صِدْقُ الِاسْتِجَابَةِ.. وَتَحْرِيرُ العُقُولِ، وَالحَيَاةُ الحقيقية
(سلسلة مِحْرَابُ
التَّدَبُّرِ: قُطُوفٌ مِنْ خَوَاطِرِ الجُزْءِ السَّابِعِ)
بقلم: د. أحمد مهنا
عضو الاتحاد
العالمي لعلماء المسلمين
أيها
القراء الكرام، ينقلنا الجزء السابع من كتاب الله في رحلة تشريعية وعقدية عظيمة؛
تبدأ بخواتيم سورة المائدة حيث تتجلى مشاهد الاستجابة الصادقة، ثم يعبر بنا إلى
عالم سورة الأنعام، سورة التوحيد الخالص، التي تخاطب العقول والقلوب بمشاهد
الإحاطة الكونية، وحقائق الحياة والموت.
المحطة الأولى: فقه الاستجابة وتكامل الإيمان (دموع الوجدان وامتثال
الجوارح): يفتتح القرآن هذا الجزء
بوضع معيار دقيق لصدق القلوب، مستعرضا نموذجين متكاملين للاستجابة:
· النموذج
الأول (استجابة القلب): ويتجلى حين سمع بعض أهل
الكتاب كلام الله، فلم يمنعهم الكبر من الانقياد له والاعتراف به: ﴿وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع
مما عرفوا من الحق﴾.
· النموذج
الثاني (استجابة الجوارح): ويظهر في التسليم الصارم
لأمر الله عند التحريم القطعي للخمر بعد التدرج: ﴿فهل
أنتم منتهون﴾؟ لم يبحث الصحابة عن مخارج فقهية أو حيل للإفلات من النص، بل
قالوا بلسان واحد: (انتهينا ربنا)، وأراقوا الخمور تسليما. يعلق الإمام القرطبي
واصفاً عظمة هذه الاستجابة: “هكذا يكون الإيمان الصادق، لم ينتظروا تأويلاً
ولم يبحثوا عن رخصة، بل أراقوها في سكك المدينة طاعةً لله ورسوله”. هذا هو
كمال الإيمان؛ قلب يرق ويبكي من خشية الله، وجوارح تلتزم وتنتهي عما نهى الله.
المحطة الثانية: المشهد المهيب لسيدنا عيسى -عليه السلام: تختتم سورة المائدة بمشهد أخروي تذوب له القلوب رهبة.
الرب جل جلاله يسأل عيسى ابن مريم على رؤوس الأشهاد: ﴿أأنت
قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله﴾؟ فتأتي الإجابة التي تقطع دابر
الشرك بأعلى درجات الأدب النبوي: ﴿سبحانك ما يكون لي
أن أقول ما ليس لي بحق﴾. هذا المشهد الاستجوابي يرسخ حقيقة ناصعة: أن
الأنبياء بشر مرسلون، وأن العبودية خالصة لله وحده، ساحبا أي غطاء شرعي عمن
انحرفوا بمسار العقيدة. ويبين الإمام السعدي رحمه الله جلال هذا الموقف بقوله:
“هذا توبيخٌ لمن اتخذه إلهاً، وفيه كمال الأدب من المسيح حيث رد العلم إلى
عالمه، وبرَّأ نفسه مما لم يَقُله”.
المحطة الثالثة: التأسيس العقدي وبراهين التوحيد (ميلاد سورة الأنعام): ننتقل بشفافية إلى سورة الأنعام، تلك السورة المكية
المهيبة التي نزلت دفعة واحدة يشيعها سبعون ألف ملك. وفي بيان جلالها يقول حبر
الأمة ابن عباس رضي الله عنهما: “نزلت سورة الأنعام بمكة ليلاً جملةً واحدة،
حولها سبعون ألف مَلَك يجأرون بالتسبيح”. هذه السورة تركز بقوة على ترسيخ
“العقيدة”، وتبدأ بتوجيه أبصارنا لصفحات الكون: ﴿الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور﴾.
المنهج القرآني هنا يربي المسلم على أن يقرأ آيات الله المنظورة في الكون، بنفس
الجلال الذي يقرأ به آياته المسطورة في المصحف، ليزداد يقينا.
تَأَمَّلْ
سُطُورَ الكَائِنَاتِ فَإِنَّهَا ** مِنَ المَلَأ الأَعْلَى إِلَيْكَ رَسَائِلُ
وَقَدْ
خُطَّ فِيهَا لَوْ تَأَمَّلْتَ سَطْرَهَا ** أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ
بَاطِلُ
المحطة الرابعة: سُنَّةُ الِاسْتِدْرَاجِ.. وَخَطَرُ النِّعَمِ: في خضم آيات سورة الأنعام، يقرع القرآن قلوب الغافلين
بقاعدة تربوية مخيفة؛ ليعلمنا أن توالي النعم المادية ليس دليلاً دائماً على الرضا
الإلهي، بل قد يكون فخاً يسبق السقوط: ﴿فلما نسوا ما
ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم
مبلسون﴾. هذا هو (الاستدراج)؛ أن يُمِدَّك الله بالصحة والمال والنجاح وأنت
مقيم على معصيته، لتغتر وتظن أنك على صواب. ويحذر الإمام الحسن البصري من هذا
المكر الخفي بقوله: “كم من مستدرج بالإحسان إليه، وكم من مفتين بالثناء عليه،
وكم من مغرور بالستر عليه”. وهو ما يوجب على المؤمن المراقبة الدائمة لقلبه؛
فإذا رأيت النعم تتوالى عليك وأنت مقيم على زلة أو قاطع لرحم أو مفرط في طاعة،
فاحذر وافزع إلى التوبة فوراً، وقابل النعمة بالشكر لا بالاغترار.
المحطة الخامسة: علم الإحاطة المطلقة (مفاتح الغيب وسكينة التوكل): وفي قلب سورة الأنعام، تتجلى آية تسكب الطمأنينة المطلقة
في قلب كل مؤمن مبتلى: ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها
إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها﴾. تأمل هذا
التصوير المعجز؛ إذا كان الخالق العظيم يحصي حركة ورقة جافة سقطت في غابة مظلمة،
أفلا يعلم تنهيدة صدرك، وحال قلبك، وحاجتك التي تدعوه بها في خلوتك؟ هذا هو
التوحيد الذي يحرر النفس ويورث التوكل المطلق. ولله در الإمام الشعراوي حين بسط
هذا المعنى بقوله: “إذا أيقن المؤمن أن ربه يعلم دبيب النملة وعدد أوراق
الشجر، استراح قلبه وعلم أن رزقه وأجله في يد أمينة لا تغفل ولا تنام”.
المحطة السادسة: المنطق وتحرير العقول البلاغية (منهجية الخليل إبراهيم): ويعرض الجزء مشهدا راقيا للنقاش العقلي والمحاججة
المنطقية في قصة إبراهيم عليه السلام مع قومه. تدرج معهم من تأمل الكوكب، ثم
القمر، ثم الشمس، ولما أفلت وغابت جميعا، ألقى نتيجته القاطعة: ﴿إني لا أحب الآفِلِينَ﴾. الإله الحق لا يغيب ولا
يزول. ويشير الإمام ابن كثير إلى دقة هذه المناظرة قائلاً: “المقام مقام
مناظرة لقومه وبيان بطلان ما هم عليه من عبادة النجوم، فأرشدهم بالدليل العقلي
المشاهد إلى أن المعبود لا يجوز أن يعتريه التغير والزوال”. هذه المحاورة الراقية
تعلمنا أن التقليد الأعمى هو طريق الهلاك، وأن النجاة تكمن في التسليم الخالص لإله
عظيم خالق.
المحطة السابعة: أَدَبُ الخِلَافِ وَقَاعِدَةُ سَدِّ الذَّرَائِعِ: بينما تؤسس سورة الأنعام للمحاججة والمناظرة، تضع لنا
الآية الثامنة بعد المائة أعظم دستور في أدب الحوار وأصول الفقه: ﴿ولا تسبوا الذين
يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم﴾. الغاية النبيلة في المنهج الإسلامي
لا تبرر الوسيلة البذيئة؛ فمهما كان الخصم على باطل، لا يجوز لك استخدام السب
والشتم، لأن ذلك سيستفزه للتطاول على الله ومقدساتك. ومن هذه الآية استنبط الأئمة
قاعدة (سد الذرائع). يقول الإمام القرطبي في تفسيرها: “هذه الآية أصلٌ في سد
الذرائع، فكل فعل مباح أدى إلى محرم فهو محرم، فلا يحل للمسلم أن يفعل شيئاً يقصد
به خيراً إذا كان يؤدي إلى مفسدة أعظم”. وهذا التوجيه يفرض علينا واجباً
عملياً يومياً؛ خاصة في ساحات النقاش ومواقع التواصل، بأن نضبط ألسنتنا، ونقارعة
الحجة بالحجة، مبتعدين عن لغة الشتم والتحقير التي تضر الدين أكثر مما تنفعه.
المحطة الثامنة: صدمة (ولقد جئتمونا فُرَادَى)، وانبثاق الحياة من رحم
الموت: ويختتم الجزء بمحطة تهز وجدان كل عاقل. يضعك القرآن أولا
أمام صدمة العرض على الله يوم القيامة: ﴿ولقد جئتمونا
فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ
وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾. ستسقط كل الألقاب، والمناصب، والأموال، وتقف وحيدا
تماما كما ولدت! يجسد الإمام ابن القيم هذه اللحظة الحاسمة بقوله: “انقطع
عنهم كل سبب ووصلة كانت في الدنيا، وبقوا مع الأعمال التي هي زادهم
لميعادهم”. ثم تأتي الآية التي تليها مباشرة لتخبرك من هو هذا الإله الذي
ستقف أمامه وحيدا: ﴿إن الله فالق الحب والنوى يخرج
الحي من الميت ومخرج الميت من الحي﴾. تأمل الربط الروحي العجيب؛ إذا كان
الله جل جلاله قادرا على أن يشق صلابة البذرة الميتة في ظلمة التراب ليخرج منها
حياة تنبض، فهو سبحانه القادر على بعثك بعد موتك، وهو القادر الآن أن يشق ظلمة
قلبك وقسوتك ليخرج منها نور الهداية والإيمان. فلا تتعلق بدنيا ستتركها حتما وراء
ظهرك، وتعلق بقوة فالق الحب والنوى.
الخلاصة: خاطرة الجزء السابع ترسل لنا رسالة منهجية واضحة: التوحيد ليس مجرد كلمات تردد لتحرير العقل من خرافات
الشرك، بل هو استجابة عملية، واستعداد ليوم نقف فيه (فرادى). وهو يقين راسخ بأن
خالق الكون هو وحده القادر على إحياء قلوبنا كما يحيي الأرض بعد موتها، فاستجيبوا
له صدقا، وتسليما، وحبا لخالق عظيم.
“الِاسْتِجَابَةُ
حَيَاةٌ، وَالتَّوْحِيدُ نَجَاةٌ، فَلَا تَغْتَرَّ بِالدُّنْيَا، فَغَداً سَتَقِفُ
وحيدا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ”.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة
تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
* خادم القرآن الكريم/ د. أحمد
مهنا: عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. إمام وخطيب المركز الإسلامي بمدينه
توليدو ـ البرازيل.
-150x150.jpg)