آخر الأخبار

سلسلة مدرسة أُمنا هاجر (عليها السلام) – الحلقة الثالثة: التربية بالإيمان لا بالمواعظ

شارك المقال على:

سلسلة مدرسة أُمنا هاجر (عليها السلام)

صناعة الإنسان في ميزان الإيمان.

الحلقة الثالثة: التربية بالإيمان لا بالمواعظ: كيف صنعت هاجر شخصية إسماعيل؟

قراءة تربوية حضارية في بناء الإنسان المؤمن

تمهيد:

من أكبر الأوهام التربوية في زماننا أن كثيرا من الناس يظنون أن التربية تتحقق بكثرة الكلام، أو وفرة التوجيهات، أو تكرار المواعظ والنصائح، بينما يكشف لنا القرآن الكريم بمنهجه العميق في صناعة الإنسان أن التربية الحقيقية ليست تلقينا نظريا بقدر ما هي بناء وجداني وسلوكي يتشكل عبر البيئة، والمواقف، والنماذج الحية، والممارسة اليومية للإيمان، ولهذا فإن القرآن حين يريد أن يبني النفوس لا يقدم العقيدة بوصفها معلومات ذهنية جامدة، وإنما يقدمها حياة تتحرك في الواقع.

ومن هنا تتجلى عظمة النموذج التربوي في قصة أُمنا هاجر (عليها السلام)، فهذه المرأة المؤمنة لم تُنقل إلينا بوصفها واعظة كثيرة الخطب، ولا معلمة تُكثر من التنظير، ومع ذلك خرج من تحت يديها نبي كريم؛ ذلك النموذج القرآني الفريد للابن المؤمن، المطمئن، الراضي، المستسلم لأمر الله في أشد لحظات الابتلاء، وحين نتأمل شخصية سيدنا إسماعيل u لا يمكن أن نفصل ثباته العظيم يوم الذبح عن البيئة الإيمانية التي نشأ فيها، ولا عن المدرسة التربوية العميقة التي صنعتها أمه في سنوات الخفاء.

إن السؤال الحقيقي هنا ليس كيف صبر إسماعيل؟، بل كيف صُنعت نفس تستطيع أن تقول في لحظة الذبح: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: 102].

1- التربية القرآنية تبدأ من بناء القلب لا من ملء الذاكرة.

منهج القرآن في التربية يختلف جذريا عن كثير من المناهج البشرية المعاصرة، فكثير من النظم التربوية تهتم بحشو العقل بالمعلومات، بينما يركّز القرآن أولا على بناء القلب؛ لأن السلوك في النهاية ليس إلا ثمرة لما يستقر في أعماق النفس، ولهذا فإن الله تعالى حين تحدث عن أهل الإيمان ربط دائما بين الإيمان والعمل ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فالإيمان في التصور القرآني ليس فكرة عقلية باردة، بل قوة داخلية محرّكة للسلوك، ومن هنا نفهم سرّ عظمة التربية التي صنعتها أُمنا هاجر (عليها السلام)، فهي لم تكن تبني في سيدنا إسماعيل u مجرد المعرفة بالله، بل كانت تبني “الشعور بالله”، وهناك فرق هائل بين الأمرين، فقد يعرف الإنسان كثيرا من الأحكام، لكنه ينهار عند أول ابتلاء؛ لأن المعرفة لم تتحول إلى يقين حيّ، أما سيدنا إسماعيل u فقد نشأ في بيئة يرى فيها الإيمان متجسدًا في كل شيء: في خوف أمه ورجائها، في سعيها وصبرها، في كلامها وسكوتها،

في تعاملها مع الأزمات، وفي رؤيتها لله حاضرا في كل التفاصيل، وهكذا تُصنع القلوب المؤمنة.

2- الطفل يتربى بما يراه أكثر مما يسمعه.

من أعظم الحقائق التربوية التي تؤكدها الدراسات الحديثة ويقررها القرآن قبل ذلك بقرون: أن الطفل يكتسب القيم غالبا بالمحاكاة لا بالمحاضرات، فالإنسان في سنواته الأولى يتشرب أنماط السلوك والشعور من البيئة المحيطة به قبل أن يفهم التفسيرات النظرية، ولهذا كانت القدوة العملية أخطر أدوات التربية، إن سيدنا إسماعيل u لم يسمع من أمه درسا نظريا بعنوان “الثقة بالله عند الشدائد”، لكنه رأى ذلك بعينيه، رأى أمًّا: تُترك في صحراء موحشة فلا تنهار، ويشتد بها العطش فلا تيأس، وتنعدم الأسباب حولها فلا تسخط، وتبحث وتسعى وقلبها معلّق بالله.

إن الطفل الذي ينشأ في مثل هذه البيئة لا يتعلم الإيمان بوصفه ثقافة، بل بوصفه طريقة حياة، ولهذا لم يكن يقين سيدنا إسماعيل u طارئا يوم الذبح، بل كان نتيجة تراكم تربوي طويل، فالكلمات العظيمة التي ينطق بها الإنسان وقت الأزمات لا تُولد في لحظة الأزمة، وإنما تكون مخزونة في أعماقه منذ سنوات، ولهذا فإن قوله: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ لم يكن مجرد رد فعل عابر، بل كان ثمرة تربية كاملة.

3- التربية بالإيمان لا تلغي الفطرة… بل تهذبها.

من الأخطاء الخطيرة في بعض الخطابات التربوية تصوير الإيمان وكأنه إلغاء للمشاعر الإنسانية، بينما المنهج القرآني أكثر عمقا واتزانا، فالإيمان لا يقتل الفطرة، وإنما يضبطها ويوجهها، أُمنا هاجر (عليها السلام) لم تكن امرأة بلا خوف، ولا أمًّا بلا قلق، ولا إنسانة منزّهة عن الألم، بل كانت أمًّا بكل ما تحمله الأمومة من ضعف عاطفي وتعلّق وحنان، لكن الفرق أن حبها لله تعالى كان أعلى من خوفها، وأن يقينها كان أقوى من اضطرابها الداخلي، وهذا يعلمنا ان التربية الإيمانية الحقيقية لا تعني صناعة أبناء جامدين لا يشعرون ، بل صناعة نفوس تستطيع أن تضبط مشاعرها بقيمها.

إن سيدنا إسماعيل u لم يكن فاقدا لغريزة حب الحياة حين استجاب لأمر الذبح، بل كان ممتلئا بمعنى أعظم من الخوف نفسه [معنى العبودية لله تعالى]، وهنا تتجلى قمة التربية أن يتحول الإيمان من فكرة خارجية إلى بوصلة داخلية تحكم اختيارات الإنسان عند التعارض.

4- البيئة الإيمانية أخطر من كثرة التوجيهات.

إن من أعظم الدروس المستفادة من قصة أُمنا هاجر (عليها السلام) أن البيئة التربوية أبلغ أثرا من كثرة الأوامر، فالطفل الذي يعيش في بيت يسوده: التوتر، والاعتراض على الأقدار، والخوف المرضي من المستقبل، والهلع عند الأزمات، ستشرب هذه المعاني ولو لم تُقل له مباشرة، كما أن الطفل الذي يعيش في بيت: يرى فيه الصلاة حياة، والقرآن سكينة، والدعاء ملجأ، والثقة بالله منهجا، فإن هذه المعاني تتحول داخله إلى تكوين نفسي دائم، ولهذا فإن التربية ليست مجرد “ما نقوله” للأبناء، بل “ما نكونه” أمامهم، فكثيرا من الآباء يريدون أبناء ثابتين وهم يعيشون القلق في كل لحظة، ويريدون أبناء متعلقين بالله بينما قلوبهم نفسها متعلقة بالدنيا تعلقا مرضيا، ويريدون أبناء صادقين وهم يمارسون التناقض أمامهم يوميا.

أما أُمنا هاجر (عليها السلام) فقد كانت رسالتها التربوية متسقة مع حياتها كلها، ولهذا خرج من بيتها سيدنا إسماعيل u.

5- القرآن ركّز على النماذج لا على النظريات.

من يتأمل القرآن الكريم يجد أن مساحة القصص فيه أعظم بكثير من مساحة التنظير المجرد، والسبب أن الإنسان يتأثر بالنموذج الحي أكثر من تأثره بالمفاهيم النظرية، ولهذا فإن الله تعالى لم يقدّم لنا أُمنا هاجر (عليها السلام) في صورة محاضِرة، وإنما قدّمها نموذجا عمليا لليقين والصبر والتوكل، فالنفوس تُلهم بالفعل أكثر مما تُقنع بالكلام، ومن هنا فإن أزمة التربية في كثير من البيوت والمؤسسات اليوم ليست نقص المعلومات، بل غياب النماذج الصادقة، لقد أصبح الأبناء يسمعون عن القيم أكثر مما يرونها، وهذا جعل هناك فجوة خطيرة تتكون بين المعرفة والسلوك، أما التربية القرآنية فكانت تردم هذه الفجوة بتحويل القيم إلى واقع معاش.

6- من بيت هاجر إلى أزمات التربية المعاصرة.

حين ننظر إلى واقعنا المعاصر نجد أن كثيرا من مشكلات الأبناء ليست ناتجة عن ضعف الذكاء أو قلة الإمكانات، بل عن هشاشة البناء الإيماني والنفسي، لقد كبرت أجيال تعرف كثيرا من المعلومات، لكنها تعجز عن الصمود أمام: الشهوات، والأزمات، والضغوط النفسية، والانهيارات الفكرية، وتقلبات الحياة.

والسبب أن كثيرا من التربية الحديثة ركزت على النجاح المادي أكثر من بناء الإنسان من الداخل، بينما تكشف لنا قصة أُمنا هاجر (عليها السلام) أن أعظم ما يمكن أن يُمنح للطفل ليس الرفاهية المطلقة، بل القلب المرتبط بالله تعالى، فالإنسان قد يعيش فقيرا لكنه قوي النفس، وقد يمتلك كل أسباب الرفاهية لكنه هشّ من الداخل، والأمة التي تريد صناعة جيل ثابت لا يكفيها أن تطور المناهج، بل تحتاج قبل ذلك إلى إعادة بناء المعنى الإيماني في البيوت.

ويبقى السؤال الذي نريد أن نبني عليه عملا وهو كيف نصنع “إسماعيل” في هذا العصر؟، فلا شك ان صناعة الجيل المؤمن لا تبدأ عند لحظة الانحراف، بل تبدأ منذ السنوات الأولى في تشكيل الوعي والوجدان، ومن أهم الأسس التربوية التي تقدمها لنا مدرسة أُمنا هاجر (عليها السلام):

1- غرس معنى اللجوء إلى الله تعالى، بحيث يرى الطفل أن الله هو الملجأ الأول عند الخوف والضيق.

2- التربية بالمواقف لا بالشعارات، فالقدوة العملية أعمق أثرا من آلاف الكلمات.

3- بناء التوازن النفسي، وذلك بعدم تربية الأبناء على الهلع أو الترف المفرط.

4- ربط الأحداث بالله حتى لا ينشأ الطفل أسير التفسير المادي المجرد للحياة.

5- صناعة الإنسان لا مجرد المتفوق، فالنجاح الحقيقي ليس في كثرة الإنجازات، بل في ثبات الإنسان على الحق عند الفتن.

خاتمة

لم تكن عظمة أُمنا هاجر (عليها السلام) فقط في أنها صبرت في الصحراء، بل في أنها استطاعت أن تحوّل الصحراء إلى مدرسة إيمانية خرّجت سيدنا إسماعيل u، لقد ربّت ولدها بالإيمان الحي، لا بالمواعظ المجردة، ولهذا لم يكن سيدنا إسماعيل u مجرد ابن صالح، بل كان إنسانا صُنعت روحه على عين التوحيد.

وهكذا دائما: الأمهات اللاتي يربين أبناءهن على معرفة الله، والثقة به، والرضا عنه، لا يصنعن أبناء صالحين فحسب، بل يصنعن تاريخا كاملا من الثبات واليقين، وربما كان أعظم ما تحتاجه الأمة اليوم ليس كثرة الخطب، بل عودة “مدرسة هاجر”.

الشيخ نشوان عادل البدراني

امام وخطيب جامع التكاي/ مدينة الموصل

ومدير ادارة المجمع الفقهي العراقي/ العراق- نينوى

نشوان عادل البدراني
+ posts

الوسوم

أخبار ذات صلة

رسالة المسجد في العصر الرقمي.. بين الواقع والمأمول

لقد كان المسجد عبر التاريخ الإسلامي من أهم مرتكزات الحضارة

بناء مشاعر الحب وفق المنهج النبوي .. حديث عمر بن الخطاب أنموذجاً

مشاعر الحُبّ من أنبل المشاعر وأطيبها وأقدرها على إحداث سلوكات

سلسلة مدرسة أُمنا هاجر (عليها السلام) – الحلقة الرابعة: الأمومة المؤمنة بين الفطرة والتسليم

تمهيد: من أكثر القضايا التي يختل فهمها في بعض الخطابات

آخر المقالات

100%