آخر الأخبار

الشورى في الفكر الإسلامي وأهميتها المعاصرة

Picture of الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين

شارك المقال على :

الشورى في الفكر
الإسلامي وأهميتها المعاصرة

بقلم: أحمد شوقي
عفيفي

داعية إسلامي

 

تعد الشورى من أجل المبادئ التي
أرسى الإسلام دعائمها في بناء المجتمع والدولة، ومن أسمى القيم التي رسخت احترام
الإنسان، وصانت كرامته، وجعلته شريكا في صناعة القرار، وسعت إلى إقامة العدل، وكبح
جماح الاستبداد، وتوجيه السلطة نحو خدمة الأمة بدل التسلط عليها. فهي ليست مجرد
وسيلة إدارية عابرة، ولا إجراء تنظيميا يمكن الاستغناء عنه، بل أصل راسخ من أصول
السياسة الشرعية، ومنهج حضاري متكامل يصل بين القيادة والمسؤولية، وبين الحق
والواجب، وبين الحرية المنضبطة والنظام الراشد.

وحين نتأمل أحوال العالم المعاصر
ندرك أن كثيرا من الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تثقل كاهل
المجتمعات إنما نشأت من غياب المشاركة، واحتكار القرار، وتهميش الكفاءات، وتعطيل
الرقابة، والمحاسبة.

ومن هنا تتجلى عظمة الشورى،
بوصفها علاجا ربانيا وحضاريا لكثير من مظاهر الخلل والانحراف، إذ تفتح أبواب
القرار أمام العقول النيرة والخبرات المتنوعة، وتمنع استبداد الفرد، وتجعل الأمة
شريكة في رسم حاضرها وصناعة مستقبلها.

وقد أثبت القرآن الكريم هذا الأصل
العظيم في آيات بينات، فجعل الشورى سمة من سمات المؤمنين، فقال سبحانه: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ فجاء هذا الوصف القرآني ليقرر
أن التشاور ليس أمرا طارئا، بل خلق أصيل، ومنهج دائم في تدبير شؤون المجتمع.

كما خاطب الله -تعالى- نبيه ﷺ
بقوله: ﴿وشاورهم في الأمر﴾، مع أن رسول الله ﷺ
أكمل الناس عقلا، وأرجحهم رأيا، ومؤيد بالوحي من السماء. ولو كانت الشورى دليل نقص
أو ضعف لما خوطب بها سيد الخلق ﷺ، ولكنها حكمة إلهية أرادت أن تعلم الأمة أن
القيادة الحقة لا تنفصل عن الناس، ولا تستغني عن آرائهم، ولا تستبد دونهم.

وقد جسد النبي ﷺ هذا المبدأ في
سيرته العملية أروع تجسيد، فاستشار أصحابه في المواطن العظام، ففي بدر نزل على رأي
الحباب بن المنذر في اختيار موضع المعركة، وفي أحد أخذ برأي الأغلبية في الخروج
لملاقاة العدو، وفي الخندق قبل مشورة سلمان الفارسي -رضي الله عنه- بحفر الخندق،
وهي فكرة لم تكن معروفة للعرب يومئذ.

وهكذا أثبتت السيرة النبوية أن
القائد العظيم لا يرى في سماع الرأي الآخر انتقاصا من مكانته، بل يعده مصدر قوة،
وعلامة نضج، وسبيلا إلى السداد.

ثم مضى الخلفاء الراشدون على هذا
النهج الوضيء، فكان أبو بكر الصديق لا يبرم أمرا جللا حتى يستشير أهل السابقة
والرأي من الصحابة، وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يوسع دائرة المشورة، ويجمع
أهل العلم والخبرة، ويصغي إلى النصح والنقد بصدر رحب، ويقول كلمته الخالدة: لا خير
فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها. وفي هذه العبارة البليغة تتجلى
أسمى معاني الحكم الراشد حيث تصبح النصيحة حقا للأمة، وسماعها واجبا على القيادة.

والشورى في الفكر الإسلامي ليست
استعراضا شكليا للآراء، ولا واجهة تزين بها الأنظمة، بل هي عملية جادة يبتغى بها
الوصول إلى أقرب القرارات إلى الحق، وأدناها إلى المصلحة، وأبعدها عن الهوى. وهي
تقوم على دعائم متينة من الأمانة، والكفاءة، والحرية المسؤولة، واحترام التخصص،
وتقديم الصالح العام على المكاسب الفردية والمصالح الضيقة.

كما أن الشورى تعني أن الأمة ليست
جمهورا صامتا يستدعى عند الحاجة، بل شريكا أصيلا في توجيه الحياة العامة.

ولذلك كان من أعظم مقاصدها الوقوف
في وجه الاستبداد، لأن القرار إذا احتكره فرد أو فئة، كان ذلك سبيلا إلى الظلم
والفساد والانحراف. أما إذا تعددت الآراء، وخضعت القرارات للنقاش والمراجعة اتسعت
دائرة الصواب، وتضاءلت احتمالات الخطأ والانفراد. وقد عرف التاريخ الإسلامي في بعض
مراحله تراجعا لهذا المبدأ، حين غلبت الفردية، وضاقت دوائر المشاركة، واحتكر
القرار، فتحولت بعض أنظمة الحكم إلى سلطات مغلقة لا تسمع إلا صوتها، ولا ترى إلا
رأيها. فكانت العاقبة انتشار المظالم، وخمود الإبداع، وهجرة العقول، وضعف
المؤسسات، واتساع الهوة بين الحاكم والمحكوم. ومن ثم يتبين أن الشورى ليست ترفا
فكريا، بل ضرورة لحفظ قوة الأمة واستقرارها.

وفي عصرنا الحاضر تتأكد الحاجة
إلى الشورى أكثر من أي زمن مضى، لأن العالم ازداد تعقيدا، وتشابكت قضاياه السياسية
والاقتصادية والاجتماعية والتقنية، ولم يعد في وسع فرد مهما أوتي من ذكاء وخبرة،
أن يحيط وحده بكل هذه الملفات المتداخلة. فالدولة الحديثة تحتاج إلى عقول متعددة،
وخبرات متنوعة، في الاقتصاد، والتعليم، والأمن، والإدارة، والعلاقات الدولية،
والصحة، والتكنولوجيا، وغيرها من ميادين الحياة.

ومن هنا تغدو الشورى ضرورة عملية،
لأنها تجمع هذه الطاقات في إطار مؤسسي منظم، يوجهها نحو تحقيق المصلحة العامة،
وبناء مستقبل أكثر عدلا ورشدا واستقرارا.

ومن أجل ثمار الشورى في العصر
الحديث أنها تفضي إلى الحكم الراشد، لأن القرارات حين تبنى على التشاور، تغدو أكثر
اتزانا، وأقرب إلى العدل، وأبعد عن المزاجية والعجلة. كما أن الشورى تعزز
الشفافية، إذ تجعل المسؤولين مطالبين ببيان أسباب قراراتهم، وإقناع الناس بها، والقدرة
على الدفاع عنها أمام الرأي العام، فلا يبقى القرار أسير الغموض، ولا السلطة رهينة
الانفراد.

ومن بركات الشورى كذلك أنها توثق
عرى الثقة بين الشعوب وقياداتها، لأن المواطن إذا شعر أن صوته مسموع، وأن رأيه
محترم، وأن له قدرة حقيقية على التأثير في القرار العام، ازداد انتماؤه لوطنه،
وارتفعت مسؤوليته تجاه مجتمعه، وأصبح شريكا في البناء، لا مجرد متفرج على مجريات
الأحداث. فالشعوب التي تشارك في صناعة حاضرها، تكون أحرص على حماية مستقبلها.

أما إذا غابت الشورى، فإن الناس
يستبد بهم الشعور بالعجز والتهميش، وتنتشر السلبية، وتضعف روح المبادرة، وتتسع
دوائر الشك والريبة، وربما تحول الاحتقان الصامت إلى أزمات ظاهرة تهدد الاستقرار
الاجتماعي والسياسي.

ولهذا فإن الشورى ليست مجرد وسيلة
لاتخاذ القرار، بل هي صمام أمان يحفظ السلم المجتمعي، ويقوي التماسك الوطني، ويمنع
أسباب التصدع والانقسام.

والشورى أيضا مدرسة تربوية جليلة
تعلم الناس آداب الاختلاف، واحترام الرأي الآخر، وحسن الاستماع قبل إصدار الأحكام،
وتقديم الحجة بدل الصخب، والبحث عن المشترك بدل العصبية. والمجتمعات التي تتربى
على هذه القيم تكون أقدر على تجاوز المحن، وأقوى في مواجهة التحديات الداخلية
والخارجية، لأنها تبني وحدتها على الوعي، لا على الإكراه، وعلى الاقتناع، لا على
الخوف.

وكثيرا ما يثار الحديث عن العلاقة
بين الشورى والنظم السياسية الحديثة، والحقيقة أن الشورى من حيث المقاصد تلتقي مع
كثير من المبادئ الإنسانية المعاصرة مثل المشاركة الشعبية، والرقابة، والمحاسبة،
وسيادة القانون، ومنع الاستبداد. غير أن الشورى في الرؤية الإسلامية تمتاز بأنها
مرتبطة بمنظومة أخلاقية وروحية تجعل السلطة أمانة، وتجعل المسؤولية أمام الله
تعالى قبل أن تكون أمام الناس، فتربط السياسة بالقيم، والحكم بالضمير، والقرار
بالعدل.

ولهذا فإن الشورى لا تسمح بأن
تتحول الحرية إلى فوضى، ولا الأغلبية إلى أداة ظلم للأقليات، ولا السياسة إلى صراع
مصالح مجرد من المبادئ. بل تجعل المقصد الأعلى هو إقامة العدل، وصيانة الحقوق،
وتحقيق الخير العام، وحماية المجتمع من الفساد والانحراف.

وإذا أرادت الأمة اليوم أن تحيي
مبدأ الشورى، فإن ذلك لا يبدأ من النصوص الدستورية وحدها، بل يبدأ من بناء الثقافة
المجتمعية. فالشورى ينبغي أن تمارس في الأسرة حين يشاور الأبوان أبناءهما في شؤون
البيت المناسبة، وفي المدرسة حين يدرب الطلاب على الحوار، وفي الجامعات حين يفتح
المجال للنقاش الحر المسؤول، وفي المؤسسات حين تحترم الكفاءات، وفي الدولة حين
تبنى الأنظمة على المشاركة، والمحاسبة، وتداول المسؤولية.

كما أن إحياء الشورى يحتاج إلى
استقلال القضاء، وحرية الإعلام المسؤول، ونزاهة المؤسسات، وصيانة الحقوق الأساسية،
وتكافؤ الفرص، وتمكين أهل الكفاءة من مواقع القرار، لأن الشورى لا تزدهر في بيئة
الخوف والفساد، ولا تنمو تحت ظلال القمع والإقصاء.

ومن المهم كذلك أن يفهم مبدأ
الشورى على أنه مسؤولية مشتركة، لا عبء على الحكام وحدهم. فالأمة التي تنشد الشورى
مطالبة أيضا بأن تكون ناضجة، واعية، حريصة على المصلحة العامة، بعيدة عن العصبيات
الضيقة، قادرة على التمييز بين النافع والضار، وبين الصالح والطالح. ففساد الوعي
الشعبي قد يفسد الشورى كما يفسدها استبداد السلطة سواء بسواء.

إن الأمة الإسلامية تملك في
تراثها السياسي والحضاري كنزا عظيما اسمه الشورى، وهو مبدأ لو أحسن فهمه، وصدق
تطبيقه، لأمكن أن يسهم في علاج كثير من أزماتنا المعاصرة، من الاستبداد، والفساد،
والانقسام، وضعف المؤسسات، وتعثر التنمية.

فالشورى تصنع قيادة أقرب إلى
الناس، وتنتج قرارا أكثر نضجا، وتبني مجتمعا أكثر استقرارا، وتفتح الطريق أمام
نهضة تقوم على العقل والعدل معا. وهي ليست فكرة تاريخية تستحضر للإعجاب بالماضي،
بل مشروع عملي لبناء المستقبل، ورؤية حضارية تصلح لكل زمان ومكان.

وما أحوج العالم الإسلامي اليوم
إلى العودة الجادة لهذا الأصل القرآني العظيم، لا بوصفه شعارا سياسيا يرفع عند
الحاجة، بل منهجا ثابتا في إدارة الدولة والمجتمع والمؤسسات. فإذا تحقق ذلك،
استعادت الأمة قدرا كبيرا من قوتها المفقودة، وتجددت ثقتها بنفسها، وبدأت مسيرتها
نحو نهضة حقيقية تقوم على الحرية المسؤولة، والعدل الراسخ، والكرامة الإنسانية،
والمشاركة الواعية.

إن الشورى كانت سببا في قوة الأمة
يوم تمسكت بها، وستظل طريقا من طرق نهوضها، كلما عادت إليها بصدق، وأخذت بها
بحكمة، وجعلتها نبراسا يهدي حاضرها، ومفتاحا يفتح لها أبواب مستقبلها.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

** المراجع:

1. القرآن الكريم.

2. السنة النبوية والسيرة

3. الحريات العامة في الدولة الإسلامية
للدكتور يوسف القرضاوي.

4. من فقه الدولة في الإسلام للدكتور يوسف
القرضاوي.

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة
تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
+ posts

أخبار ذات صلة

الهند: حيث يصان الحيوان ويذبح الإنسان

إن المشكلة الحقيقية ليست في احترام الحيوان، فالرحمة بالحيوان خلق

الصلاة وتأثيرها في القيم الأخلاقية

الصلاة تربى الإنسان خلقياً وعقلياً، فهي تربط الإنسان بالله، كما

برنامج «تحسين عبادة الصلاة» ينطلق في ترنقانو الماليزية بمشاركة 102 من الأيتام

برنامج «تحسين عبادة الصلاة» ينطلق في ترنقانو الماليزية بمشاركة 102