آخر الأخبار

كيف يعالج الوحي شعور الإنسان بالضياع والقلق والمعاناة؟

شارك المقال على :

بقلم: د. عبدالمجيد عكروت

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

من أعظم القضايا التي يعالجها القرآن الكريم قضية الإنسان في لحظات ضعفه الوجودي؛ حين تضيق عليه الأسباب، وتتكاثر عليه الأسئلة، ويخالطه الشعور بالوحدة أو الضياع أو القلق من المستقبل. ففي تلك اللحظات لا يكتفي الوحي بتقديم أجوبة عقلية مجردة، بل يتوجه إلى أعماق النفس الإنسانية ليعيد بناء رؤيتها لله وللوجود ولذاتها، ويمنحها من اليقين ما يبدد الحيرة، ومن الأمل ما يطرد اليأس، ومن المعنى ما يحول المعاناة إلى طريق للهداية والنضج الروحي.

وتتجلى هذه الحقيقة بوضوح في عدد من الآيات التي تبدو للوهلة الأولى متفرقة في سياقاتها، لكنها تنتظم في رؤية قرآنية واحدة تعالج أزمة الإنسان مع القلق والاغتراب والمعاناة. فمن جهة يطمئن الله عبده بقوله: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾، ومن جهة أخرى يبين حقيقة وظيفة الوحي بقوله: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾، ثم يكشف عن الأثر العملي لهذا الوحي في حياة الإنسان بقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾.

ويبدو أن الخطاب القرآني في هذه الآيات يرسم رحلة تربوية متكاملة تبدأ بمعالجة الشعور بالوحشة والاضطراب، ثم تعيد تعريف وظيفة الوحي في حياة الإنسان، ثم تنتهي ببيان الثمرة التي يحققها هذا الوحي في النفس والسلوك. ولذلك فإن هذه الآيات لا تقدم مجرد مواساة عابرة، بل تؤسس لرؤية متكاملة للعلاقة بين العبد وربه، وتصحح كثيرًا من التصورات التي تنشأ عنها مشاعر القلق واليأس.

فحين أقسم الله بالضحى والليل إذا سجى لم يكن المقصود مجرد لفت النظر إلى ظاهرتين كونيتين، وإنما الإشارة إلى قانون يحكم الوجود كله. فالضحى لحظة انكشاف ووضوح، والليل إذا سجى لحظة سكون واحتجاب، وكأن الله يلفت الإنسان إلى أن الحياة نفسها تمر بمراحل من التجلي والاحتجاب، ومن الوضوح والغموض، ومن الشعور بالقرب والشعور بالبعد. غير أن المشكلة ليست في هذه التحولات نفسها، بل في الطريقة التي يفسرها بها الإنسان. فكثير من الناس يربطون محبة الله لهم بما يعيشونه من راحة أو نجاح أو انشراح، فإذا فقدوا شيئًا من ذلك ظنوا أن العناية الإلهية قد ابتعدت عنهم. ولهذا جاء جواب القسم حاسمًا: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾. فالليل لا يعني أن الشمس لم تعد موجودة، وإنما يعني أنها محتجبة عن النظر مؤقتًا، وكذلك فترات الجفاف الروحي أو تأخر الإجابة أو اشتداد الابتلاء لا تعني انقطاع الرعاية الإلهية، بل قد تكون جزءًا من سنن التربية الإلهية التي لا يدرك الإنسان حكمتها كاملة في لحظتها.

ومن لطائف التعبير القرآني في هذه الآية أن الله قال: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ ولم يقل: “ما ودعك الله”. فلفظ الرب يحمل معاني التربية والرعاية والتدبير والإنماء، وكأن الخطاب يذكر الإنسان بتاريخ عناية الله به قبل أن يذكره بحاضره. فالذي رعاه في مراحل ضعفه الأولى، وحفظه من حيث لا يحتسب، وقاده عبر منعطفات الحياة المختلفة، لا يمكن أن يتركه في لحظة من اللحظات. ومن هنا تنشأ قاعدة إيمانية عميقة مفادها أن القلق كثيرًا ما ينشأ من النظر إلى اللحظة الراهنة بمعزل عن مسيرة العناية الإلهية كلها، بينما ينشأ اليقين من استحضار هذه المسيرة وتأمل آثارها الممتدة عبر العمر.

ثم يأتي الوعد الإلهي في قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ ليكشف بعدًا آخر من أبعاد العلاج القرآني للمعاناة الإنسانية. فالآية لا تحدد نوع العطاء ولا مقداره، وإنما تجعل الغاية النهائية هي الرضا. وذلك لأن الإنسان قد ينال كثيرًا مما يتمنى ويبقى قلقًا أو ساخطًا، وقد يملك القليل ويعيش في طمأنينة كاملة. ولذلك فإن أعظم ما يعد الله به عباده ليس مجرد تحقق الرغبات، بل الوصول إلى حالة قلبية من الرضا تجعلهم ينظرون إلى أقدار الله بعين الثقة والسكينة. وهنا ينتقل الإنسان من التعلق بالمطالب إلى التعلق برب المطالب، ومن البحث عن الأشياء إلى البحث عن الرضا بالله.

وبعد أن تعالج سورة الضحى شعور الإنسان بالهجران والوحدة، تأتي سورة طه لتصحح فهمًا آخر قد يكون سببًا في المعاناة، وهو سوء فهم وظيفة الدين والوحي. يقول الله تعالى: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾، وهي آية تحمل دلالة تربوية عميقة؛ إذ تذكر بأن المقصد الأصلي للوحي ليس إرهاق الإنسان أو تحميله ما لا يطيق، وإنما هدايته وتزكيته وإخراجه من الحيرة إلى اليقين. ولذلك فإن الفهم الذي يحول الدين إلى مصدر دائم للقنوط والاضطراب والضغط النفسي يحتاج إلى مراجعة، لأن القرآن جاء ليكون رحمة للإنسان لا عبئًا عليه، وليحقق له التوازن لا الانهيار.

ويؤكد السياق هذا المعنى حين يصف القرآن بأنه ﴿تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾. فالقرآن لا يقدم نفسه هنا بوصفه مجرد كتاب معلومات أو معارف، بل بوصفه تذكرة. وكأن الحقيقة الكبرى موجودة أصلًا في أعماق الفطرة الإنسانية، غير أن الغفلة والشهوات ومشاغل الحياة تحجبها، فيأتي الوحي ليوقظ ما خمد ويذكر بما نسي ويعيد الإنسان إلى ما تعرفه روحه في أعماقها. ولهذا يشعر كثير من الناس عند تدبر القرآن أنهم لا يكتشفون حقيقة جديدة بقدر ما يستعيدون حقيقة كانت كامنة في داخلهم.

ثم تأتي النتيجة الطبيعية لهذه الرحلة كلها في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾. فالقرآن لا يهدي إلى الخير فحسب، بل يهدي إلى الأكمل والأعدل والأكثر استقامة واتزانًا. إنه يعالج الانحرافات بمختلف صورها، سواء كانت إفراطًا أو تفريطًا، ويدفع الإنسان نحو حالة من التوازن بين حاجات الروح والجسد، وبين الخوف والرجاء، وبين متطلبات الدنيا والآخرة. ومن هنا كانت الوسطية إحدى أبرز خصائص الرؤية القرآنية للإنسان والحياة.

وعند تأمل هذه الآيات مجتمعة يظهر خيط واحد يربط بينها جميعًا؛ فالإنسان يبدأ رحلته بالشعور بالوحشة والضياع، فيأتيه الخطاب الإلهي مطمئنًا: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾، ثم يتساءل عن وظيفة الوحي في حياته فيأتيه الجواب: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾، ثم يبحث عن أثر هذا الوحي في واقعه فيجد البيان: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾.

وهكذا يرسم القرآن رحلة متكاملة تنتقل بالإنسان من الطمأنينة إلى الفهم، ومن الفهم إلى الهداية، ومن الهداية إلى الرضا.

ولعل جوهر هذه الرحلة كلها يتمثل في حقيقة واحدة: أن أكبر أزمة يعيشها الإنسان هي سوء فهمه لربه، وأن أعظم وظيفة للوحي هي تصحيح هذا الفهم حتى يبلغ القلب مقام الطمأنينة والرضا والاتزان.

ـــــــــــــــــــــــــ

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

عبدالمجيد عكروت
+ posts

أخبار ذات صلة

اجعل أدبك طعامًا، وعملك ملحًا

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا

لجنة القدس وفلسطين بالاتحاد تستعرض أبرز إنجازاتها خلال النصف الأول من عام 2026

أصدرت لجنة القدس وفلسطين بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين تقريرها النصف

100%