آخر الأخبار

مِنْ عَدَالَةِ المَظْلُومِ.. إِلَى مِيثَاقِ الأُمَّةِ وَحَاكِمِيَّةِ الشَّرِيعَةِ

Picture of الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين

شارك المقال على :

مِنْ عَدَالَةِ المَظْلُومِ.. إِلَى مِيثَاقِ
الأُمَّةِ وَحَاكِمِيَّةِ الشَّرِيعَةِ

(سلسلة: مِحْرَابُ
التَّدَبُّرِ: قُطُوفٌ مِنْ خَوَاطِرِ الجُزْءِ السَّادِسِ
)

بقلم: د. أحمد مهنا

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

أيها القراء الكرام، يمثل جزءنا السادس منعطفاً دستورياً
وتشريعياً في مسيرة القرآن الكريم. فنحن نودع سورة النساء لندخل في رحاب سورة
المائدة، وهي السورة التي تؤسس للميثاق الشامل للأمة الإسلامية، وتضبط بوصلة
تعاملها مع الخالق عز وجل ومع الخلق أجمعين.

المحطة الأولى: فقه التوازن
المجتمعي

قبل أن نغادر خواتيم سورة النساء، يقف القرآن وقفة
واقعية مع مكنونات النفس البشرية. فالإسلام، وإن كان يحمي المجتمع بشدة من تفشي
الْغِيبَةِ ونشر السلبية، إلا أنه في الوقت ذاته لا يكبت صرخة المظلوم ولا يصادر
حقه في دفع الأذى: ﴿لا يحب الله الجهر بالسوء من
القول إلا من ظلم﴾
.

منهجنا منهج توازن دقيق؛ يكره التشهير، لكنه يفتح الباب
واسعاً ومشرعاً للمظلوم ليجهر بمظلمته ويطالب بحقه، فهذا الاستثناء الحقوقي هو
صمام الأمان للحفاظ على عدالة المجتمع وسلامة صدره.

ويوضح الإمام السعدي رحمه الله دقة هذا الاستثناء بقوله:
“هذا رخصة للمظلوم أن يجهر بالسوء لمن ظلمه، من غير أن يكذب عليه، ولا يزيد
على مظلمته، ولا يتعدى بشكواه إلى غير ظالمه”.

المحطة الثانية: قدسية العقود
والمواثيق (الأساس الأخلاقي للمجتمعات)

بمجرد الولوج في سورة المائدة، يصافحنا نداء تشريعي حاسم
وقاطع: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾.
بهذا النداء، يؤسس الإسلام مجتمعاً عالمياً منضبطاً يقوم على احترام الكلمة
والميثاق. ينسحب هذا الوفاء على العقد الأعظم مع الله في التوحيد، والعقد مع
الزوجة في الزواج، ويمتد ليشمل عقود التجارة، بل وقوانين الإقامة والجنسية في
البلدان التي نعيش فيها.

المسلم الحق لا ينقض عهداً، ولا يتحايل على قانون
ارتضاه، مهما كان الطرف الآخر مخالفاً، لأن الوفاء هنا عبادة نتعبد بها لله. وفي
هذا المعنى يقول حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما: “العقود هي العهود؛ فما
أحل الله وما حرم وما فرض في القرآن كله عهد وعقد”، ليعم الأمر كل التزام
ديني ودنيوي.

المحطة الثالثة: الإعلان الرباني
لاكتمال المنهج

ولأن العهد قد اكتمل والميثاق قد تم، نزلت الآية المهيبة
التي أدرك سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه تبعاتها فبكى يوم عرفة: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم
الإسلام دينا﴾
.

بل إن جلال هذه الآية استوقف غير المسلمين إجلالاً لها؛
ففي صحيح البخاري، جاء رجل من اليهود إلى عمر فقال: (يا أمير المؤمنين، آية في
كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلت، لاتخذنا ذلك اليوم عيدا). فأجابه
الفاروق بيقين وعزة: (إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه، نزلت
على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفات في يوم جمعة).

ويعقب الإمام ابن كثير على هذا الجلال بقوله: “هذه
أكبر نعم الله عز وجل على هذه الأمة، حيث أكمل تعالى لهم دينهم، فلا يحتاجون إلى
دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم صلوات الله وسلامه عليه”.

هذا الإعلان يحمل دلالة قاطعة على أن ديننا منظومة
متكاملة لا تقبل الإضافة ولا تحتاج إلى ابتداع، ومهمتنا الأساسية كأمة هي التسليم
الصادق لهذا الكمال، والعمل الجاد على تنزيل هذا المنهج وتطبيقه في واقع حياتنا.

المحطة الرابعة: التجرد المطلق
والعدل مع الخصوم (قمة السمو الأخلاقي)

يرتقي بنا المنهج القرآني في هذا الجزء ليختبر مبدأ
العدالة لدينا مع من نكره ونعادي: ﴿ولا يجرمنكم
شَنَآنُ قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾
. قد تبغض شخصاً أو
طائفة، لكن ذلك لا يبرر لك قطعياً ولا مسوغاً شرعياً لظلمهم أو سلب حقوقهم.

ميزان العدل في الإسلام معصوم وقيمة مطلقة، يرفض تماماً
أن يميل مع العاطفة، أو يتأثر بـ (شَنَآنٍ) أو عداوة. ويذكر شيخ الإسلام ابن تيمية
هذه القاعدة قائلاً: “فأمر الله بالعدل مع الكفار الأعداء، فكيف بالعدل مع
المسلمين وإن بغوا أو اعتدوا؟ فالعدل واجب لكل أحد على كل أحد في كل حال”.

المحطة الخامسة: المقصد الأعلى
للشريعة (عصمة الدماء)

ومن أعظم العهود التي يرسخها هذا الجزء، عهد عصمة الدماء
وقداسة الروح. يسرد لنا القرآن تفاصيل أول جريمة قتل بين ابني آدم، ليستنبط منها
أعظم قاعدة حقوقية عالمية في قداسة الروح البشرية: ﴿من
قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما
أحيا الناس جميعا﴾
.

قطرة الدم الحرام في ميزان الإسلام تعادل إبادة البشرية
جمعاء! ليعلن بذلك أن حفظ النفس هو من أعلى وأسمى مقاصد الشريعة الإسلامية. ويفسر
التابعي الجليل مجاهد رحمه الله هذه العظمة التشريعية بقوله: “من قتل نفساً
متعمداً جعل الله عليه خطيئة من قتل الناس جميعاً، ومن لم يقتل أحداً فقد حيي
الناس منه جميعاً لاستعصامه عن الدماء”.

المحطة السادسة: السنن التاريخية
وعواقب التخاذل

يُبرز الجزء مشهداً عملياً للسنن التاريخية وعواقب
التخاذل عن نصرة الحق؛ وذلك حين طلب سيدنا موسى عليه السلام من قومه دخول الأرض
المقدسة، فكان ردهم المتخاذل والجبان: ﴿فاذهب أنت
وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون﴾
.

فجاءت العقوبة الصارمة متناسبة مع الجرم: ﴿فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض﴾.
لنتعلم درساً باقياً: الأمة التي تتخاذل عن نصرة حقها وحماية ضعفائها، ترث التيه
والضياع الحضاري لا محالة.

ويعلق العلامة الطاهر ابن عاشور مبيناً سنة الله في هذا
التيه: “لأن الأمة التي تفسد أخلاقها بطول العبودية، تفقد روح الاستقلال
والمدافعة، وتصبح غير صالحة للفتح والتمكين حتى ينشأ جيل جديد في خشونة
التيه”.

المحطة السابعة: حاكمية
الشريعة.. بين نقاء العقيدة وبركات الأرض

نختم هذا الجزء بقضية مفصلية تمثل تاج سورة المائدة، وهي
(حاكمية الشريعة) ونقاء العقيدة. يقرر القرآن بوضوح أن التحاكم إلى شرع الله ليس
خياراً ثانوياً، بل هو جوهر الإيمان. ويمتد هذا الخطاب ليسقط أي شرعية دينية ما لم
تقترن بتطبيق المنهج: ﴿قل يا أهل الكتاب لستم على شيء
حتى تقيموا التوراة والإنجيل﴾
. فالانتماء الاسمي للدين لا وزن له دون تطبيق
عملي.

وفي ذات السياق، يحسم القرآن الانحراف العقدي بوضوح
معلناً بطلان تأليه البشر: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن
الله هو المسيح ابن مريم﴾
. ولكي لا يظن البعض أن تطبيق الشريعة تضييق على
الحياة، يربط القرآن بين إقامة شرع الله والازدهار الاقتصادي في معادلة محكمة: ﴿ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم
لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم﴾
.

فالاستقامة على منهج السماء وتطبيق العدل الإلهي هما
الباب الأعظم لفتح بركات الأرض وتحقيق التنمية الحقيقية. ويوضح الإمام القرطبي هذا
الترابط المحكم بقوله: “فجعل الله الإيمان والتقوى سبباً للبركات والخصب،
ليعلموا أن الرزق بيده سبحانه، فيُنزل بركات السماء، ويُخرج بركات الأرض”.

الخلاصة: يرسل لنا الجزء السادس رسالة
دستورية قاطعة: إن الدين الذي اكتمل يوم عرفة، لا يقوم له بنيان في حياتنا إلا إذا
أنصفنا المظلوم، واحترمنا عهودنا، وتجردنا للعدل مع خصومنا، وقدسنا الدماء،
واحتكمنا لشريعة الله التي تفتح بركات السماء والأرض.

(أَقِم مِيزَانَ العَدْلِ وَالعُهُودِ، تُفْتَحْ
لَكَ بَرَكَاتُ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ).

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ملحوظة:
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد
العالمي لعلماء المسلمين.

* خادم القرآن الكريم/ د. أحمد مهنا: عضو الاتحاد العالمي
لعلماء المسلمين. إمام وخطيب المركز الإسلامي بمدينه توليدو ـ البرازيل.

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
+ posts

أخبار ذات صلة

الهند: حيث يصان الحيوان ويذبح الإنسان

إن المشكلة الحقيقية ليست في احترام الحيوان، فالرحمة بالحيوان خلق

الصلاة وتأثيرها في القيم الأخلاقية

الصلاة تربى الإنسان خلقياً وعقلياً، فهي تربط الإنسان بالله، كما

برنامج «تحسين عبادة الصلاة» ينطلق في ترنقانو الماليزية بمشاركة 102 من الأيتام

برنامج «تحسين عبادة الصلاة» ينطلق في ترنقانو الماليزية بمشاركة 102