بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على أشرفِ المرسلين، وعلى آلهِ وصحبِهِ ومن والاه، أمَّا بعدُ.
فانطلاقا من المسؤولية الشرعية الواقعة على كاهل فقهاء الأمة، فإن لجنة الاجتهاد والفتوى بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين تتابع عن كثب ما تقوم به بعض الأجهزة الإعلامية من تضليل وإرجاف للمسلمين، وفي ضوء ما تموج به الأمة من أحداث وفتن، وما تلاقيه من ابتلاءات كبرى، ومظالم عظمى وبناء على ما سبق، فإن لجنة الاجتهاد والفتوى تبين الرأي الشرعي في ظاهرة التضليل الإعلامي، وذلك على النحو التالي:
أولاً- التضليل الإعلامي أو ما يعرف عند الفقهاء، بـ ( الإرجاف) ظاهرة قديمة في أصلها، جديدة في صورها وأدواتها، وكلها معان متشابهة لحقيقة واحدة، ألا وهي نشر الأكاذيب والتضليل والإشاعات في المجتمع المسلم بقصد زعزعة الأمن في المجتمعات، وطمس الحقائق، وتضليل الناس عن الحق، وإلباس الحق بالباطل والباطل بالحق، وخداع الجمهور وتوجيهه نحو مصالح المروجين والمضللين بواسطة وسائل الإعلام المعاصرة من القنوات الفضائية والإذاعات ووسائل التواصل الاجتماعي ونحوها التي من ورائها دول ومؤسسات ومنظمات، بعضها ينتمي لغير المسلمين، والبعض الآخر ينتمي لدول ومؤسسات في بلاد الإسلام.
ثانياً- تنوعت صور التضليل والإرجاف الإعلامي في عصرنا، فمنها: نشر الأخبار والافتراءات الكاذبة، ومنها: تشويه الحقائق وقلب المفاهيم عبر انتزاع الأحداث من سياقاتها الحقيقية، وتقديم المجرم الظالم على أنه مظلوم والعكس بالعكس، كما في حالة تشويه المقاومة الفلسطينية، ومنها: زعزعة الثوابت الدينية والوطنية، بتصوير المحتل على أنه صديق، أو كون الفرائض الشرعية اختيارات وحرية، ومنها: تصدير الصورة النمطية المضلة، كتصوير المسلم على أنه إرهابي متطرف، أو تشويه صورة المتدين حتى ينفر الناس منه، والتخويف من المساجد أو التعليم الديني، ومنها: تشويه الرموز والقيادات الدينية من العلماء والفقهاء والمؤسسات العلمائية؛ للنيل منهم والتحقير من شأن مؤسساتهم ؛ ليوهن الدين في نفوس المسلمين والناس أجمعين.
ثالثاً- التضليل والإرجاف الإعلامي حرام شرعا، وهو من كبائر الذنوب، وتركه فرض لما فيه من الإضرار بالمسلمين، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا. مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: 60-61]. كما أن الإرجاف والتخذيل والتضليل من صفات المنافقين، كما قال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: 18]
رابعاً- توعد الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم المرجفين والمخذلين والمثبطين والساعين بالفتنة بين المسلمين بالعذاب الأليم والطرد من رحمة الله تعالى، فقال سبحانه: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (61﴾ [الأحزاب: 61]، وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: ” من حالت شفاعتُه دون حدٍّ من حدود الله فقد ضادَّ اللهَ في أمره، ومن قال في مسلم ما ليس فيه حُبِس في رَدْغة الخَبال حتى يخرج مما قال، ومن خاصم في باطل وهو يعلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع” رواه أبو داود. وتختلف درجة الحكم حسب فئة المثبطين والمرجفين، فهناك صناع القرار، والحرمة في حقهم أكبر، وهناك المروجون للشائعات، فهم آثمون، ولكنهم أقل درجة من صانعي القرار.
خامساً- الواجب على المسلمين أفرادا وجماعات وحكومات -كل حسب موقعه ان يقوموا بواجبهم ومسؤولياتهم- تجاه التضليل والإرجاف والتخذيل الإعلامي من خلال ما يلي:
أ- التثبت مما يذاع ويشاع من أخبار ومعلومات، وألا يصدق كل ما يقال، وبخاصة إن صدر من الفسقة وممن اشتهر عنه ذلك إلا بعد التثبت، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]. وقوله تعالى: تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36].
ب- يجب شرعا الحذر من الإشاعات التي يتهم بها بعض الأفراد والمجموعات دون بينة واضحة، إذ الأصل في المسلمين براءة الذمة، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: 12]، وقوله سبحانه: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور: 12].
ت- يجب شرعا أخذ الأخبار والمعلومات من مصادرها الأصيلة من أهل الاختصاص والثقات، لا اتباع كل ناعق، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 83].
ث- يحرم شرعا ترديد الإشاعات ونشر التضليل الذي تقوم به بعض مؤسسات الإعلام، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: “كفى بالمرء إثما أن يحدِّث بكل ما سمع” رواه مسلم في المقدمة.
ج- يجب شرعا وجوبا كفائيا التبليغ عن مروجي الإشاعات وناشري الفتنة والتضليل بين الناس، كل حسب قدرته واستطاعته، وهو من باب النهي عن المنكر، وقد يكون التبليغ بفضح هؤلاء المثبطين للأمة، وقد يكون برفع الدعاوى القضائية في الدول التي تسمح بذلك، وغيرها من الصور التي يتحقق التبليغ بها.
ح- كما يجب على المسلمين تشجيع الإعلام البديل الذي يظهر الحق دون انحياز أو تزييف، وهو من أنواع الجهاد في سبيل الله، كما في قوله -صلى الله عليه وسلم-: “جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم” رواه أبو داود.
سادساً- عقوبة القائمين بالتضليل الإعلامي ونشر الشائعات والفتنة بين المسلمين هي التعزير الشرعي، وهي عقوبة يقدرها القضاء.
والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.
صادرٌ عن لجنةِ الاجتهادِ والفتوى بالاتحادِ العالميِّ لعلماءِ المسلمين.
أمين اللجنة رئيس اللجنة
أ.د. فضل عبد الله مراد أ.د. علي محيي الدين القره داغي
الأعضاء المشاركون في القرار:
| 1 | فضيلة الشيخ محمد الحسن الددو | عضو |
| 2 | فضيلة الشيخ عبد الحي يوسف | عضو |
| 3 | فضيلة الشيخ ونيس المبروك | عضو |
| 4 | فضيلة الشيخ أحمد كافي | عضو |
| 5 | فضيلة الشيخ سلطان الهاشمي | عضو |
| 6 | فضيلة الشيخ نور الدين الخادمي | عضو |
| 7 | فضيلة الدكتورة فريدة صادق زوز | عضو |
| 8 | فضيلة الشيخ مسعود صبري | عضو |
| 9 | فضيلة الشيخ أحمد حوى | عضو |
| 10 | فضيلة الشيخ بلخير طاهري الإدريسي | عضو |
| 11 | فضيلة الشيخ سالم الشيخي | عضو |
| 12 | فضيلة الشيخ إبراهيم أبو محمد | عضو |
| 13 | فضيلة الشيخ عجيل النشمي | عضو |
| 14 | فضيلة الشيخ مصطفى دداش | عضو |