آخر الأخبار

الهجرة النبوية وفلسطين.. حين يصنع الايمان طريق النصر

شارك المقال على:

تتوق النفس في ذكرى الهجرة النبوية الى تلك اللحظات الفارقة في حياة الأمة الاسلامية، تلك اللحظات التي صنعت مجدا وتاريخا لا ولن يُمّحى.. تأتي ذكرى الهجرة النبوية فتوقظ فينا معاني العزة والصبر والثبات وتذكرنا بأن طريق الحق لا يخلو من تضحيات ومن محن، وأن النصر لا يولد الا من رحم المعاناة والصمود.. لا يختلف اثنان على أن ما قاساه النبي محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته من الرعيل الأول من شتى أنواع الأذى والاضطهاد، حتى ظن المشركون أنهم قادرون على إطفاء نور الله وإخماد جذوة دعوته، لكن إرادة الله كانت فوق كل إرادة، قال تعالى”
﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: 8].
ولما اشتد البلاء، أذن الله لنبيه بالهجرة، فخرج صلى الله عليه وسلم من مكة، لا هاربًا من الرسالة ومن تبعاتها ومن حملها الثقيل، بل حاملًا لها إلى آفاق واسعة والى قلوب ظمأى، وكانت الهجرة درسًا خالدًا في الأخذ بالأسباب والتوكل على الله، وفي الثقة بوعده سبحانه مهما اشتدت الخطوب.
وفي طريق الهجرة، كان لابد من رفيق الطريق صادقٍ صَدوقٍ يَفدي رسول الله بالنفس والنفيس، فيدخل هو اولا للغار ويتأكد إن لم يكن هناك ما يضر رسول الله، ويسد الثقوب خوفا من خروج عقرب أو أفعى، ذلك الصاحب الذي أحبه رسول الله وحق له ذلك فهو الذي نصره وآزره واول من آمن به، وحين خاف من انكشاف أمرهما أجابه النبي صلى الله عليه وسلم بكلمات خالدة تهز القلوب وتبعث اليقين:
«ما ظنك باثنين الله ثالثهما» متفق عليه.
ثم نزل قول الله تعالى:
﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ … إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40].
إن هذه الآية ليست مجرد قصة تُروى، بل هي منهج حياة للأمة كلها، وخاصة للشعوب التي تواجه الظلم والاحتلال والعدوان.
وهكذا هي فلسطين الحبيبة، أرض الإسراء والمعراج، وأرض الرباط المباركة، التي ما زال أهلها يسطرون أروع صور الصبر والثبات. فكما واجه المسلمون الأوائل الحصار والأذى والتهجير، يواجه الفلسطينيون اليوم صورًا متعددة من المعاناة، لكنهم يثبتون للعالم أن الإيمان بالحق أقوى من آلة الظلم، وأن التمسك بالأرض والهوية ليس مجرد موقف سياسي، بل هو قضية كرامة ووجود.
لقد علمتنا الهجرة أن الابتلاء سنة ماضية، وأن النصر وعد إلهي للمؤمنين الصادقين، قال تعالى:
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139].
وقال سبحانه:
﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6].
كما أن الهجرة تعلمنا أن النصر يحتاج إلى الإعداد والوحدة والتضحية، فقد آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، وبنى مجتمعًا متماسكًا قائمًا على الأخوة والتكافل والتسامح. واليوم أحوج ما تكون الأمة إلى استلهام هذا الدرس، فتتوحد كلمتها وتناصر قضاياها العادلة وتدعم صمود المظلومين بكل الوسائل المشروعة.
وفي الحديث الشريف يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» متفق عليه.
فما أحوج الأمة إلى تجسيد هذا المعنى العظيم اتجاه فلسطين وسائر قضايا المظلومين، بالدعاء الصادق، والدعم المشروع، والتوعية، وتعزيز قيم التضامن والأخوة.
إن ذكرى الهجرة ليست مناسبة تاريخية فحسب، بل هي دعوة متجددة إلى تجديد الإيمان، وإحياء الأمل، والثقة بوعد الله، والعمل من أجل نهضة الأمة ووحدتها. فكما تحولت الهجرة من محنة إلى منحة، ومن استضعاف إلى تمكين، فإن سنة الله ماضية بأن الفرج يأتي بعد الشدة، وأن النور يولد من قلب الظلام.
قال تعالى:
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: 5].
وفي ذكرى الهجرة النبوية المباركة، نجدد العهد مع الله على الثبات على الحق، وعلى الصدع به في كل آن ومكان وعلى ايصال صوت اخواننا المستضعفين في غزة وفكل فلسطين، ونغرس في نفوس أبنائنا قيم الصبر والعزة والكرامة، ونعلمهم أن فلسطين قطعة من روح الأمة وهي تسكن وجداننا ولا حياة لنا بدونها ولا عز لنا الا بتحررها ،ونرفع أكف الضراعة أن يحفظ الله فلسطين وأهلها، وأن يفرج كرب المظلومين، وأن يجمع شمل الأمة على الحق والخير، وأن يمن علينا بصلاة في المسجد الأقصى وهو محرر من دنس الصهاينة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
أجمعين.

أ.رشيدة قادري
+ posts

الوسوم

أخبار ذات صلة

رئيس الاتحاد يستقبل سفيري تركيا واليمن في مقر الاتحاد بالدوحة

استقبل رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين سماحة الشيخ علي محيي

حقيقة العلم

حقيقة العلم رحلةُ بناءٍ، ومسيرة تدرّجٍ، وملازمةُ المعرفة وأهلها، كلّ

اللطف قوةٌ تبني الإنسان: حين يلتقي هدي النبوة باكتشافات علم الأعصاب

من الأخطاء الشائعة أن يُنظر إلى اللطف على أنه خُلُقٌ

آخر المقالات

100%