة . وعلى ذلك فالزوجة لا تحتاج إلى إذن زوجها في التصدق من مالها ولو كان بأكثر من الثلث والدليل على ذلك ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للنساء { تصدقن يا معشر النساء ولو من حليكن } رواه البخاري ، ولم يسأل ولم يستفصل , فلو كان لا ينفذ تصرفهن بغير إذن أزواجهن لما أمرهن النبي صلى الله عليه وسلم بالصدقة , ولا محالة أنه كان فيهن من لها زوج ومن لا زوج لها , ولأن المرأة من أهل التصرف , ولا حق لزوجها في مالها , فلم يملك الحجر عليها في التصرف به ولو بجميعه .
والأصل أن صدقة التطوع كالصدقات الواجبة تعطى للفقراء والمحتاجين وهذا هو الأفضل لقوله تعالى { أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ } البلد 16 ، وعلى الرغم من ذلك فهي تحل للغني لأنها كالهبة فتصح للغني والفقير على السواء ويستحق المتصدق بها الثواب ، فقد يكون الغني مالكاً للنصاب وله عيال كثيرة , والناس يتصدقون على مثل هذا لنيل الثواب . لكن يستحب للغني التنزه عنها , ويكره له التعرض لأخذها ; لأن الله تعالى مدح المتعففين عن السؤال مع وجود حاجتهم , فقال سبحانه { يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ } البقرة 273 ، ويكره له أخذها وإن لم يتعرّض لها .
والأفضل في صدقة التطوع أن تكون سراً , ولكنها تصح ويثاب عليها إن كانت في العلن , قال تعالى { إنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ } البقرة 271 ، وقال صلى الله عليه وسلم { سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله … ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه } رواه البخاري ، وقال أيضاً { وصدقة السر تطفئ غضب الرب , وصلة الرحم تزيد في العمر } رواه الترمذي .
ويحرم المن والأذى بالصدقة ففيهما إساءة كبيرة للفقير وكسر لنفسه وإراقة لكرامته وإيذاء له , لذا نهى الله عنهما لأنهما يبطلان الصدقات ويضيعان ثوابها ، فقال سبحانه وتعالى في ذلك { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَاَلَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ } البقرة 264 ، وقال قبلها أيضاً { الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ } البقرة 262
ومن الأوقات والأماكن التي تفضل فيها الصدقة ويعظُم أجرها شهر رمضان المبارك , فدفعها فِيه أفضل من دفعها في غيره لأن الحسنات تضاعف فيه ، ولأنّ النّاس فيه مشغولون بالطّاعة فلا يتفرّغون لمكاسبهم ، فتكون الحاجة فيه أشدّ , فقد { سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أَي الصدقة أفضل ؟ قال صدقة في رمضان } رواه الترمذي ، ولأن الفقراء فيه يضعفون ويعجزون عن الكسب بسبب الصوم . ومنها أيضاً الأيّام الفاضلة كعشر ذي الحجة وأيام العيد , ومن أفضل أماكنها المواضع الشريفة كمكة والمدينة وفي مواضع الجهاد ومشاعر الحج وعند الأمور المهمة كالكسوف والخسوف , ولكن لا يفهم من هذا أن من أراد التطوع بصدقة أو بر في رجب أو شعبان مثلا أن الأفضل له أن يؤخره إلى رمضان أو غيره من الأوقات الفاضلة , بل المسارعة إلى الصدقة أفضل بلا شك .
ويستحب استحباباً مؤكداً التوسيع على الأهل والعيال والإحسان إلى الأقارب والجيران في شهر رمضان لا سيما في عشرة آخره لأن فيهن ليلة القدر , فهو أفضل مما عداه من الأيام الأخرى
وصدقة الفطر من الإنفاق الواجب ، وحكمتها الرفق بالفقراء بإغنائهِم عن السؤال في يوم العيد , وإدخال السرور عليهم وعلى أهليهم في يوم يسر المسلمون بقدوم العيد عليهم
وانطلاقاً من المسؤولية التي تتحملها الأمة في رفع الضيق والحرج عن فقرائها ومحتاجيها فقد أرسى الإسلام نظماً متكاملاً للتكافل الاجتماعي والتراحم فيما بينهم ؛ وشرع لأجل ذلك أبواباً كثيرة للخير والإنفاق كصدقة الفطر والكفارات المتنوعة والأضاحي وغيرها ، وهي تعمل على تحقيق التكافل جزئياً ، بل ذهب إلى أبعد من ذلك ؛ ففي الظروف الطارئة والكوارث التي تحل بالمجتمع يمكن أن يشترك الناس جميعاً في أموالهم وأن ينتفعوا بثروات الأغنياء بتنظيم من قبل الدولة وبإشرافها لحين زوال المصيبة وارتفاع الغمة ، فقد أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأشعريين الذين استنّوا هذه السنة بقوله { فهم مني وأنا منهم } رواه البخاري . فالتبرع والتعاون في هذه الحالة إذن يصبح واجباً على أفراد المجتمع ولو أدى إلى التقاسم الحقيقي فيما بينهم .
وتفطير الصائمين من صور الإنفاق المقرب إلى الله عز وجل في شهر رمضان المبارك ، ولهذا يقبل كثير من المؤمنين على باب الخير هذا ، ولكن يجب أن يقترن بنية التقرب إلى الله ، والأفضل فيه ما كان بعيداً عن الإسراف والمباهاة والمكافأة أي دعوة من يدعوني فقط ومن لا يدعوني فلا أدعوه إلى مائدتي ، قال صلى الله عليه وسلم { من فطر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء } رواه الترمذي ،
وأنوّه بما يكون في مشاريع الإفطار الجماعية للصائمين من الفقراء والمساكين أو في حالة تقديم المعونات والإغاثات لهم فلا يجوز إهدار كرامتهم ونشر صورهم على الملأ أو بأي شكل آخر من أشكال التمنّن عليهم .
ورمضان شهر التزاور والمواساة ، يتكافل فيه المسلمون ويتكاتفون فيما بينهم ، ويسعون في سد احتياجاتهم أسوة بالرسول صلى الله عليه وسلم الذي { كان أجود من الريح المرسلة وأجود الناس بالخير ؛ وكان أجود ما يكون في رمضان } رواه البخاري . فالتكافل الاجتماعي من أوسع أبواب العطاء ، وصفه صلى الله عليه وسلم بأبلغ صورة تجعل الأمة جسداً واحداً حياً ، فقال { مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى } رواه مسلم .
إن ما نراه اليوم من إقبال أبناء شعبنا على التكافل فيما بينهم بكل صوره ومسارعتهم في تخفيف المعاناة اليومية التي يعيشها أهلنا في كل مكان هو تجسيد لهذه المعاني ، واستجابة للتوجيهات النبوية وترجمة صادقة لها . وهم يضربون بذلك أروع الأمثلة على التماسك والتشارك في حمل مسؤولية التقاسم في لقمة العيش . لذا نهيب بالمسلمين أن يبادروا فيه بدفع صدقات أموالهم لمستحقيها وبالأخص في هذه الظروف الاقتصادية السيئة نتيجة الحصار الخانق الذي يفرضه الاحتلال الغاشم على شعبنا ، وبسبب محاربته في لقمة عيشه فإن { الصدقة تطفىء الخطيئة كما يطفىء الماء النار } رواه الترمذي
-150x150.jpg)