آخر الأخبار

إنسان التفاهة

Picture of الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين

شارك المقال على :

إنسان التفاهة

بقلم: التهامي
مجوري

عضو الاتحاد العالمي
لعلماء المسلمين

 

في سنة 2017 أصدر الأستاذ
“آلان دونو”، أستاذ الفلسفة في كيبيك بكندا، وهو أكاديمي ناشط في الشأن
العام، ومعروف بمقاومته للطروحات الرأسمالية المتوحشة، وقد تُوبِع قضائيًا في أمور
كان له فيها مواقف جادة في محاربة الفساد والمفسدين.

وعنوان الكتاب الذي أصدره دونو هو
“نظام التفاهة”، وتُرجم إلى اللغة العربية في سنة 2020، من قبل الدكتورة
مشاعل عبد العزيز الماجري، أستاذة القانون بجامعة الكويت.

موضوع الكتاب وخلاصته أن العالم
اليوم محكوم بمؤسسات تافهة، وأنظمة سياسية واقتصادية وثقافية تافهة، ومنتجات فنية
وأدبية تافهة، بل وبرامج اجتماعية وثقافية تافهة، يشرف عليها أناس تافهون،
والمختصر المفيد أننا في عالم لا يؤمن بالقيم والأخلاق والجمال والمتعة إلا في
إطار أنظمة متعفنة مبناها على برامج تافهة، لا قيمة لها إلا فيما تحمل من أسماء
ومسميات وضعها لها تافهون مثلها.

والإنسان الذي يعيش في ظل هذه
المنظومة، لا يمكن أن يكون بعيدًا عن هذه التفاهة، التي إذا لم تصبه بكلها
وكلكلها، فإن غبارها لا يسلم منه أحد… ومن بركات هذا النظام العفن، الإنسان
الافتراضي الذي تحدثنا عنه في مقال سابق، ذلك الإنسان المبرمج وفق ما يُراد له بمقررات
هذه الأنظمة التافهة، التي لا تملك غير التفاهة معرفةً ومنهجًا وسلوكًا.

إن الإنسان مكرم من قبل الله
سبحانه، وأراد الله له أن يبقى كذلك بما أوجب عليه من توجيهات، يصب جميعها في
تجسيد مراد الله ومشيئته في الواقع، أمرًا بمعروف ونهيًا عن منكر وإيمانًا بالله،
تلك هي العبادة التي عبّر عنها الله في القرآن بقوله: (وَمَا
خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)
[الذاريات: 56]، ولكن
بحكم تساهل هذا الإنسان وتهاونه في الاعتناء بهذه الحقيقة الوجودية، التي لا يمكن
أن يوجد في هذا الكون لها بديلًا أو يعوضها ويسد مسدها.

فانحرف عن الجادة التي بدأت
بالتمرد على الله، ثم بفقدان البوصلة بمجرد استبعاد الدين من الحياة، ثم بتقديس
المادة وعبادتها من دون الله، إلى أن وصل إلى هذا المستوى من التفاهة، حيث عوض
الإله الحق بإله مصطنع، يتمثل في المال والسلطة والمتعة والعلم… فكانت عبوديته
لهذه القوى المختلفة والمتنوعة، تعويضًا آليًا لما فقد من فطرة الخضوع لله رب
العالمين، فهو عبد وبقي عبدًا ولا يمكنه أن يكون إلا عبدًا، ولكن فرق كبير بين أن
يكون عبدًا لله وسيدًا على جميع المخلوقات في ظل تنفيذ إرادة الله ومشيئته، وبين
أن يكون عبدًا لسلطة ومال وجمال وجاه وعلم، فيكون بذلك عبدًا لما كان يفترض أن
يبقى تحت سلطانه وأوامره في ظل التسخير الإلهي الذي اختاره الله له، ولكن بحكم أنه
تنازل طوعًا عن مكانته التي اختارها الله له، فاستبدلها بما هو أدنى، فكانت
النتيجة أن يتحول إلى كائن مبرمج، لاستهلاك ما ينتجه له أسياده الذين هم لا يقلون
تفاهة عنه… فالأنظمة الاستبدادية -غربية وشرقية- جميعها خاضعة لهذا النظام
الدولي الذي سماه آلان دونو “نظام التفاهة
“.

قد يستغرب الناس في إطلاق هذا
المصطلح، على عالمنا اليوم المتميز بالتقدم والتكنولوجيا والتفوق المادي إلى أبعد
الحدود، ولكنه متخلف جدًا على المستوى الإنساني، فالإنسان يأكل ويشرب ويشبع حد
التخمة، ولكنه لا يشعر براحة وطمأنينة وسعادة؛ لأنه مشغول البال دائمًا، بقضايا
تطارده في كل مكان، وكما قال الأستاذ عبد الوهاب حمودة الرجل الصالح، لابنه يومًا
وقد اصطحبه معه إلى المقبرة في إحدى زياراته لها: ترى معي هذه القبور كلها،
أصحابها ماتوا ولم يقضِ كل واحد منهم حاجاته في هذه الدنيا… وعليه فإن كل الذي
نلمس من قفزات نوعية في عالم المادة، تكنولوجيا وتقنية ومنتجات رفاه، يمثل مستويات
عالية ماديًا، ولكنها مستويات عالية أيضًا من التخلف على المستوى الإنساني.

إن هذا الإنسان ليس حرًا فيمارس
مهامه في الحياة كما تملي عليه فطرته، تلبيةً لحاجاته الحقيقية، وإنما هو مبرمج
لاستهلاك ما تنتج له الشركات العالمية، بضغط من التوجيهات التي تصنع رأيه وذهنه
وخياله ورغباته، لأن نظام التفاهة هذا يريد لهذا الإنسان أن يكون عبدًا له محققًا
لمصالحه، كما جاء على لسان بوش الابن في إحدى تدخلاته: “إن الأمن القومي
الأمريكي يمتد إلى حيث المصلحة الأمريكية” في كل زمان ومكان، ومن ثم فهو
مستعد لغزو البلدان واحتلالها، وتجريدها من كل شيء، لأن البشر -كل البشر- عبيد
لهذا النظام الصنم…

فإنسان التفاهة ليس بالضرورة أنه
يحمل من الخبث والفساد الذاتي كيت وكيت، أو يكون هو محبًّا للفساد والمفسدين؛ بل
ربما كان طيبًا سمحًا محبًا للخير وللناس ومتدينًا، ولكنه عمليًا إنسان مجرد من
إنسانيته، لكونه منشغلًا بالحاجات اليومية التي لا تنتهي، وزُرع في نفسه أنها
ضرورية ولا بد منها؛ لأن نظام التفاهة جعل هذه الحاجات في سلسلة ممتدة الصلاحية
بلا نهاية، فلا يشعر الإنسان بواجبات أخرى غير التي وضعها له نظام التفاهة…، وكل
ذلك يكون على حساب الحقائق التي على كاهل الإنسان الذي يحتاج إلى مستوى من الحرية
لإدراكها والتفاعل معها، وهو مجرد منها بفعل الأوهام التي يصنعها التافهون.

خذ مثلًا أي شخص ونبّهه إلى واجب
من الواجبات التي يقتضيها وجوده في المجتمع مثلًا… فإنه سرعان ما يقول لك: والله
يا فلان، ليس عندي وقت…، أو يذكر لك انشغالاته التي ابتلعت عمره، وربما أهمل بعض
واجباته البيتية وواجباته الوطنية وواجباته الدينية، وكل ذلك يجد له المبررات
الكافية التي يظن أنها كافية لإعفائه، وهذه المبررات في حقيقتها مبررات وهمية.

وفي المقابل ننظر في واقعنا وفي
قضاء حاجاتنا، هل كل شيء فعلناه بتخطيط ومنهجية…؟ لا أظن، لا سيما مع زحمة هذه
الأوهام التي تطاردنا في كل مكان، فكل واحد منا لم يحصل على منصب عمل إلا بمعاناة،
ولم يتزوج إلا بمعاناة، ولم يحصل على سكن إلا بمعاناة، ولم يشترِ سيارة إلا
بمعاناة… إلخ، كيف ذلك؟

يحصل ذلك عندما يشعر الواحد منا
بأنه في حاجة إلى أمر ما ويقتنع بذلك، فإنه يستحضره في ذهنه كأولوية، ويشرع بالضغط
على نفسه من أجل تحقيق تلك الأولوية إلى أن تتحقق… ولكن لو أنه بقي في ظل الواقع
الذي وضعه فيه نظام التفاهة، فإنه لن يحقق شيئًا.

إن نظام التفاهة يريدنا أن نبقى
تافهين… وتفاهتنا عندما ننسلخ من إنسانيتنا، فلا نذكر من هذه الحياة إلا مصالحنا
الشخصية، ولا نشعر بأن على كواهلنا رسالة، وأن على ظهورنا مسؤولية ما يقع في هذا
العالم، كل بحسب مكانته في مجتمعه وموقعه ودوره فيه.

عند انتهائي من كتابة هذا المقال،
كأنني سمعت صوتًا يقول إن هؤلاء الذين تصفهم بالتافهين “قضوا صلاحهم، وأنت
اخرط على روحك”، فقد امتلكوا وحققوا وفعلوا، وهم يتربعون على عرش جميع
الإمكانات المادية، بل إنهم يتصرفون في الخلق كما يحلو لهم… فرددت على هذا الصوت
بقولي: “يستاهلوا”؛ لأنهم امتدوا في فراغاتنا، ولو وجدوا من يمنعهم من
الاستثمار فيه، ما استطاعوا برمجة البشر على الانقياد لكل ما يقولون ويفعلون، وكما
قال الله تعالى: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ
قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ
أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)
[آل عمران: 165].
Haut du formulaireBas du
formulaire

 

ـــــــــــــــــــــــــــــ

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة
تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
+ posts

أخبار ذات صلة

الهند: حيث يصان الحيوان ويذبح الإنسان

إن المشكلة الحقيقية ليست في احترام الحيوان، فالرحمة بالحيوان خلق

الصلاة وتأثيرها في القيم الأخلاقية

الصلاة تربى الإنسان خلقياً وعقلياً، فهي تربط الإنسان بالله، كما

برنامج «تحسين عبادة الصلاة» ينطلق في ترنقانو الماليزية بمشاركة 102 من الأيتام

برنامج «تحسين عبادة الصلاة» ينطلق في ترنقانو الماليزية بمشاركة 102