آخر الأخبار

عندما كانت الدعوة هجرة إلى الله

Picture of الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين

شارك المقال على :

عندما
كانت الدعوة هجرة إلى الله

بقلم:
التهامي مجوري

عضو الاتحاد العالمي
لعلماء المسلمين

 

في القرنين
التاسع عشر والعشرين، وفي ظل تحولات دولية شهدها العالم وصراعات ثقافية عقدية،
كانت الدعوة إلى الله ملجأ لرجالها ومأوى يهاجرون إليه فرارا بأرواحهم ودينهم. إن
هناك فروقا في ممارسة النشاط الدعوي بين مرحلة وأخرى، ومن هذه المراحل الزمنية ما
يصعب الفصل بينها؛ لأن المراحل التاريخية موصولة ببعضها البعض، ومتداخلة فيما
بينها سلبا وإيجابا
.

وما يهمنا في
هذه المرحلة الحرجة هو الكلام عما غلب على هذه المرحلة من أنشطة وسلوكات وتميزت
به، وليس دراسة المرحلة والحكم لها أو عليها
.
ذلك أن هذه المرحلة تمثل القاعدة التي
سيجني ثمارها أهل القرن الحالي -الحادي والعشرين-، وسيشهدون على جدواها من عدمه،
وذلك يساعد على فهم توجه هذا الفعل الحضاري في العالم الذي تهاونت فيه الجهود
الإسلامية في الكثير من الأحيان، بسبب طغيان الفعل السياسي الآني الذي فرضته
مقررات الحداثة التي لا تؤمن بغير القوة والمنفعة والمتعة في الحياة، والواقع
الاستعماري الذي ألقى بظلاله وضلاله علينا
.
فبعد مخاض عسير مرت به الأمة خلال
القرون السابقة للقرنين المشار إليهما، في ظل الصراع الذي شهده العالم، ثمرة
طبيعية لما بين حضارتين تتجادلان، إحداهما في طريقها إلى الأفول، وأخرى صاعدة تريد
بسط نفوذها على العالم، أفرزت ظاهرة الاستعمار بغزو الأمة الإسلامية عسكريا
وثقافيا، وما تبع ذلك من تعمد لمحو شخصيتها، وربما لمحوها من الوجود أصلا
.

اعتمدت الأمة
خلال هذين القرنين، والقرن العشرين بصفة خاصة، منهج الإصلاح الديني والاجتماعي
والتركيز على الدعوة إلى الله كمخزون داعم لحركيتها، فيما يعرف بإنشاء حركات
الإحياء الإسلامي والجماعات، وتنويع الجهود العلمية التي قامت بها مؤسسات وأفراد
وجماعات وجمعيات، فمن جماعة الدعوة والتبليغ التي كانت حريصة على تعبيد الناس لله
رب العالمين، باستدراج الناس إلى المساجد وإقامة الصلاة بها وبغيرها، بحيث لم يعرف
عن هذه الجماعة إلا هذا النشاط، في ظروف استبعدت البشرية الدين من حياتها، فلم يعد
للدين قيمته التي عرفها الإنسان عبر التاريخ، فأرادت هذه الجماعة إعادة الاهتمام
بشعيرة الصلاة تحديدا باعتبارها عماد الدين، وكانت ثمارها طيبة، ولها من الفضل ما
ليس لغيرها في هذا الجانب، على اعتبار أن أهم ركن بعد الشهادتين هو الصلاة…، وما
يقال في جماعة التبليغ، يقال في الكثير من الجماعات الأخرى المنضوية تحت العنوان
الجامع وهو الدعوة إلى الله، وكل ذلك يمثل توجها مختلفا عن صيغ المقاومة السياسية
التقليدية التي استدرجت الأمة بجميع قواها إلى معارك غير متكافئة
.

وإلى جانب ذلك
وجد توجه آخر اهتم بالجانب السياسي، وخاصة بعد سقوط الخلافة الإسلامية، حيث فقدت
الأمة ركنا مهما من أركان المجتمع المتمثل في مؤسسات الدولة بمرجعياتها الإسلامية،
وراحت تناضل هذه الجهود في سبيل بقاء مرجعية الإسلام في حياة الأمة، في قانون
الأسرة ومصدرية التشريع والتفكير والتوجيه، وتحقق بعض ما كانت تهدف إليه هذه
الجهود، فتم الحفاظ على قانون الأحوال الشخصية الذي أريد له أن يغرب في الكثير من
بلاد المسلمين، والحفاظ على بند “الإسلام دين الدولة”، و”الشريعة
الإسلامية هي مصدر التشريع”، وغير ذلك من الأمور… وإلى جانب هذه الجهود
توجد جهود أخرى لا تقل أهمية، مثل الجهود العلمية التي عملت على تنقية الدين من
الخرافات والبدع والمنكرات، وقامت ببناء مناهج تعليمية تربوية بمرجعية إسلامية،
وأسسوا لذلك جماعات وأحزابا وجمعيات، كما تمت الإشارة إلى ذلك، وحققت الكثير من المكاسب،
وقد بلغت ذروتها في ثمانينيات القرن العشرين، حيث عم خطاب الصحوة كل المجتمعات،
بما في ذلك المجتمعات الغربية التي توجد فيها أقليات كان لها ثقل بعد ذلك
.

ومن تلك الجهود
المبدعة التي قام بها رجال أوفياء لدينهم، إنشاء مؤسسات للعمل الإسلامي في الغرب،
من الذين جسدوا مبادئ الهجرة النبوية في عهدها الأول، حيث أجبروا على مغادرة
أوطانهم، فهاجروا إلى الغرب وأنشؤوا فيه أعمالا ربما كانت أكثر أهمية من التي
كانوا يقومون بها في بلادهم…، أمثال الفضيل الورتلاني وزميليه سعيد صالحي وسعيد
البيباني، الذين انتدبوا من قبل جمعية العلماء لفتح شعبة لها في فرنسا ابتداء من
سنة 1936، وسعيد رمضان الذي فر من البطش الناصري واستقر في سويسرا بعد تجريده من
الجنسية المصرية، فأنشأ مجلة “المسلمون” التي كانت توزع في كل العالم
وكانت نخبوية، فساهمت في بناء كوادر للعلم الإسلامي في الغرب عموما، وإلى جانبه
الشيخ محمود بوزوزو الجزائري الذي هاجر هو الآخر إلى سويسرا وأقام بها، وكان له
نشاطه المميز في المركز الثقافي الإسلامي، وكذلك شكيب أرسلان الذي سبقهم جميعا
للتبشير بالحركة العربية الإسلامية في الغرب، عندما فر من بلاده لبنان واستقر أيضا
في سويسرا…، وغير هؤلاء كثيرون من الذين اضطروا اضطرارا للهجرة إلى الغرب، ولكن
الأقدار شاءت لهم أن يؤسسوا للعمل الإسلامي في الغرب، ليكونوا روافد للدعوة إلى
الله وسببا مباشرا في هداية الناس إلى الدين الذي أراده الله للبشرية جمعاء
.
كل ذلك انعكس إيجابا على الصحوة
الإسلامية التي ترعرعت في بلاد المسلمين، وكان لها الأثر الإيجابي في تبادل
الخبرات التي كانت هنا وهناك… ولكن ابتداء من ثمانينيات القرن العشرين، وربما
بسبب انتصار الثورة الإيرانية، تأثرت الساحة الدعوية بهذا الحدث الكبير، وكان ذلك
متزامنا مع الجهاد الأفغاني، وكأني بالعاملين في الحقل الدعوي قد تأثروا بذلك،
وتوهموا من خلال ذلك سهولة تعبئة الأمة للانتقال إلى الفعل الإسلامي المؤثر كما
فعلت الأمة في التعبئة للجهاد الأفغاني، وإمكان سقوط أنظمة الطغاة كما أسقطت
الثورة الإيرانية نظام الشاه الموالي للأمريكيين… فكانت الأحداث متسلسلة منذ ذلك
الحين، في التعاقب على التجارب السياسية المختلفة والمتنوعة -لها وعليها-، ولكن ما
لم يكن مستساغا أن يكون كل ذلك على حساب النشاط الدعوي، الذي يمثل العمق الحقيقي
للتعريف بالإسلام والعمل به، سواء في داخل البلاد الإسلامية أو في خارجها، فتحول
الاهتمام من التعرف على الفكر الإسلامي وقيمه إلى السعي لإنشاء الدولة الإسلامية،
في حين أن مفهوم الدولة نفسه قد وقعت فيه تعديلات وتغييرات لا عهد للمسلمين بها،
مثل مفهوم الدولة القطرية، ونظام الحكم وما طرأ عليه من مفاهيم حداثية، وما حكم
الأنظمة القائمة؟ وهل يجوز المشاركة فيها؟ وكيفية الوصول إلى الحكم وسبله
المتعددة… إلخ
.

كل هذه
التساؤلات وغيرها أوقعت العاملين في الكثير من الاختلالات في صيغ التوفيق بين
الموروث الإسلامي المبني على نظام الخلافة التي سقطت في الربع الأول من القرن
العشرين، وبين القيم الناظمة للممارسة السياسية في الواقع
.
كل ذلك مشروع بلا شك، ولكن المتحفظ
عليه هو هذا التحول الشامل من الاهتمام الدعوي الباني لقوى المجتمع وتوجيهه وخدمة
واقعه ومستقبله، إلى انفعالات موهومة وانشغالات بأنشطة أقل شأنا، لأسباب كثيرة
منها عدم نضج الفكرة السياسية نفسها بمقرراتها الإسلامية المؤسسة على كتاب الله
وسنة رسوله
.

 

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
+ posts

أخبار ذات صلة

الهند: حيث يصان الحيوان ويذبح الإنسان

إن المشكلة الحقيقية ليست في احترام الحيوان، فالرحمة بالحيوان خلق

الصلاة وتأثيرها في القيم الأخلاقية

الصلاة تربى الإنسان خلقياً وعقلياً، فهي تربط الإنسان بالله، كما

برنامج «تحسين عبادة الصلاة» ينطلق في ترنقانو الماليزية بمشاركة 102 من الأيتام

برنامج «تحسين عبادة الصلاة» ينطلق في ترنقانو الماليزية بمشاركة 102