آخر الأخبار

من “اليهودي المواطن” إلى “اليهودي المستوطن”

Picture of الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين

شارك المقال على :

بسم الله الرحمن الرحيم

من “اليهودي
المواطن” إلى “اليهودي المستوطن”

كيف يتغير الحكم
الشرعي بتغيُّر الوصف والسياق؟

بقلم: د. أحمد
زقاقي

عضو الاتحاد
العالمي لعلماء المسلمين

 

لا يحتاج المسلمون إلى من يعطيهم
دروسا في “التعايش” مع أهل الملل الأخرى، ففي الكثير من الدول العربية
والإسلامية وُجدت أقليات يهودية، عاشت لقرون طويلة في أمان واطمئنان ، وعاملهم
أولئك المسلمون بالحسنى طاعة لله تعالى الذي قال في محكم كتابه: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم
من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين)
، وطاعة لرسوله
صلى الله عليه وسلم الذي قال ألَا مَن ظلم معاهدًا أو انتقصه أو كلَّفه فوق طاقته،
أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس منه، فأنا حجيجه يوم القيامة)، لكن بعد تمكن
اليهودية الصهىوىىة من احتلال أرض فلسطين، وطرد سكانها، وإعلان قيام “الدولة
اليهودية” التي سعت منذ ذلك الحين (1948) إلى الاندماج في المنطقة بقوة
الحديد والنار، ونهج سبل المكر والخديعة، ويندرج “التطبيع” ضمن تلك
السبل
. من
الشعارات التي رفعها المخططون للتطبيع والمروجون له شعار “التعايش”،
فحولوا – بسلوكهم العملي
مفهومه
من قيمة نبيلة إلى أداة للتطبيع مع الاحتلال وإسقاط حق مقاومته، ذلك الحق الذي
أقرته شرائع الأرض والسماء، كما أنهم كانوا وما زالوا يتعمدون الخلط بين أمرين:
بين التعايش مع اليهودي المواطن (أي الذي يوجد بالدول العربية والإسلامية)،
والتعايش مع اليهودي المستوطن (أي الذي هاجر إلى”إسرائيل”)، فيجعلونهما
أمرا واحدا، فما فيصل التفرقة بينهما، وما حكم الدعوة إلى التعايش مع
“اليهودي المستوطن”؟، إن القول المحيط ببيان هذه المسألة والجواب عليها
يقوم على خمس ركائز : الأولى تتعلق بتحرير محل النزاع، والثانية تتعلق بالتخريج
الفقهي، والثالثة تتعلق بالقاعدة الأصولية الحاكمة، والرابعة تتعلق بالتخريج
المقاصدي، والخامسة تتعلق بالصياغة الفقهية الدقيقة لحكم المسألة
.

1.  
تحرير محل النزاع

لا نتحدث
هنا عن “اليهودي المواطن” ، ذلك اليهودي الذي بقي في بلده الأصلي ولم
يهاجر إلى “إسرائيل”، وإنما نتحدث عن ذلك اليهودي الذي هاجر واستقر فيها
وهو الذي وسمناه باسم “اليهودي المستوطن”، ونركز النظر في الحكم على
فعله لا على هويته، إذ ليست العبرة بكونه يهوديا، ولا بكون أصله عربيا، وإنما
العبرة بالفعل الجديد الذي طرأ عليه بعد الهجرة: هل صار جنديًا؟ هل صار مستوطنًا
في أرض محتلة؟ هل أعان على الغصب والتهجير؟
.

2.  
التخريج الفقهي

     إن
يهود البلدان العربية والإسلامية الذين لم يهاجروا ومكثوا في بلدانهم الأصلية
داخلون في معنى الأمان والمواطنة، ومن ثم فالأصل فيهم عصمة النفس وعصمة المال
ووجوب التعامل معهم بعدل، وحِرمة الاعتداء عليهم، ولزوم الوفاء بحقوق المواطنة
والجوار، وهذا داخل في أصل شرعي كبير هو: غير المسلم المسالم لا يجوز ظلمه ولا
الاعتداء عليه
. حتى
إذا انتقلوا إلى أرض محتلة وأخذوا بيتًا أو أرضًا ليست لهم، فالوصف المطابق
لأفعالهم لا يعودون بمقتضاه “يهودا مواطنين” ، بل يصيرون “يهودا
مستوطنين” وغاصبين باستيلائهم على ملك الغير، ومعينين على العدوان وجزءا من
منظومة الاحتلال، ومحاربين بحملهم السلاح وانخراطهم في الجيش ومشاركتهم المباشرة
في الأعمال العدائية، وهنا يتغير الحكم لا بسبب الدين، بل بسبب الغصب والعدوان
والمشاركة في الظلم، وهذا ما وقع لكثير من يهود العالم العربي والإسلامي، حيث
تحولوا من “مواطنين” كاملي الحقوق أو “أهل ذمة” في دول مثل
المغرب، والعراق، واليمن، إلى “مستوطنين” ضمن المشروع الصهيوني في فلسطين،
هذا التحول لم يكن مجرد انتقال جغرافي، بل كان تحولاً فكرياً من الانتماء للهوية
الوطنية المحلية إلى الانتماء لهوية استعمارية إحلالية
.

3.  
القاعدة الأصولية الحاكمة المعروف من منطق العقول وقواعد الأصول هو أن
الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، أي أن الحكم لا يَثبُت للشخص بسبب اسمه أو دينه
أو نسبه، بل بسبب العلة الشرعية التي أوجبت ذلك الحكم، فالوصف الذي يثبت لليهودي المواطن
الذي لم يهاجر هو أنه مواطن وجار ومُعاهِد وشريك في الوطن، ويوجب له هذا الوصف
حكما يتمتع بموجبه بكل حقوق المواطنة، ويؤدي ما عليه من واجباتها، ولا يجوز شرعًا
ولا أخلاقا مؤاخذته بجرائم دولة أو جماعة بسبب هويته الدينية، وما إن ينتقل إلى
أرض محتلة ويستولي على بيت أو أرض، أو يلتحق بجيش يعتدي على غيره، حتى يثبت في حقه
وصف: الغاصب والمقاتل والمحارب الذي تتعين وتجب مقاومته، ويحرم كل شكل من أشكال
التعامل أو التطبيع معه لأن في ذلك إعانة له على ظلمه، قال ربنا سبحانه: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم
والعدوان)
، هذا من حيث الإجمال، ومن حيث التفصيل يُفضي مزيد البحث والتنقيب
إلى التأكد من وجود العِلّة أو الوصف المؤثر في الواقعة المعينة حتى يُنزَّل عليها
الحكم الشرعي الذي أثبتناه في حق “اليهودي المستوطن”، ويفضي أيضا إلى
القول: لا يكفي أن نقول: “فلان يهودي” بل نسأل: هل انتقل إلى أرض محتلة؟ هل سكن في
مستوطنة؟ هل أخذ ملك غيره؟ هل التحق بالجيش؟ هل دعم العدوان ؟ وليس المقصود من
تغيّر الحكم بتغيّر الوصف أن الشخص تغيّرت ديانته أو أصله، بل إن الوصف المؤثر
شرعًا قد تغيّر، ف”اليهودي المواطن” و “اليهودي المستوطن”
اشتركا في الديانة، وافترقا في الوصف والعلة المؤثرين، فكان حكم الأول غير حكم
الثاني

4.  
التخريج المقاصدي

إذا
كانت الكليات الخمس تمثل نظرية مقاصدية متكاملة لحماية الإنسان في دينه، وحياته،
وعقله، وعرضه، وماله، فإنها في مسألتنا هذه تؤطر الحكم وتُحكِم “صياغته
الشرعية”، فمن حيث حفظ النفس لا يجوز استهداف الأبرياء، ومن حيث حفظ المال لا
يجوز اغتصاب الأراضي والبيوت، ومن حيث حفظ الأعراض والكرامة لا يجوز التهجير
والإذلال، ومن حيث حفظ الدين وتحقيق العدل لا يجوز تحويل الدين إلى غطاء للظلم،
كما لا يجوز نقل الصراع مع الاحتلال إلى عداء ضد اليهود المواطنين في أوطانهم، كما
تجدر الإشارة إلى أن الكليات الخمس في جوهرها “مقاصد إنسانية” لم تسلم
من إبادة “اليهودي المستوطن” الذي تمثله “دولة الاحتلال” التي
أعلنت الحرب على “الإنسانية” وعلى “القانون الدولي الإنساني
“.

5.  
الصياغة الفقهية الدقيقة

 اليهودي في بلده الأصلي “يهودي مواطن”
معصوم الدم والمال، له ما لسائر المواطنين وعليه ما عليهم، فإذا انتقل إلى الكيان
المحتل، صار “يهوديا مستوطنا
ينتقل
توصيفه من “مواطن له حقوق” إلى “معتدٍ” أو “مغتصب
للأرض”، أي يلحقه ذات الحكم الذي يلحق منظومة الاحتلال والاستيطان وهو وجوب
المقاومة ودفع الظلم والعدوان، وبناء عليه، يجب على العقل السياسي والشرعي المعاصر
إدراك أن تغير السياق من دولة المواطنة إلى واقع الاستعمار الاستيطاني يستوجب
بالضرورة تغيراً في الحكم السياسي والقانوني، بما ينسجم مع حق الدفاع عن النفس
واسترداد الحقوق المغصوبة، ومن هنا يحرُم حِرمة قاطعة تجنيس “اليهود
المستوطنين” بالجنسية المغربية أو اليمنية أو العراقية لأن في ذلك إعانة لهم
على العدوان، وتزكية لاغتصاب الأرض وهضم الحقوق، وإسهاما في اختراق النسيج
الاجتماعي وضرب السلم المجتمعي
.

 

ــــــــــــــ

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة
تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
+ posts

أخبار ذات صلة

الهند: حيث يصان الحيوان ويذبح الإنسان

إن المشكلة الحقيقية ليست في احترام الحيوان، فالرحمة بالحيوان خلق

الصلاة وتأثيرها في القيم الأخلاقية

الصلاة تربى الإنسان خلقياً وعقلياً، فهي تربط الإنسان بالله، كما

برنامج «تحسين عبادة الصلاة» ينطلق في ترنقانو الماليزية بمشاركة 102 من الأيتام

برنامج «تحسين عبادة الصلاة» ينطلق في ترنقانو الماليزية بمشاركة 102