(الحلقة الثانية)
(سلسلة مدرسة أُمنا هاجر (عليها السلام): صناعة الإنسان في ميزان الإيمان)
بقلم: الشيخ نشوان عادل البدراني
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
تمهيد:
ليست الأزمات التي تمر بها الأمم دائما أزمات موارد أو إمكانات، بل كثيرا ما تكون أزمات يقين، فقد تمتلك الأمة المال والسلاح والمؤسسات، لكنها تنهار من الداخل حين يضعف يقينها بالله تعالى، وحين تصبح الأسباب المادية وحدها هي معيار الطمأنينة والخوف، والأمل واليأس، والنصر والانكسار.
ومن هنا تأتي عظمة القصص القرآني، إذ لا يروي الأحداث بوصفها حكايات تاريخية جامدة، وإنما يبني بها الوعي، ويصوغ بها النفس، ويعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وربه، وبين القلب والأسباب، وبين الأرض والسماء.
ومن أعظم النماذج القرآنية التي تجسد هذا المعنى العميق قصة أُمنا هاجر (عليها السلام)، فهذه المرأة المؤمنة لم تُواجه مجرد أزمة عابرة، بل وُضعت في ظرف تتلاشى فيه كل الأسباب البشرية التي يتعلق بها الناس عادة؛ فلا ماء، ولا زرع، ولا مجتمع، ولا حماية، ولا مقومات حياة ظاهرة، ومع ذلك خرج من قلب هذا الفراغ الموحش يقين صنع أمة، وخرج من قلب الصحراء ماء لا يزال يتدفق إلى قيام الساعة، إنها ليست قصة امرأة تُركت في واد مقفر فحسب، بل قصة يقين وُلد حين ماتت الأسباب.
- حين تنعدم الأسباب يبدأ الامتحان الحقيقي للإيمان
إن كثيرا من الناس يظنون أنهم متوكلون على الله تعالى، حتى تُسحب منهم الوسائل التي اعتادوا الاتكاء عليها، فإذا ضعفت الأسباب اهتزّت القلوب، وكثرت الشكوى، وبدأ الاعتراض الداخلي على أقدار الله تعالى، ولهذا كان من أعظم معاني التربية الإيمانية في القرآن (تحرير القلب من عبودية الأسباب، وربطه بمسبب الأسباب سبحانه)، وقد شاء الله تعالى أن يُربّي هاجر على هذا المعنى بطريقة عملية قاسية في ظاهرها، عظيمة في حقيقتها، يقول الله تعالى على لسان سيدنا إبراهيم u: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: 37].
إن التعبير القرآني هنا بالغ الدقة، فلم يقل: وادٍ قليل الزرع، ولا قال: ضعيف الموارد، بل قال: ﴿غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾، أي إن الأسباب منعدمة أصلا، وهنا تتجلى طبيعة الامتحان، فالابتلاء الحقيقي ليس حين تقلّ الإمكانات فقط، بل حين يبدو المشهد كله مغلقا بمنطق البشر، ولهذا كان سؤال أُمنا هاجر (عليها السلام) سؤالا عقديّا عظيما: «آللَّه أمرك بهذا؟»، إنها لم تبحث أولا عن تفسير مادي، ولا عن خطة نجاة بشرية، بل أرادت أن تعرف هل هذا الطريق موصول بالله أم لا؟، فلما علمت أن الأمر من الله تعالى قالت: «إذن لا يضيّعنا الله»، وهذه العبارة ليست مجرد حسن ظن، بل هي مقام عالٍ من مقامات التوحيد، إنها إعلان يقين بأن الله إذا تولّى العبد، فلن تكون قلة الأسباب سببا للهلاك.
- الفرق بين عبودية الأسباب والتعامل مع الأسباب.
من الأخطاء الشائعة في فهم التوكل أن يُظن أن الثقة بالله تعني ترك العمل أو إهمال السعي، لكن أُمنا هاجر (عليها السلام) نفسها تعلّمنا المعادلة الإيمانية الدقيقة، فبعد أن قالت:
«إذن لا يضيّعنا الله» لم تجلس منتظرة المعجزة، بل بدأت تسعى، وتركت رضيعها، وانطلقت تبحث عن الماء، وصعدت الصفا، ثم نزلت، ثم صعدت المروة، وكررت السعي سبع مرات، إنها حركة إنسان يعلم أن الله هو الرازق، لكنه يعلم كذلك أن الله أمر بالأخذ بالأسباب.
وهنا يظهر التوازن الإسلامي العظيم: فالتوكل ليس تعطيلا للأسباب، كما أن الأسباب ليست مصدر النجاة بذاتها، ولهذا قال أهل العلم: “الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، وترك الأسباب قدح في الشرع”، فالقلب يتعلق بالله تعالى، والجوارح تعمل بما أذن الله به من وسائل، وسيدتنا هاجر (عليها السلام) لم تكن متعلقة بالسعي ذاته، بدليل أن الماء لم يخرج من الموضع الذي كانت تسعى إليه، وإنما خرج من تحت قدمي ابنها الرضيع u، وكأن الله تعالى يريد أن يعلّم البشرية كلها: أن الأسباب لا تخلق النتائج بذاتها، وإنما النتائج تأتي بأمر الله وحده.
- حكمة الله تعالى في اختيار الصحراء.
من أعظم الأسئلة التدبرية في هذه القصة: لماذا كانت التربية في الصحراء تحديدا؟، ولماذا لم يكن بناء سيدنا إسماعيل u في بيئة مريحة مستقرة غنية بالموارد؟
والجواب أن النفوس العظيمة كثيرا ما تُصنع في مواطن التجريد، فحين تقلّ الملهيات، وتضعف التعلقات الأرضية، يصبح القلب أكثر استعدادا للاتصال بالله، ولهذا كانت الصحراء في التاريخ النبوي مدرسة للتوحيد والتجرد، ففيها خلوة سيدنا إبراهيم u، وفيها نشأة إسماعيل u، ومنها خرج خاتم الأنبياء r، وفيها نزل الوحي أول مرة في غار حراء، وعليه فإن البيئات المترفة كثيرا ما تُغرق الإنسان في وهم الاكتفاء بالأسباب ، بينما تكشف البيئات القاسية حقيقة الافتقار إلى الله تعالى، ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر: 15]، وأُمنا هاجر (عليها السلام) لم تتعلم هذا المعنى نظريا، بل عاشته بكل تفاصيلها.
- صناعة اليقين تبدأ من الأم.
إن المتأمل في شخصية سيدنا إسماعيل u يدرك أن هذا الثبات العظيم لم يتشكل فجأة، فالولد الذي قال: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: 102] هو ابن المدرسة التي قالت يوما:
«إذن لا يضيّعنا الله»، ومن هنا تظهر خطورة الدور التربوي للأم في تشكيل البناء العقدي والنفسي للأبناء، فالأم ليست مجرد مقدمة للخدمات اليومية، بل هي في الحقيقة:
صانعة الوعي الأول، والمشكّلة الأولى للأمان النفسي، والمصدر الأعمق للمعاني التي تستقر في القلب، ولهذا فإن الطفل الذي ينشأ في بيت يرى فيه: الثقة بالله، والرضا بقضائه، والصبر على أقداره، وعدم الهلع عند الأزمات، فإن هذه المعاني تتحول داخله مع الزمن إلى بنية ثابتة.
أما الطفل الذي يتربى في بيئة يسودها الذعر، والسخط، والاعتراض المستمر على أقدار الله تعالى، فإنه يحمل هذا الاضطراب معه ولو كبر، ولهذا فإن أعظم ما قامت به أُمنا هاجر (عليها السلام) لم يكن مجرد الصبر، بل صناعة نفس مؤمنة تعرف الله في الرخاء والشدة.
- معجزة زمزم حين يتحول اليقين إلى حضارة.
إن زمزم لم تكن مجرد ماء، بل كانت إعلانا ربانيا خالدا أن الله قادر أن يفتح أبواب الحياة من قلب المستحيل، ومن اللافت أن الله تعالى لم يجعل زمزم معجزة عابرة تنتهي بانتهاء اللحظة، بل جعلها نبعا ممتدا عبر القرون، وكأن الرسالة: أن اليقين الصادق لا ينقذ الأفراد فقط، بل يصنع التاريخ، فمن ذلك الوادي خرجت مكة، ثم البيت الحرام، ثم أمة التوحيد، ثم خاتم الرسالات r وهنا تتجلى سنة قرآنية عظيمة أن الانطلاقة الكبرى قد تبدأ من لحظة ضعف يظن الناس أنها نهاية، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6]، ولم يقل: بعد العسر، بل قال: ﴿مَعَ﴾، أي إن رحمات الله قد تكون كامنة داخل المحنة نفسها.
ونتعلم من أُمنا هاجر (عليها السلام) ان الأمة اليوم تعيش صورا متعددة من “انعدام الأسباب” ضعفا سياسيًا، واضطرابا فكريا، وأزمات اقتصادية، وانهيارات تربوية،
وتراجعا في منظومات القيم، وفي خضم هذه الفوضى، تصبح قصة هاجر رسالة تربوية متجددة، فاليقين لا يعني إنكار الواقع، بل يعني ألا يتحول الواقع إلى إله يُعبد من دون الله، والمؤمن الحق لا يقيس المستقبل فقط بمعادلات الأرض، بل يراه بعين الثقة بالله تعالى، لقد كانت أُمنا هاجر (عليها السلام) وحدها في ظاهر الأمر، لكن السماء كلها كانت معها، وكان الوادي خاليا من البشر، لكنه لم يكن خاليا من عناية الله تعالى، وهكذا المؤمن دائما قد تقلّ إمكاناته، وقد تضيق به الأرض، وقد تتكاثر عليه الأزمات، لكن أعظم أسباب القوة ليست فيما يملكه الإنسان، بل فيمن يتوكل عليه.
خاتمة:
إن قصة أُمنا هاجر (عليها السلام) ليست قصة امرأة في الصحراء، بل قصة عقيدة، قصة قلب تعلّم أن الله لا يضيّع من تولّاه، ولهذا بقي ذكرها خالدا، وبقي سعيها عبادة، وبقي أثرها ممتدا في تاريخ الإيمان.
لقد علّمت البشرية أن اليقين الحقيقي لا يظهر حين تكون الطرق مفتوحة، بل حين تُغلق الأبواب كلها ويبقى باب الله وحده، وهنا يبدأ الإيمان الحقيقي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
* الشيخ نشوان عادل البدراني؛ عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، إمام وخطيب جامع التكاي/ مدينة الموصل، ومدير ادارة المجمع الفقهي العراقي/ العراق- نينوى.
