من القرآن إلى الميدان:
(حين يتحول الصبر إلى نصر)
بقلم: د. غزالة
الحجار
عضو الاتحاد
العالمي لعلماء المسلمين
يقول الله تعالى: ﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (سورة آل عمران: 200).
ليست هذه الآية خاتمة سورة فحسب،
بل هي خاتمة منهج… وخلاصة طريق، كأنها تلخص للأمة بعد عرض طويل من الابتلاءات
والدروس: إن أردتم الفلاح، وإن طلبتم النصر، فهذا هو السبيل.
أربع كلمات، لكنها تحمل مشروع أمة: اصبروا، وصابروا، ورابطوا، واتقوا.
وليس عبثًا أن يأتي بعدها وعد الفلاح، لأن الفلاح في ميزان
القرآن ليس مجرد نجاح جزئي، بل هو نصر وتمكين وعزة.
وإذا نظرنا اليوم إلى واقع الأمة،
نجد هذه الآية تنبض أمام أعيننا، لا في الكتب فقط، بل في الميدان. في مشهدٍ يختصر
المعنى، يظهر ثبات أهل غزة نموذجًا حيًا لهذه القيم: صبرٌ على البلاء،
ومصابرة أمام العدوان، ومرابطة على الأرض والعقيدة، وتقوى تتجلى في التوكل واليقين.
وهنا ندرك أن القرآن لا يصف
واقعًا خياليًا، بل يصنع واقعًا حقيقيًا، فالقرآن يربط النصر بالصبر ربطًا
مباشرًا، يقول تعالى: ﴿بَلَىٰٓ
إِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأۡتُوكُم مِّن فَوۡرِهِمۡ هَٰذَا يُمۡدِدۡكُمۡ
رَبُّكُم بِخَمۡسَةِ ءَالَٰفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ آل عمران (125)، ويقول
تعالى ﴿كَم
مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ
مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (سورة
البقرة: (249.
إنها معادلة واضحة: ليس النصر
بالكثرة، بل بالثبات، وليس بالقوة الظاهرة فقط، بل بالقوة التي في القلوب.
وهنا يتحول السؤال من: لماذا لا
ننتصر؟ إلى سؤال أعمق: هل تحققنا بشروط النصر؟
إن ما نراه من ثبات في بعض بقاع
الأمة، ليس صدفة، بل هو ثمرة صلة حقيقية بالله. وقد أشار إلى هذا المعنى سيد قطب
في ظلال القرآن حين بيّن أن الصبر في القرآن ليس سكونًا، بل هو طاقة إيمانية
تنبع من عمق الارتباط بالله، فمن كلامه: “إنها
دعوة إلى الصبر، والمصابرة، والمرابطة، والتقوى.. وهي دعوة إلى تهيئة النفس
لاحتمال تكاليف المعركة كلها، وإلى الثبات فيها، وإلى الصبر الطويل عليها”.
كما يؤكد فريد الأنصاري أن القرآن
حين يتحول من تلاوة إلى تربية، فإنه يصنع إنسانًا جديدًا، قادرًا على الثبات في
أصعب الظروف. وهذا ما نراه واقعًا: أناسٌ قد لا يملكون من أسباب القوة المادية
الكثير، لكنهم يملكون ما هو أعظم: اليقين.
ومن هنا يظهر الخلل في واقعنا؛
فليست مشكلتنا أننا لا نملك النصوص، بل أننا لا نعيشها. نقرأ عن الصبر، لكننا لا
نتدرّب عليه. نتحدث عن التقوى، لكنها لا تتحول إلى سلوك يومي. نسمع عن المرابطة،
لكنها تغيب عن حياتنا بمعناها الشامل.
لقد كان السلف يدركون هذا المعنى
جيدًا، فبدأوا بإصلاح القلوب قبل كل شيء، لأن القلب إذا صلح، صلح الجسد كله، وإذا
امتلأ بالإيمان، أصبح الصبر خُلُقًا، والثبات طبيعة.
إن آية آل عمران لا تطلب منا أن
نُعجب بالنماذج الصابرة فقط، بل أن نسير على طريقها وننتهج نهجها في الصبر ومجاهدة
النفس على الطاعة والمصابرة في مواجهة الفتن والإغراءات والمرابطة والثبات على
القيم ويتوج ذلك كله: تقوى الله في السر والعلن.
أن نبدأ من أنفسنا: حينها فقط، تتحول هذه
المعاني من شعارات إلى واقع، ومن كلمات إلى قوة.
إن ما يحدث اليوم في الأمة،
وبخاصة مشاهد الثبات، ليس مجرد حدث عابر، بل هو رسالة: أن طريق النصر ما زال مفتوحًا، لكنه مشروط بمعية الله ﴿وَاللَّهُ
مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، إنه وعد الله لكنه لا يتحقق إلا لمن سلك الطريق.
وختامًا:
إن الأمة لا تُبنى بالخطب وحدها،
بل تُبنى حين نستقي من ختام سورة إلى منهج حياة، وآية آل عمران هذه، إذا فعلت
فعلها في القلوب كما أراد الله، لغيّرت واقع أمة بأكملها.
فالنصر ليس بعيدًا… لكن طريقه واضح: صبر…
فمصابرة… فمرابطة… فتقوى… ففلاح ونصر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة
تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
-150x150.jpg)