آخر الأخبار

حقيقة العلم

شارك المقال على:

حقيقة العلم رحلةُ بناءٍ، ومسيرة تدرّجٍ، وملازمةُ المعرفة وأهلها، كلّ ذلك ينمو شيئًا فشيئًا، وتتراكم لبناته على مهل حتّى تتكوّن للطّالب ملكةٌ وخارطة تزن الأقوال، وتميّز بين دقائق المسائل، وتضع كلَّ علم في موضعه، وترتّب أنساب الجزئيّات، وتضبط الكليّات.
وللعلم صورةٌ ظاهرةٌ يعرفها النّاس؛ من قراءة وتدريسٍ وتصنيفٍ وإجازةٍ ولباسٍ وهيئةٍ وألقاب، وهذه كلُّها من شعائر العلم وآثاره الحسنة إذا وافقت حقيقةً راسخةً في النّفس، وكانت ثمرةً لتكوينٍ صحيحٍ ومسارٍ علميٍّ متين. غير أنّ الإشكال ينشأ حين تستقلُّ الصّورةُ عن الحقيقة، فيُكتفى بالمظهر عن المخبر، وبالشّعار عن المقدار، وببعض أدوات العلم عن أصوله وأركانه؛ فترى من نال طرفًا من المعرفة، أو حاز إجازةً في الرّواية، أو اطّلع على شيءٍ من فنون العلم، يظنّ أنّ ذلك قد بلّغه منازل الرّاسخين؛ فيتقدّم قبل اكتمال عدّته، ويتصدّر قبل تمام أهليّته.
وهنا يظهر لونٌ من ألوان الزّيف المعرفيّ؛ لا يقوم على الكذب الصّريح، لكنّه يعتمد الوهم في تقدير النّفس، والتّوسّع في الدّعوى، والتّشبّع بما لم يُحصَّل على وجهه؛ فيكثر الحديث عن العلم، وتُستعار ألفاظ أهله، وتُلبس هيئاتهم، بينما تبقى ملكةُ التّحقيق، وفقهُ المآخذ، ومعرفةُ حدود العلم وآفاته، أمورًا لم تنضج بعد في صاحبها.
ومن أجل ذلك كان العلماء يعدّون معرفةَ المرء بقدر نفسه من دلائل الفقه والعقل، ويرون أنّ التّواضع للعلم، وطولَ الملازمة لأهله، والصبر على مدارج التّكوين أقرب إلى الرّسوخ من التماس مظاهر التّقدّم قبل أوانها.

لا يباع الثَمر قبل نضجه إلّا بشرط القطع.

د. رياض بن عبدات
+ posts

الوسوم

أخبار ذات صلة

رئيس الاتحاد يستقبل سفيري تركيا واليمن في مقر الاتحاد بالدوحة

استقبل رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين سماحة الشيخ علي محيي

اللطف قوةٌ تبني الإنسان: حين يلتقي هدي النبوة باكتشافات علم الأعصاب

من الأخطاء الشائعة أن يُنظر إلى اللطف على أنه خُلُقٌ

الصيام وتأثيره في القيم الأخلاقية

لعبادة الصوم آثار في تهذيب الأخلاق وحمل النفس على المكارم،

آخر المقالات

100%