آخر الأخبار

الحاكِميّة

التعريف اللغوي :

(الحاكميّة) مصدر صناعيّ حديث، يتميّز بخصائص العموم والشّمول والإطلاق، وأصله في لسان العرب من “الحكـم”؛ الذي هو المنع من الظّلم، والقضاء بالعدل، والحكمة، والعلم، والفقه في الدّين

التعريف الاصطلاحي:

الحاكميّة هي السّلطة التّشريعيّة العليا المطلقة التي اختصّ بها الله وحده، وتفرّد بها دون غيره؛ سواء على مستوى الخلق الطّبيعيّ، أم على مستوى التّشريع القانونيّ، الذي لا حقّ لأحد في وضعه أيّا كان؛ فردا أو جماعة أو حزبا أو حكومة أو أيّ جهة كانت..

المصطلح في الكتاب والسنة:

– الحاكميّة في القرآن الكريم:
إذا استقرأنا آيات الكتاب العزيز وجدناها مشحونة ببسط حقيقة الحاكميّة، بحيث يمكننا القول: إنّ (الحاكميّة) هي جوهر الخطاب القرآنيّ، وقطب رحى قوانينه كلّها؛ بل هي كلّيّة الخطاب الإلهيّ للبشريّة برمّتها، وهذا يعني أنّه في البدء كانت الحاكميّة؛ حيث ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ (البقرة/213). وفي الختم كانت الحاكميّة؛ وبها أرسل الله خاتم المرسلين؛ إذ قال له: ﴿..وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ، فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحَقِّ؛ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً، وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ، فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ، إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا، فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ. وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ؛ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ، وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ، أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة/ 48-50).
فهذا مجمل بيان حقيقة الحاكميّة، كما تأصّلت في القرآن الكريم بهذا التّوسّع في البيان، وبهذا الوضوح في العرض، وبهذا التّكرار والتّنويع في أساليب الخطاب بالاستقراء التّامّ المفيد للقطع بمركزيّتها العقديّة، وشموليّتها التّشريعيّة، سواء على المستوى الكونيّ، أو على مستوى الاجتماع البشريّ، منذ بدء الخلق إلى نهاية التّاريخ.
– الحاكميّة في السّنّة النّبويّة:
أمّا في السّنّة النّبويّة، فقد ورد معنى (الحاكميّة) بكثرة؛ إذا أخذنا في الاعتبار أنّ هذا المبدأ يتمثّل فعليّا في تطبيق الأحكام الإلهيّة في كلّ ميادين الحياة. ولا بأس من التّذكير ببعض ما جاء فيها؛ فقد ورد في حديث معاذ حين بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن، أنّه قال له: «بم تحكم؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنّة رسول الله ﷺ ، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي». ومنها ما ذكره رسول الله ﷺ في وصيّته لمن أمّره على الجيش: «.. وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوا أن تُنزلهم على حكم الله، فلا تُنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك؛ فإنّك لا تعلم أصبت حكم الله فيهم أم لا». ومنها قوله لسعد بن معاذ لمّا حكم في بني قريظة: «لقد حكمتَ فيهم بحكم الملك».
فهذه النّوازل -وغيرها ممّا في معناها- تفيد بأنّه متى وجد حكم الله في أيّ نازلة فلا حكم إلّا له، ولا بديل عنه مطلقا، ومتى فقد ولم يعلم فلأهل الاجتهاد أن يبذلوا قصارى جهدهم فيما يرونه أقرب إلى الصّلاح، وأبعد عن الفساد، فيحكموا بما بدا لهم منه؛ عملا بمقتضى السّياسة الشّرعيّة، كما هو المستفاد من قول ابن عقيل فيما نقله عنه ابن القيّم: «(السّياسة) ما كان من الأفعال، بحيث يكون النّاس معه أقرب إلى الصّلاح، وأبعد عن الفساد، ولو لم يشرّعه الرّسول ﷺ ، ولا نزل به وحي»، وذلك باعتبار أنّ السّياسة الشّرعيّة هي مجموع الإجراءات والتّدابير المصلحيّة التي تتّخذها السّلطات العامّة لفائدة الخاصّة والعامّة، ولو لم يأت فيها حكم شرعيّ خاصّ، قال ابن نجيم: «(السّياسة) هي فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها، وإن لم يرد بذلك الفعل دليل جزئيّ».
إنّ حاكميّة السّنّة لا تخرج في معناها الكلّيّ عن حاكميّة القرآن، وذلك بحكم أنّ «السّنّة راجعة في معناها إلى الكتاب؛ فهي تفصيل مجمله، وبيان مشكله، وبسط مختصره»)، ولهذا لمّا سئلت السيّدة عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله ﷺ قالت: «كان خلقه القرآن»، «واقتصرت في خلقه على ذلك؛ فدلّ على أنّ قوله وفعله وتقريره راجع إلى القرآن؛ لأنّ الخلق محصور في هذه الأشياء، ولأنّ الله جعل القرآن تبيانا لكلّ شيء».
والسّنّة بهذا المعنى هي التّرجمة العمليّة للحاكميّة الإلهيّة على جميع المستويات، وفي كلّ المجالات؛ العقديّة والتّعبّديّة والأخلاقيّة والمعرفيّة والتّربويّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والسّياسيّة والعسكريّة والفنّيّة… وغير ذلك ممّا يندرج ضمن مجموع التّصرّفات النّبويّة، سواء بالتّبليغ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (المائدة/67)، أو بالبيان: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل/44)، أو بالقُدوة: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب/21)، أو بالإمامة السّياسيّة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (النساء/59). وهو ما يَقطع بأنّ السّنّة النّبويّة هي التّرجمة العمليّة لحقيقة (الحاكميّة الإلهيّة) بكلّ ما تعنيه من عموم وشمول؛ سواء في خاصّة حياته الشّخصيّة، أو في عامّة تدبير شؤون أمّته كلّها.

فوائد:
إنّ قضيّة “الحاكميّة الشّاملة”، أو “الحاكميّة الجزئيّة”، من آكد ما يجب العلم به والعمل على إحيائه واسترجاعه، والمطالبة بتفعيله في واقع الحال الخاصّ والعامّ، وذلك باعتبار أنّ (الحاكميّة) من مقتضيات الألوهيّة، حيث إنّه ما من فعل بشريّ كيفما كان، وفي أيّ مجال كان، وعلى أيّ مستوى كان، إلّا وله حكم إلهيّ؛ نصّا أو استنباطا. ومن ثمّ فالحاكميّة الإلهيّة ليست بدعا من القول جاء به العلّامة أبو الأعلى المودودي، أو الأستاذ سيّد قطب، كما يظنّ البعض، بل هي من صميم مقاصد الشّريعة الضّروريّة، التي تأصّلت في الخطاب الإلهيّ من جهة، وفي أدبيّات علمائنا قديما وحديثا من جهة أخرى. وهو ما يقطع بأصالتها الشّرعيّة، وأقدميّتها المتجدّدة، ومركزيّتها الفكريّة في التّصوّر الإسلاميّ، في الأمس، واليوم، وغدا. وبهذا يتّضح أنّ الحاكميّة لا تنحصر ولا تقتصر على الجانب السّياسيّ القانونـيّ، التّنفيذيّ المحض، الذي يعلي من شأن القهر والزّجر والإكراه السّلطانـيّ، على حساب الإذعان الطّوعيّ الإيمانـيّ، والاستسلام القلبيّ التّعبّديّ الإراديّ الحرّ لحاكميّة الله من جهة، ولا تترادف أو تتساوى أبدا مع الإمامة السّياسيّة، أو نظام الحكم السّلطانيّ من جهة أخرى؛ وذلك لأنّ الحاكميّة الإلهيّة أصل من أصول الاعتقاد الإيمانيّة، بينما «قصارى أمر الإمامة أنّها قضيّة مصلحيّة إجماعيّة، ولا تلحق بالعقائد»؛ لأنّ «الإمامة ليست من أركان الدّين -مثل الحاكميّة-، وإنّما هي من المصالح العامّة المفوّضة إلى نظر الخلق»، وإنّما الأعمال بالمقاصد.
مصادر :
هذا النص تجريبي مكات المصادر
100%