ختم عبد الحميد بن باديـــس تفسير القرآن
الكريم
كتبه: د. علي محمد الصلابي
الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء
المسلمين
عندما ختم العلاَّمة ابن باديس تفسير القرآن الكريم اهتم
العلماء وإخوانه من أعضاء الجمعية بهذا الحدث الكبير وتمَّ تدوين أحداث الاحتفال،
وكان من أفضل من كتب تفاصيل ذلك الاحتفال المهيب الشيخ محمد البشير الإبراهيمي
بقلمه الماتع وقدرته على التصوير بدقة متناهية، وإليك ما قال محمد البشير في نقاط
معنونة:
أ ـ الزمن الذي أخذه ابن باديس في تفسير
القرآن الكريم
أتمَّ الله نعمته على القطر الجزائري بختم الأستاذ عبد
الحميد بن باديس لتفسير الكتاب الكريم درساً على الطريقة السلفية، وكان إكماله
إياه على هذه الطريقة في خمس وعشرين سنة متواليات مفخرة مدَّخرة لهذا القطر، وبشرى
عامة لدعاة الإصلاح الديني في العالم الإسلامي كله، تمسح عن نفوسهم الأسى والحزن
لما عاق إمام المصلحين محمد عبده عن إتمامه درساً، ولما عاق حواريه الإمام رشيد
رضا عن إتمامه كتابة.
إن إكمال تفسير القرآن على تلك الطريقة في مدة تساوي ـ بعد
حذف الفترات ـ المدة التي أكمل الله نزوله فيها، يعد في نظر المتوسمين إيذاناً من
الله برجوع دولة القرآن إلى الوجود، وتمكين سلطانه في الأرض، وطلوع شمسه من جديد،
وظهور المعجزة المحمدية كرة أخرى في هذا الكون.
ثم كان الاحتفال بختمه بمدينة قسنطينة في الثالث عشر من
ربيع الثاني عام 1357هـ دليلاً على انسياق الأمَّة الجزائرية المسلمة إلى القرآن
واجتماع قلوبها على القرآن وشعورها بلزوم الرجوع إلى هداية القران، ولا معنى لذلك
كله إلا أن إحياء القرآن على الطريقة السلفية إحياء للأمة التي تدين به.
ثم جاءت حفلات التكريم للأستاذ المفسِّر ولوفود القران، وما
لقيته تلك الوفود من سكان الحاضرة القسنطينية من صدق الحفاوة، وكرم اللقاء وبشاشة
المظهر وتهلل الأسرة وإكرام المثوى وإغداق الضيافة بالغة، على أن القرآن فعل فعله
في تلك النفوس فجمعها على التقوى وهداها لكريم الخلال وبسط شعاعه على جوانبها
المظلمة، فتعارفعت بعد التناكر وتالفت بعد التخالف، ويوشك أن يأتي بعد هذا التعارف
الخير الكثير.
ب ـ تفاوت الاحتفالات
تتفاوت الاحتفالات بتفاوتها في سمو المعاني التي تقوم
لأجلها، فبقدر سمو السبب وعموميته تكون قيمة الاحتفال، ثم تنزل تلك وترخص كلما تفه
السبب أو خصَّ حتى تصل إلى درجة الساقط الذي لا وزن له. ولا يدخل في هذا الباب إلا
بضرب من التوسع والتساهل، فأسمى هذه الأسباب ما يذكّر الجمهور بأمجاده التاريخية
ومفاخره القومية ومنها نخوة أماتها الضيم، وفحولة قضى عليها التأنث، وذكرى أخنت
عليها الغفلة والنسيان، وأصالة خبَّثتها الأعراق الدسيسة، وعزيمة أطفأتها طباع
الضعف والفسولة، وأريحية غطى عليها اللؤم المخزي والشح المطاع، وشواعر خدرتها
تهدئة الدخيل وزمزمة الحاوي وهيمنة الواغل.
ثم ما يجلو عليه حقيقة دينية أو علمية غشيتها الأوهام
والخرافات، ثم ما يحقق له مصلحة في الحياة كانت مجهولة أو حقاً فيها كان ضائعاً،
ثم ما يكشف له عن وجوه الفساد فيه ليتقيه ثم.. ثم..
هذا من جهة الأسباب والبواعث، فأما من جهت الأشكال والصور،
فأعلى ما فيها أن ينساق إليها الجمهور سائقاً وجدانياً، وأخس ما فيها أن يساق
إليها سوقاً أو أن يخدع فيها عن وجدانه بالمرغبات الخادعة.
ج ـ أسباب الاحتفالات
لكل أمة أسباب طارئة وبواعث تاريخية تدعوها إلى إقامة
الاحتفالات، وقد تنبهت الأمم الحية إلى ما فيها من الفوائد فجعلت الاحتفال بها
جزءاً من حياتها ومادة من قوانينها الاجتماعية، وإن الأمة الإسلامية لأغنى الأمم
من هذه البواعث التاريخية، وكلها من ذلك الطراز العالي الذي أشرنا إليه، ومعظمها
بواعث دورية يفضي الباعث منها إلى باعث، فلا تفتأ الأمة مستعرضة ماضيها كله،
ولاتزال في غمرة من المنبهات المنعشة.
عندنا معشر المسلمين ليلة الميلاد النبوي وعندنا يوم الهجرة
ورأس السنة الهجرية ويوم بدر ويوم أحد ويوم فتح مكة، وغير ذلك من الأحداث التي
وقعت في عهد النبوة، ولكل واحد من هذه الأحداث مغزى سام وأثر بالغ في تاريخينا،
وهلم إلى ما بعد من الوقائع الشهيرة الفاضلة حتى تنتهي إلى فتح صقلية ومواقع
الحروب الصليبية وفتح القسطنطينية، وهلم ما يخصنا معشر الأفارقة كبناء القيروان
واستواء طارق على الجبل، وهلم ما تقتضيه المناسبات في بعض الأوقات كفتح خيبر ودخول
عمر لبيت المقدس، وتعال إلى القوَّاد والفاتحين والأجواد والعلماء والحكماء
والفلاسفة والشعراء ـ ولا تعدّ من الدرّ إلا كباره ـ تجد ما زخره التاريخ وفاضت به
العصور ومع هذه المفاخر.
فقلَّ أن تجد قطراً إسلامياً سنَّ أهله سنة صالحة في إحياء
هذه الذكريات وإحياء الأمَّة بها إلا في القليل المشوَّه الذي لا ينفع غلة ولا
يصيب مرمى.
د ـ غفلة عن إحياء الذكريات النافعة
إن غفلتنا عن إحياء أمجادنا التاريخية هي التي أزهقت في
الأمم الإسلامية روح التأسِّي، فأفقرتها من الرجال وجعلت تاريخها الحديث خلواً من
المثل العليا، حتى اندس هذا العرق الخبيث في آدابنا فترانا إذا التمسنا مثلاً في
الجود، طوينا تاريخ الإسلام كله كأنه صفحة مغسولة وجئنا من العصر الجاهلي بحاتم،
وقل مثل ذلك في عنترة والسموأل، فإذا قصرنا الخطو وقاربنا النجعة ووقفنا عند العصر
الأول للإسلام، فهل خلت العصور التي بعدهم من مُثُل كاملة ومن مفاخر خالدة؟ لا،
فقد تأسَّى عصر بعصر وجيل بجيل، فجاءت عصور زاهرة وأجيال عامرة، فهل جهل التاريخ
وانقطعت العلائق الواصلة بين عصوره وضعفت روح التأسَّي ثم تلاشت وصرنا إلى هذا
الفقر الشائن في المثل وهذا الخواء المزري في التاريخ؟
وقد زادتنا أضاليل الغاشين إمعاناً في الغفلة وإغراقاً في
الركود، ففقهاء هذه العصور الجرداء يمدون التاريخ علماً لا ينفع وجهالة لا تضر،
والأجانب يعيّروننا بأننا أمة تعيش في الماضي ويغشّون سفهاءنا في معرض التنصح
بأمثل هذه الكلمات ليَّاً بألسنتهم وتزهيداً في هذا الماضي زيادة على زهدنا فيه
وهم يعلمون أننا نعيش بلا حاضر، ويوجسون خيفة من أن يلم بنا طيف من ذلك الماضي
الزاهر فنبني عليه ـ حاضراً من جنسه أكمل منه.
إلا أنهم من إفكهم يقولون: دعوا ماضيكم، فهل تركوا ماضيهم؟
إنما نراهم أحرص الناس على الاعتداد به والاستمداد منه
والامتداد معه إلى عصور الخرافات والأساطير.
وما لنا وللغاش والناصح، إن لنا لماضياً عبقرياً حسدتنا
عليه الأمم التوالي، بعد أن حرضت به الأمم الخوالي، فمن مصلحتنا وحدنا أن نحيي
ذكرياته في نفوسنا وأن نستمد منه قوة لأرواحنا، وأن نربي ناشئتنا على احتذاء مثله
وعبقرياته، وإن إقامة الاحتفالات لتلك البواعث لطريق قاصد إلى ما نريد من ذلك.
ومما جاء في كلمة البشير الإبراهيمي في الاحتفالات وتصوير
وصفي للاحتفال العظيم بختم القرآن العظيم أيضاً:
هـ ـ التحذير من بعض الاحتفالات
لا نريد للمسلمين أن يعكفوا على تلك الاحتفالات المولدية
الشائعة التي يقتصر فيها على تلاوة القصص المشوَّهة، فإن ذلك الطراز لا يتفق مع
شرف الذكرى وجلالها. وإن القصص المولدية الحشوية، والخطب المنبرية الرائجة هما سبب
تنويم هذه الأمة وأصل بلائها، ولا أن نعكف على ذلك النوع الشائع في مصر كمولدي
النبوي والرفاعي وغيرهما، فإن ذلك النوع ـ زيادة على إفساده للدين والأخلاق ـ
لايثير النفوس إلى ذكريات ماجدة ولا معاني شريفة، وإنما يمكّن فيها للتخريف
والدجل، ولا ذلك النوع الشائع من الأوساط الشعبية من احتفالاتهم يوم عاشوراء بذكرى
مقتل الحسين ـ عليه السلام ـ فإنه فضلاً عما يقع فيه من المنكرات المخجلة، لا يثير
إلا الحفائظ والإحن ولا يثمر إلا توسيع شقة الخلاف ، ولقد حضرت احتفالاتهم مرة
واحدة بدمشق في تربة بأرسلان؛ فعجبت كيف تصدر تلك الشناعات من مسلم وعلمت لأول
مرَّة: إلى أي حد ينتهي التعصُّب والغلو، ثم ذاكرت عالم الشيعة بدمشق الشيخ عبد
المحسن العاملي وهو عالم فاضل أديب معتدل في ذلك، فأنكر ما أنكرت بالقول واعتذر عن
الإنكار بما فوق ذلك بما يعتذر به علماء الدين في كل مكان.
لا نرضى للمسلمين بهذا الطراز البالي من الاحتفالات التي
ذكرنا بعض أنواعها، فقد عكفوا عليها قروناً فما زادتهم إلا خبالاً وانحطاطاً،
وإنما نريد منهم محوها واستبدالها بما هو خير، وقد تتابع السواد الأعظم من إخواننا
المصريين في هذا النوع السخيف مثل ما تتابع الفريق المثقف منهم في تقليد الغربيين
في هذا الباب لا تحفظ ولا استمساك، فبينما سواد الأمة وعديدها الأكثر عاكف على
الأضرحة، يقيم حولها احتفالات الموالد ويرجو منها الإمداد، وعلماء الدين يمدونهم
في الغي بسكوتهم، ومشيخة الأزهر تزكي أعمالهم بتقبيل شيخها لمقود جمل المحمل.
ونرى الطرف الاخر يتهالك على تقليد الغربيين في ولائمهم
واحتفالاتهم السخيفة بالتوافه والسفاسف، ويستهتر في هذا التقليد حتى تطغى احتفالات
الغرب الدينية والقومية حتى على المواسم الشرقية الدينية، وهذه جرائدهم ومجلاتهم
تشهد في ضجر وعتب أو في رضى وإعتاب بأن هذه الطائفة، وهم عمار الحواضر، يحيون ليلة
الميلاد المسيحي وعيد راس السنة المسيحية، ولا يأبهون لعيد الفطر ولعيد الأضحى،
ولعمري إن هذا لهو الاستعمار الروحي الذي لا يُعد الاستعمار المادي معه شيئاً
مذكوراً.
ويا ليت إخواننا هؤلاء استبدلوا غرباً بغرب، فقلَّدونا نحن
ـ ما دام التقليد مبلغ جهدهم ـ في كثير من هذه المعاني التي يقلِّدون فيها
الغربيين، ألسنا مغاربة؟ ألسنا أحق باسم الغرب بالنسبة إلى مصر؟ وإنما أوربا شمال
مصر، وقد شرع لهم الشاعر حافظ إبراهيم هذه التسمية في قوله:
ودعونا نشم ريح الشمال أم يقولون: إننا برابرة ومتوحشون:
فنعم وكرامة عين، ولكننا مع ذلك شداد في الاستمساك بحبال الشرقية في كثير من مناحي
الحياة، ولقد صاحبنا الاستعمار أكثر من قرن فما استطاع لنا هضماً.
خالفنا الاتجاه ليلاً ولمسنا ببعض العتب علاقة عزيزة علينا
وعزيزاً علينا أن نراها مسرفة في التقليد، غالية في المتابعة على غير هدى على حين
نأتمّ بها ونعدها لإمامة الشرق كله، فليهنأ إخواننا أننا تلامذتهم، ولكن في غير ما
هم فيه تلامذة الغرب.
و ـ احتفالات الجزائر
لم تعرف الجزائر في ماضيها من الاحتفالات إلا تلك الصور
العادية الساذجة في العيدين الدينيين، وإلا الزرد الموسمية في بعض الجهات، وإلا
نوعاً آخر هو أقرب إلى الاحتفال المنظم لو خلا من المحظورات الدينية وحلا بالمشارب
القومية والفوائد الاجتماعية، والعامة تطلق على هذا النوع اسم «الأركاب» وهم يعنون
جمع ركْب بسكون الكاف كأركاب خالد بن سنان حماد، وركب عامر لقبر عطية قرب قلعة بني
حماد، وركب قسنطينة لقبر ابن عبد الرحمن بالجزائر، وركب البليدة لقبر الشيخ أبي
مدين بتلمسان، وكلها من شدّ الرحال غير المشروع، وكلها قريبة من النوع الذي نعيناه
على المصريين وإن كانت أقل منه فساداً أو إفساداً.
وعرفت الحواضر الجزائرية شبه احتفال بالمولد النبوي، يقتصر
فيه على التجمير والتقصير وتلاوة قصة من القصص الحشوية الشائعة، ولقد حضرت ـ منذ
سنوات ـ حفلة مولدية من هذا النوع بحاضرة الجزائر، وسمعت من بعض ما كان يقول قوله:
إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرى من أمام كما يرى من الخلف بعينين خلقهما الله
في قفاه.. وكان بجنبي فقيه مقرئ خفيف الروح، سلفي النزعة، فتغامزنا بالإنكار ولم
نستطع جهرة، إذ كان ذلك قبل انتشار الحركة الإصلاحية، ثم أسرَّ إليَّ على سبيل
الدعابة قوله: أبى الله إلا أن نكون أسبق منكم لكل شيء، فعندنا من هذه «الماركة»
من العلماء من يقول ويكتب: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يولد من السبيل
المعتاد.
ز ـ الاحتفالات النافعة
ولبثت الجزائر محرومة من هذا النوع المفيد الذي يغرس
المعاني السامية في النفوس بأسبابه وبواعثه، ويزرع المبادئ العالية والمعارف والآداب
في العقول بما يقال فيه إلى أن كان عهدها الأخير وكانت نهضتها العلمية الدينية،
فلأوائل هذه النهضة شعرت بما للاحتفالات من أثر صالح في النهضات، فالتفتت إليها
وجعلتها إحدى ذرائعها لتعضيد الأعمال والمشاريع ونشر المبادئ الصالحة وبث الأفكار
النافعة، وترقت بها مع الزمن حيث النظام واختيار المناسبات حتى أصبحت تنافس أرقى
ما عُرف من نوعها عن الأمم الأخرى.
ح ـ أروع احتفالات الجزائر
لعل أروع احتفال شهدته الجزائر في عهدها هذا هو الاحتفال
بفتح مدرسة «دار الحديث» بتلمسان في أواخر شهر سبتمبر من السنة الخالية، فقد كان
بدعاً من الاحتفالات في نظامه، وفي ضخامة العمل الباعث عليه، وفي جلال المناسبة
والذكرى، وفي احتشاد الأمَّة له، وفي علوّ الطبقة التي شهدته وتكلمت فيه من
العلماء والشعراء، وقد وصفته الجرائد في حينه، وإنما جلبته هنا مناسبة الحديث عن
الاحتفالات.
ثم جاء الاحتفال بختم الأستاذ عبد الحميد بن باديس لدروس
التفسير بالجامع الأخضر بقسنطينةـ وهو
الذي ألهمنا كتابة هذه الكلمة، فكان شاهداً لما ذكرناه قريباً من تطور هذه الأمَّة
في هذه الناحية، ودليلاً على أن نظام الاحتفالات بلغ في هذا القطر كماله، وعلى أن
روح التأسي في الصالحات حييت في هذه الأمة وانتعشت، وأنها أصبحت تهتبل الفرص
المواتية فتحسن الاختيار. وأذكر أننا كنا في جماعة من الرفقاء الأوفياء تذاكرنا
مرَّة في إقامة حفلة تكريم لرفيقنا الأستاذ ابن باديس تنويهاً ببعض حقه على العلم
وشكراً لأعماله الجليلة واثاره الحميدة في التعليم بهذا الوطن واعترافاً بكونه واضع
أسس النهضة وإنصافاً لكونه أسبقنا إلى التعليم وأشدَّنا اضطلاعاً به، وأكثرنا
إنتاجاً وتخريجاً فيه.. وذهبنا في تقدير الفوائد التي تُجنى من هذا الاحتفال مذاهب
لا غلوَّ فيها ولا إسراف. ثم فاتحنا أخانا الأستاذ بهذه الفكرة، فكان الجواب قوله:
دعوا هذا حتى نختم دروس التفسير ـ وبيننا يومئذ وبين الختم سنوات ـ كأنه يرى أن
عمله في التفسير هو أجلَّ أعماله في التعليم، وأنه بإتمامه لهذا العمل يستكمل مزية
الاستحقاق للتكريم والإجلال من أمته، إذ يكون قدَّم لها عملاً تاماً ناضجاً وصورة
كاملة من مجهوداته، وزيادة على ما خرَّج لها من رجال.. كأنه ـ حفظه الله ـ كان معلق
البال بهذا العمل ويخشى أن تقطعه قواطع الدهر.
وأراد الله، فحقق للأستاذ أمنيته من ختم التفسير، وللأمة
رجاءها في تسجيل هذه المفخرة للجزائر، ولأنصار السلفية غرضهم من تثبيت أركانها
بمدارسة كتاب الله كاملاً، وبدت مخايل الختم من أواخر السنة الحالية، فكثر الحديث
في الأسمار وفي المنتديات عن الاحتفال، وصوَّرت منه الخواطر احتفالاً ملء الأمل.
وكذلك كان والحمد لله، تألفت لجنة تنظيم بمركز الاحتفال
«قسنطينة»، وأعدَّت للاحتفال برنامجاً محيطاً محكماً وجعلت شعاره كله «القران»،
فالوفود وفود القرآن والضيوف ضيوف القران، وأذاعت توقيت الاحتفال باليومين الرابع
والخامس من شهر ربيع الثاني، ثم عدلت عنهما إلى الثاني عشر والثالث عشر منه لعوارض
قاهرة لا يملك معها الخيار.
ط ـ توجه الوفود إلى قسنطينة
انهالت الوفود القريبة الدار على قسنطينة يوم الجمعة
وتلاحقت الأمداد يوم السبت، وشعر الناس شعوراً عاماً أن الجامع الأخضر لا يسع
الوافدين، إذ انهال سيلهم، وأن محلاً ما من المحلات العامة لا يسعهم أيضاً،
فألهموا من غير تواطؤ العمل بقاعدة التمثيل، فأرسلت كل بلدة وفداً محدود العدد
يمثلها، فلم تبق بلدة من عمالة قسنطينة كبيرة أو صغيرة إلا ومثّلها وفد في مهرجان
القران، فرأينا هناك وفود البلدان الساحلية من بجاية إلى الحدود التونسية ووفود
مناطق التلول من سطيف إلى سوق أهراس ووفود المناطق الصحراوية من بسكرة إلى سوف، وتكاملت
عقود هذه الوفود بوفد عاصمة الجزائر الضخم المؤلف من مائة وثلاثين شخصاً، ثم وفد
تلمسان وهو أقصى الوفود داراً عن قسنطينة، فبينها ما يزيد عن ألف ميل، ولكن جاذبية
القرآن هوَّنت عليه النصب واللغوب. رأى الوفد التلمساني أن يقطع الطريق من الجزائر
إلى قسنطينة في سيارة أوتوبيس ذات أربعين مقعداً ليجمع بين الفائدة والنزهة، وعمل
بالاتفاق مع الوفد الجزائري على أن يخرج الوفدان من الجزائر معاً ويدخلا قسنطينة
مساء السبت معاً.
وبلغ أهالي سطيف أن الوفدين يمرَّان ببلدتهم فأبى عليهم
كرمهم إلا أن يقيموا لها حفلة شاي فاخرة وأرسلوا للوفدين استدعاء مع رسول خاص،
مبالغة منهم في البر والاحتفاء. وخرج الوفدان من العاصمة على الساعة السادسة من
صباح السبت في قطار من السيارات الضخمة يتكوَّن منها منظر ساحر خلاَّب ووصلوا سطيف
على الثالثة، بعد الزوال، فتلقَّاهم إخوانهم السطيفيون على بضعة أميال من المدينة
بباقات الزهر وطيب التحية، واجتمع الجميع على مائدة الشاي الفاخرة.
ثم استقلَّ قسم من وفد سطيف في بضع سيارات للقاء موكب
الوفود على خمسة وعشرين ميلاً إبلاغاً في المبرَّة، فتهلَّلت الأسارير عند اللقاء
وطفحت الوجوه بالبشر وانطلقت الألسنة بالتحيات المباركات وتصافحت القلوب قبل أن
تتصافح الأيدي وشمس الأصيل بشعاع الوجوه المستبشرة، فكان منظراً سحرياً أخَّاذاً
لا يستقل بوصفه إلا شاعر ولست بشاعر، ثم انتظمت السيارات موكباً بديعاً وزحفت إلى
قسنطينة فدخلتها بعد المغرب وليس وصف مشهد دخول هذا الموكب إلى قسنطينة وانغماس
الضيوف والمضيفين في غمرة من نشوة الفرح البالغ إلى حد الذهول بالذي يسعه بياني
وإن وسعه إدراكي وعياني.
اجتمعت وفود الغرب بوفود الشرق في مدرسة التربية والتعليم
التي أعدَّت مكاتبها وطبقاتها وقاعاتها لهم أحسن إعداد، وبعد أداء فريضة العشاء
انصرفوا إلى موائد المضيفين على تقسيم عجيب ومزج غريب يرجع الفضل والشكر فيه إلى
لجنة الاحتفال.
ي ـ كرم القسنطينيين
وقد تبارى كرام القسنطينيين ـ أحسن الله إليهم ـ في إكرام
الوافدين وهزَّتهم الأريحية هزَّةٌ بعُد العهد بمثلها، وتجلَّت الضيافة العربية في
أجلى صورها، يزينها نظام دقيق دفع هجنة الفوضى ووصمة الاحتلال التي تصاحب الاحتشاد
والكثرة، فلم يتخلف مضيف عن ميعاد، ولم تختل لضيف وجبة، ولم يفترق للمجتمعين في
منزل شملٌ، وتضاعفت الوفود صباح الأحد، فتضاعفت الحفاوة والبشر وتجلَّى الاستعداد
الهائل واتسعت الصدور، فاتسعت المنازل وتنوَّعت صنوف البر حتى وسعت تلك الوفود
الزاخرة سكناً مرفهاً وأكلاً مترفاً في أيام الاحتفال ولياليها وارتفعت الكلف بين
كل نزيل وأبى مثواه حتى لتحسبهم إخوة رحم أو عشراء دهر.
ثم تلطفوا فخصُّوا الوفود التي لم تسبق لها زيارة قسنطينة،
بنوع من التكريم وهو الطواف بهم في أوقات الفراغ على معالمها وقناطرها العجيبة
وواديها المدهش ومناظرها الساحرة وغمروهم بفيض من الرقة واللطف أسرت ألبابهم
وأنطقتهم ببليغ الشكر، فانقلبوا إلى أهلهم يحملون الإعجاب والإكبار ويضمرون المحبة
الصادقة والولاء المحض.
هذه هي الاجتماعات التي كنا ننشدها فلا نجد هذه الاجتماعات
التي تثمر التعرُّف الحقيقي وتجمع أفراد الأمَّة على الدين والخير والعلم، وقد
زادها إخواننا القسنطينيون تمكيناً وشرعوا من آداب مناهج سيتحدث فيها المتمرسون
ويذكرونها لهم بالجميل.
وما ظن الذين يفترون علينا ويتقوَّلون علينا الأقاويل؟ أفي
مثل هذا الاحتفال من أعمالنا شائبة نقد أو رائحة إضرار بأحد؟
كان من المتوقع ـ على بعد ـ أن تسمح الإدارة بوقوع الختم في
الجامع الأعظم لاتساعه لأضعاف ما يتسع له الجامع الأخضر، وقد طلب منها ذلك واتخذت
وسائله فأبت، فما كان من لجنة الاحتفال وكرام الفلسطينيين إلا أن قرَّروا أن
يفسحوا في المجالس للوافدين وأن لا يزاحموهم في مقاعد الجامع الأخضر ساعة الدرس،
ونفَّذوا هذه الخطة على أن تكون مكافاتهم من الأستاذ إعادة درس الختم في ليلة أخرى
بعد انحسار الوفود عن قسنطينة.
ك ـ خطبة ابن باديس في الاحتفال
وما كادت تشرق شمس يوم الأحد حتى اكتظ الجامع الأخضر
بالوفود، فلم يبق فيه متنفس، وشمل الخشوع تلك الصفوف المتراصة حتى لا حركة ولا
ضوضاء وتجلَّى جلال كلام الله في بيت الله، فكان مشهداً يستنزل الرحمات، ويتكفل
باستجابة الدعوات، وصعد الأستاذ المفسِّر منبر الدرس فشخصت العيون وخفتت الأنفاس،
واستهل بتلاوة المعوذتين، وشرع في تفسيرهما بما هو معهود منه، فلا يحتاج إلى نعت
ولا إلى إطراء «وقد نشر ملخص الدرس في هذا العدد».
استغرق الدرس ما يقرب من ساعة ونصف أخذ الناس فيها على
نفوسهم وجلَّلتهم سحابة من الخشية والسكينة، وكذلك المؤمنون الذين يخشون ربَّهم
بالغيب تقشعر جلودهم عند سماع كلامه، ثم تلين جلودهم وقلوبهم لذكر الله.
وختم الأستاذ المفسِّر الدرس بأدعية قرانية وابتهالات
مأثورة ثم طلب من الحاضرين أن يسألوا الله الرحمة والمغفرة لأخيهم حسين باي، مؤسس
الجامع الأخضر ومُحبسه في سبيل العلم وإقام الصلاة وذكر الله كما هو منقوش على
رخامة في المسجد، وذكر أن من علامات إخلاص هذا الرجل في عمله وحسن نيَّته أن يسَّر
الله ختم تفسير كلامه من أوله إلى اخره في مدة خمسة وعشرين عاماً بهذا المسجد،
فانطلقت الألسنة بالدعاء والترحم وافترقوا على مثل ما اجتمعوا عليه بقلوب خاشعة
ونفوس متراحمة وألسنة رطبة بحمد الله وشكره على ما وفَّق إليه من الخير وأعان.
وكان هذا اليوم مقصوراً على درس التفسير، حرصاً على كلام
الله أن يستقل تأثيره بالنفوس وأسره للأفئدة وعلى عظاته أن تتصل بشغف القلوب،
وخصَّ سائر اليوم لاستراحة الوافدين ووقوفهم على معالم المدينة ومناظرها بعد أن
أذنت لجنة الاحتفال فيهم باحتفالات الغد وأعماله.
ل ـ خطباء وشعراء الاحتفال
كان يوم الاثنين الموالي ليوم الختم موعداً لإقامة حفلة
تكريم للأستاذ المفسِّر وهي الحفلة التي سبقت الإشارة إليها في كلامنا، وكان لها
حظ من تصميمنا، واعتزامنا، فسخر الله أسبابها في هذا اليوم، وقد تلطفت لجنة
الاحتفال فأسندت رئاستها إلى كاتب هذه السطور، وكان موضع الاحتفال قاعدة «كلية
الشعب» الفسيحة، أهطعت الوفود إلى كلية الشعب قبل الساعة المقرَّرة بساعات، ولم
يثنهم طول الانتظار ولا اكتظاظ القاعة حرصاً على ضمان المقاعد، وصنع القسنطينيون
في هذا اليوم صنيعهم بالأمس، ففسحوا في مجالس كليَّة الشعب كما فسحوا في الجامع
الأخضر إكراماً للوفود، وأبت الوفود إلا أن يكون لها شرك في معنى التكريم، وأن
يكون لأسمائها وبلدانها دخل في عداد المكرمين، فكان التكريم باسم العلماء زملاء
الأستاذ وشركائه في العمل وباسم تلامذته وباسم هذه الوفود الحاشدة.
دقت الساعة التاسعة، فتصدَّرت هيئة جمعية العلماء سدّة
القاعة واكتنفهم خطباء الحفل وشعراؤه من تلامذة الأستاذ عن اليمين والشمال،
وتقدَّم رئيس الحفل فقدم مقرئاً، أسمع الناس آيات من كلام الله، ثم فتح الرئيس باب
الخطابة بارتجال كلمات.
ثم قدم الخطباء على مراتبهم ثم الشعراء كذلك، وسيرى القارئ
في آخر هذا العدد تلك الخطب والقصائد منشورة.
ولما كانت ساعات الاحتفال محدودة لا تتسع لجميع الخطباء ولا
للقليل منهم، وكان التلامذة يمثلون طبقات تمتد من أوائل النهضة إلى الان، فقد رؤي
حرصاً على الوقت والفائدة الاقتصار على من يمثِّل تلك الطبقات، فتقدم من يمثل
المتخرِّجين في أوائل الحركة، ثم من يمثلون وسط الحركة واستفحالها، ثم من يمثلون
الطبقة المباشرة للتعليم في السنوات الأخيرة، ثم من يمثِّلون الطبقة النازحة إلى
جامع الزيتونة، ثم من يمثل الطبقة المستقلة، وبالتعليم قام من يمثل تلاميذ
التلاميذ، وبعد إنتهاء الخطباء أعلن الرئيس استراحة ربع ساعة ثم الرجوع لسماع
الشعراء.
ولما انتهى دور الخطباء والشعراء المقرَّرين في منهاج
الحفلة، وقف كاتب هذه السطور وارتجل خطاباً تغنَّى فيه بجمال يوم القرآن وهو يوم
الختم، وبفوائد الخير التي سيعود بها على الأمة الجزائرية، وقد حاول كاتبان من
كتَّاب الحفلة أن يلتقطاه عند الإلقاء ففاتهما منه الكثير، وتقدَّم إليَّ الحريصون
على تخليد الحفلة كاملة أن أكتب ما علق بالذاكرة من ألفاظها ومعانيها، فكتبت ما
يقرؤه القارئ في آخر الخطب وأنا أبرأ من إدعاء محاذاته كما ألقي ارتجالاً في
ألفاظه ومعانيه.
وبعد خطبة الرئيس، قام الأستاذ المحتفلَ به وارتجل خطبة
ضافية نستعيض عن وصفها هاهنا بتلخيص معانيها ونشرها مع الخطب.
م ـ هدايا ثمينة
ومن لطائف الاتفاق أنه خطر لبعض الهيئات تقديم هدية تذكارية
للأستاد، ولم تعلم هيئة بما اعتزمت عليه الأخرى من نوع الهدية، فلما قدَّمت
الهدايا أمام الجمهور بعد انتهاء الخطابة كان تناسقها مفاجأة مدهشة، وهي محفظة كتب
عربية ثمينة قدَّمها وفد تلمسان، وقلم تحبير ثمين معه قلم رصاص قدّمتها هيئة جمعية
التربية والتعليم، ونسخة من تفسير المنار قدّمتها هيئة جمعية العلماء، ونسخة من
فتح الباري قدمتها لجنة الاحتفال، وكما كانت هذه الهدايا لطيفة في معناها التذكاري
وفي رمزها العلمي وفي تناسقها، فقد كان سرور الأستاذ بها عظيماً ووقعُها في نفسه
لطيفاً، ثم تمَّ التناسق ولطف الذوق في حفلة المساء حين قدَّم له تلامذة كشافة
الرجاء مصباحاً كهربائياً ظريفاً، وقدَّم له تلاميذه الشاب الغني «زربية» سجادة
صلاة.
وفي مساء الثلاثاء اشتركت ثلاث جمعيات علمية وفنية ورياضية
في إقامة احتفال زاهر فخم في كلية الشعب ابتهاجاً بضيوف القران. أما الجمعيات فهي
جمعية التربية والتعليم وجمعية الشباب الغني الفنية وجمعية كشافة الرجاء الرياضية.
وأما الاحتفال فكان ناجحاً إلى أقصى حدود النجاح مؤثراً إلى
أبعد غايات التأثير، ظهرت فيه جمعية «الشباب الغني» ـ على حداثة عهدها ـ بمظهر
الكفاءة والتجديد وسلامة الذوق والانسجام بين العازفين في المظهر وبين القطع في
المخبر، وقد عزفوا قطعاً مشجية وترنم عليها التلامذة بأناشيد أشجى، حتى لقد رأيت
كثيراً من عمار الصفوف الأمامية يبكون تأثراً، وإن أنسى فلا أنسى التلميذين اللذين
أنشدا نشيد الترحيب على عزف «البيانو» إنهما لطراز عال في رحمات الصوت وسلامة
الأداء وجمال المنطق حفظهما الله وأقرَّ بهما أعين الأمَّة التي تعلق رجاءها على
أمثالهما.
ن ـ زاد روحي عظيم
إن التطويل في وصف هذه الحفلة يفضي إلى التقصير وخلاصة
القول فيها إنها كانت زاداً روحياً قدَّمته قسنطينة لوفودها بعد أن جاوزت الغاية
فيما قدمته لهم من أطايب الغذاء البدني، وإن سرَّها وسحرها ليسا آتيين من الإطراب
في العزف والإطراف في الأناشيد والإجادة في التمثيل والاتزان في الحركات، وإنما
هما اتيان من شيء آخر وراء هذا كله، هو أمل الأمة في أبنائها، كان صورة في الأذهان
ومخيلة في الأدمغة، فرأت منه في هذه الليلة نموذجاً عملياً يبشِّر بتحققه كله، إن
الزمان بأحداثه يستطيع أن يمحو من نفوس الوافدين كل ما رأوا وما سمعوا، ولكنه لن
يستطع محو شيئين: درس القرآن وهذه الحفلة، وإن الوافدين لا يستطيعون أن يقابلوا
إكراماً لقوه من إخوانهم القسنطينيين بمثله أو بأحسن منه، إلا إكرامهم بمثل هذه
الحفلة.
وانفضَّ هذا الاحتفال في نهاية الساعة الواحدة بعد نصف
الليل بعد أن ختمه الأستاذ بن باديس بكلمة توديع.
من المظاهر التي شاهدها الناس كلهم في هذا الاحتفال سوابقه
ولواحقه، الهدوء الشامل، فلم يحدث آية حادثة ولو بسيطة على كثرة الاحتشاد وشدة
الازدحام واختناق التعاريج في المدينة وليس مرجع ذلك إلى التنظيم الالي، ففي أدون
من هذا الاحتفال نرى الفوضى تطغى على النظام، وطباع السوء لا تنتهر بالزجر وإنما
مرجع ذلك إلى التنظيم النفسي وإلى أدب القرآن وقد ملك أزمّة النفوس.
وإن هذا النوع من التربية الدينية هو الذي نريده للأمَّة،
وهي تربية كثيرة الفوائد قليلة التكاليف، وقد جُربت فصحّت، فهل من معين لنا على
تثبيتها وتعميمها؟
وكأن إدارة الأمن العام بقسنطينة أدركت ذلك فلم نر منها
مظاهر الاستعدادات الاستثنائية التي كنا نراها في مثل هذه المشاهد وحسناً فعلت.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا
تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
