تمهيد:
من أكثر القضايا التي يختل فهمها في بعض الخطابات الوعظية والتربوية هي العلاقة بين الإيمان والفطرة الإنسانية، فثمة من يتصور أن كمال الإيمان يعني التجرد من المشاعر، أو قمع العواطف، أو التحول إلى كائن لا يتألم ولا يضطرب ولا يخاف.
بينما يقدم القرآن الكريم نموذجا أكثر عمقا وإنسانية واتزانا؛ إذ لا يُلغي الفطرة، وإنما يهذبها، ولا يحارب المشاعر، وإنما يوجهها، ولا يطلب من الإنسان أن يفقد إنسانيته، بل أن يسمو بها في ضوء العبودية لله تعالى، ومن هنا تتجلى عظمة النماذج النسائية المؤمنة في القرآن، وعلى رأسها أُمنا هاجر (عليها السلام).
فهذه المرأة لم تكن مجرد نموذج للصبر المجرد، بل كانت صورة مكتملة لـ “الأمومة المؤمنة” تلك الأمومة التي تجمع بين حرارة الفطرة وعلوّ اليقين، بين الحنان البشري والتسليم الرباني، بين دموع القلب وثبات الروح.
والمتأمل في قصة أُمنا هاجر (عليها السلام) يدرك أن أعظم ما فيها ليس غياب الألم، بل القدرة على تقديم أمر الله تعالى مع بقاء القلب قلبَ أمٍّ يشعر ويتألم ويحب ويخاف، وهنا يكمن العمق التربوي والإنساني العظيم في القصة.
- الإسلام لا يصادم الفطرة، بل يزكيها.
من القواعد الكبرى في التصور الإسلامي أن الله تعالى خلق الإنسان بفطرة، وأن هذه الفطرة ليست عيبا ينبغي إلغاؤه، وإنما طاقة تحتاج إلى تهذيب وضبط، قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: 30]، ولهذا لم يأت الإسلام لمحاربة المشاعر الإنسانية، فلم يُحرّم الحب، ولم يُلغ الحزن، ولم يمنع الخوف، ولم يطلب من الإنسان أن يتجرد من عواطفه، حتى الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) وهم أكمل البشر إيمانا عاشوا هذه المشاعر، فبكى سيدنا يعقوب u على سيدنا يوسف u حتى ابيضّت عيناه، وحزن النبي r على موت ابنه إبراهيم وقال: «إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن»، لكن الفرق الجوهري أن الإيمان يمنع الفطرة من التمرد على أمر الله تعالى، ويمنع المشاعر من التحول إلى اعتراض على القدر، وهنا يظهر المعنى العميق للأمومة المؤمنة.
فالأم المؤمنة ليست امرأة بلا خوف على ولدها، بل امرأة تجعل خوفها خاضعا لله تعالى، وليست امرأة بلا تعلق، بل امرأة يكون الله أحب إليها من كل ما تتعلق به.
- أُمنا هاجر الأم التي لم يلغِ اليقين أمومتها.
حين نتأمل قصة أُمنا هاجر (عليها السلام) نجد أننا أمام أمومة متدفقة بالمشاعر الإنسانية،
امرأة تُترك في صحراء قاحلة مع رضيعها الوحيد، أيُّ قلب أمٍّ لا يرتجف في مثل هذا المشهد؟ ولهذا فإن عظمة أُمنا هاجر (عليها السلام) لا تكمن في أنها لم تشعر بالخوف، بل في أنها لم تسمح للخوف أن يهزم يقينها.
إن بعض التصورات السطحية تتعامل مع الصبر وكأنه غياب للإحساس، بينما الحقيقة أن الصبر لا يكون إلا مع وجود الألم، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ﴾ [البقرة: 155-156]، فالمصيبة موجودة، والألم موجود، لكن طريقة التعامل معه هي الفارق، ولقد كانت أُمنا هاجر (عليها السلام) أمًّا بكل ما تحمله الأمومة من خوف على الطفل، وتعلّق به، وحرص على حياته، واضطراب عند رؤيته يتألم، لكن هذه الفطرة لم تتحول عندها إلى اعتراض على أمر الله عزوجل.
ومن هنا نفهم سؤالها العظيم: «آللَّه أمرك بهذا؟»، إنه سؤال قلب يريد أن يطمئن أن ما يجري ليس عبثا، بل هو ضمن حكمة الله وأمره، فلما علمت أن الأمر من الله تعالى استقرت روحها رغم اضطراب الواقع، وهنا يتجلى الفرق بين “السكينة” و”غياب الألم”،
فالسكينة الإيمانية لا تعني انعدام الوجع، بل تعني حضور الطمأنينة وسط الوجع.
- الأمومة المؤمنة ليست ضعفًا عاطفيًا ولا قسوة متصنعة.
في بعض البيئات التربوية يقع انحرافان متقابلان:
الانحراف الأول: الاستسلام العاطفي الكامل حتى تصبح التربية أسيرة الخوف المفرط على الأبناء، والدلال الذي يفسد الشخصية، والتعلق المرضي الذي يمنع الطفل من النضج.
والانحراف الثاني: القسوة المتصنعة باسم التربية، حيث يُظن أن القوة تعني الجفاف العاطفي، أو أن التدين يعني قتل الحنان.
أما النموذج القرآني فيقدم توازنا مدهشا، فأُمنا هاجر (عليها السلام) كانت أمّا حانية، لكنها لم تربِّ ابنها على الهشاشة النفسية، وكانت محبة لولدها، لكنها لم تجعل هذا الحب منافسا لمحبة الله تعالى، واستطاعت أن تزرع في سيدنا إسماعيل u شخصية متوازنة، قوية دون قسوة، مطمئنة دون ضعف، مؤمنة دون اضطراب، وإن أعظم خطر على التربية المعاصرة ليس فقط ضعف القيم، بل اختلال التوازن النفسي والعاطفي في البيوت، فكثير من الأبناء اليوم يعيشون بين تدليل مفسد، أو قسوة مدمرة، أو فراغ عاطفي، أو خوف مرضي من المستقبل، أما التربية الإيمانية فتصنع إنسانا يحب ويشعر، لكن قلبه يبقى متصلا بالله تعالى.
- بين فطرة الأم وتسليم العبدة … لحظة الذبح نموذجا.
من أعمق المواضع التي تتجلى فيها الأمومة المؤمنة هي التأمل في الحال الوجاني لأُمنا هاجر (عليها السلام) من حادثة الذبح، والقرآن الكريم لم يذكر لنا تفاصيل موقفها، وكأن المجال مفتوح للتأمل في المعنى التربوي والإنساني العميق، ومن المهم هنا التفريق بين النص القطعي وبين التصوير الوجداني المشروع.
فنحن لا نروي أحداثا تاريخية ثابتة، وإنما نتأمل طبيعة النفس المؤمنة، فأيُّ أم يمكن أن تسمع أن ولدها يُقاد إلى الذبح ثم لا يهتز قلبها؟ إن هذا مستحيل فطريا، لكن السؤال الحقيقي ليس: هل تألمت أُمنا هاجر (عليها السلام)؟، بل: كيف تعاملت مع الألم؟، وهنا يظهر مقام التسليم.
إن التسليم لله تعالى لا يعني أن القلب لا ينكسر، بل يعني ألا يتحول الانكسار إلى اعتراض، ولعل هذا من أعظم معاني العبودية أن يقدّم الإنسان محبة الله حتى في أكثر المواضع التصاقا بفطرته، ولهذا كان ابتلاء الذبح من أعظم الابتلاءات في تاريخ البشرية؛ لأنه لم يكن متعلقا بالمال أو الجاه، بل بأعمق الروابط الإنسانية، رابطة الوالد بولده.
ومن هنا نفهم لماذا استحق سيدنا إبراهيم u: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: 37]، ولماذا كانت أسرة سيدنا إبراهيم u كلها مدرسة في التسليم.
- الأمومة المؤمنة تصنع أبناء ثابتين.
ان الثبات الإيماني لا يولد فجأة عند الأزمات، بل يُبنى بهدوء عبر سنوات طويلة من التربية العميقة، وأُمنا هاجر (عليها السلام) لم تصنع سيدنا إسماعيل u بالمواعظ المجردة ، وإنما صنعت داخله بنية نفسية وروحية متماسكة، ولهذا رأى سيدنا إسماعيل u في أمّه أمّا تلجأ إلى الله تعالى عند الشدائد، وتسعى دون يأس، وتثق بالله عند انعدام الأسباب، وتصبر دون سخط، وتعيش الإيمان واقعا يوميا.
وهكذا تُصنع الشخصيات العظيمة، فالطفل لا يتربى فقط بما يسمعه، بل بما يراه متجسدا في أقرب الناس إليه، ولهذا لم يكن غريبا أن يقول سيدنا إسماعيل u: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾، لأن هذه الروح المؤمنة بدأت تتشكل منذ طفولته الأولى.
إن الأمهات لا يربين أبناءهن بالكلمات فقط، بل بطريقة التعامل مع الحياة نفسها، ولهذا فإن أعظم ما يحتاجه الأبناء اليوم ليس كثرة التوجيهات بقدر حاجتهم إلى رؤية الإيمان حيّا في بيوتهم.
- أزمة الأمومة المعاصرة بين المادية والهشاشة النفسية.
لقد أدت التحولات المعاصرة إلى تشويه مفهوم الأمومة في اتجاهين متناقضين:
الاتجاه المادي الاستهلاكي الذي اختزل نجاح الأم في توفير الرفاهية والإنجازات الشكلية للأبناء.
والاتجاه العاطفي الهش الذي جعل بعض الأمهات يعشن خوفا مرضيا دائما على الأبناء، حتى نشأت أجيال ضعيفة نفسيا غير قادرة على مواجهة الحياة.
بينما يكشف النموذج القرآني أن الأمومة الحقيقية ليست فقط إشباع الحاجات الجسدية، بل بناء الإنسان من الداخل، فالأم التي تزرع في ولدها الثقة بالله، والصبر، وتحمل المسؤولية، والرضا، والتوازن النفسي، تمنحه أعظم ما يمكن أن يُمنح لإنسان.
إن الحضارات لا تبدأ من المؤسسات الكبرى فقط، بل تبدأ من نوعية الإنسان الذي تُنتجه البيوت، ولهذا فإن بناء الأم المؤمنة ليس قضية أسرية هامشية، بل قضية حضارية تتعلق بمستقبل الأمة كلها، فحين تنهار الأمومة تربويا، تنهار معها الأجيال، وحين تتحول البيوت إلى أماكن خاوية من الإيمان والسكينة، يظهر جيل مضطرب فاقد المعنى مهما امتلك من أدوات القوة المادية، ولهذا فإن قصة أُمنا هاجر (عليها السلام) ليست مجرد قصة تاريخية، بل مشروع حضاري متكامل في صناعة الإنسان المؤمن.
خاتمة:
لم تكن أُمنا هاجر (عليها السلام) امرأة خارقة لا تشعر، بل كانت أمّا مؤمنة جعلت من إيمانها قائدا لفطرتها، لا عدوا لها، وعلى الأرجح أنها بكت وخافت، واضطرب قلبها، لكنها لم تسمح لمشاعرها أن تنفصل عن ربها، وهنا يكمن سرّ عظمتها، حيث أن الأمومة المؤمنة ليست إلغاء للمشاعر، بل تهذيبا لها في ضوء العبودية لله تعالى.
ولهذا خرج من بيت أُمنا هاجر (عليها السلام) سيدنا إسماعيل u، وما أحوج الأمة اليوم إلى إعادة بناء هذا النموذج: أمومة حانية، لكنها قوية، رقيقة، لكنها ثابتة، ممتلئة بالعاطفة، لكنها ممتلئة بالله قبل كل شيء.
الشيخ نشوان عادل البدراني
امام وخطيب جامع التاي/ مدينة الموصل.
ومدير ادارة المجمع الفقهي العراقي/ العراق- نينوى
