مقاصد العشر من ذي الحجة
بقلم: د. دحام إبراهيم الهسنياني
عضو الاتحاد العالمي لعلماءالمسلمين
الحمد
لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه والتابعين،
ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين… وبعد.
لقد خلق الله تعالى الزمان وفضّل بعضه على بعض،
فخصّ بعض الشّهور والأيام والليالي بمزايا وفضائل يُعظم فيها الأجر، ويكثر الفضل
رحمة منه بالعباد ليكون ذلك عوناً لهم على الزيادة في العمل الصالح والرغبة في
الطاعة، وتجديد النشاط ليحظى المسلم بنصيب وافر من الثواب، فيتأهب للموت قبل قدومه
ويتزود ليوم المعاد.. ومن فوائد مواسم الطاعة: سدّ الخلل واستدراك النقص وتعويض ما
فات.
ومن هذه المواسم النيرات، والنفحات المباركات، أيام
العشر الأول من ذي الحجة الحرام، فقد اختارها الله على ما سواها، ورفع شأنها
واجتباها، وجعل ثواب العمل فيها غير ثوابه فيما دونها، علاوة على ما خصها الله به
من أعمال فريضة الحج التي لا
تكون في غيرها.
ومع علو شأن هذه العشر ومكانتها السامقة في الشرع
المطهر، وعظمة ثواب العمل الصالح فيها، وأنه أكثر ثواباً من وقوعه في غيره من
الأيام، ومع ذا نرى ضعفاً عند جمهور المسلمين، وتكاسلاً عن العمل الصالح،
وانصرافاً عن الجد والاجتهاد، وتباطئاً عن الاندفاع له، ومما يؤسف له مرور عشر ذي الحجة
عند بعض الناس دون أن يعيرها أي اهتمام، وهذا خطأ بيّن، لما لها من الفضل العظيم عند
الله تعالى عن غيرها من الأيام.
إن أيام عشر ذي الحجة ولياليها أيام شريفة ومفضلة، يضاعف
العمل فيها، ويستحب الاجتهاد في العبادة فيها، وزيادة عمل الخير والبر بشتى أنواعه
فيها، ولعظم شأنها أقسم اللّه تعالى بها بقوله: وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْر وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ
(الفجر،
الآيات: 1ــ3).
وعن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي -صلى الله
عليه وسلم- قال: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله منه في هذه الأيام
العشر. قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟! قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلاّ رجل
خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء) رواه البخاري.
فما أعظم هذا الأسلوب النبوي البليغ الذي يهيج النفوس
إلى الطاعة، ويبعث القلوب ويعلقها باغتنام هذه الأوقات الفاضلة والمواسم الخيرة (ما
من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه العشر) صيغة التفضيل المطلقة، صيغة
تدل على عظمة كبيرة ومحبة جليلة من الرب الخالق المالك تعالى لمزيد العبادة له وشديد
الحرص على التقرب إليه في أيام هي من أيام الله تعالى وموسم هو من مواسم فرائض الله
جل وعلا، وفي مكان وزمان تشهد فيه جموع غفيرة من أمة الإسلام أداء المناسك في أفضل
بقاع الأرض كلها، في الحرمين الشريفين والمناسك المقدسة، ويزيدنا ذلك في آيات الله
وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم ما يدل على أهميتها وفضيلتها.
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من عمل أزكى
عند الله ولا أعـظم أجرا من خير يعمله في العشـر الأضحى)، قيل: ولا الجهاد فـي
سبيل الله؟ قال: (ولا الجهاد في سبيل الله، إلاّ رجل خرج بنفسـه وماله فلم
يرجع من ذلك بشيء)، أي: إذا رزقه الله الشَّهادة، حينئذٍ تفوق الشَّهادةُ
العملَ الصَّالح في هذه الأيام. قال: (وكان سـعيد بن جبير إذا دخل
أيام العشر اجتهد اجتهادا شديدا حتى ما يكاد يقدر عليه، وكان يقول: لا تطفئوا سرجكم
في ليالي العشر) رواه الطبراني في الكبير.
لقد استغرب الصحابة من هذا الأجر العظيم الذي يؤتيه
الله تعالى لعباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات في هذه الأيام العشر من ذي الحجة،
فقالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟
لأن فضل الجهاد عندهم مقرر، وكأنهم استفادوا فضل الجهاد
ومنزلته من آيات القرآن الكريم ومن حديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- في جواب من سأله
عن عمل يعدل الجهاد، كما روي أن رجلاً سأل رسول الله قائلاً: يا رسول الله دلني على
عمل يعد الجهاد، قال: (لا أجده)، ثم قال: (هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك
فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر؟) قال: من يستطيع ذلك) متفق عليه.
وأما كونه عظيماً فلكونه فضل على الجهاد، وهو عمل كلنا
نعلم فضيلته، وقد عده بعض أهل العلم ركناً سادساً من أركان الإسلام؛ لأن به تحفظ الأركان
الخمسة ويسعى لنشرها، ويذاد عنها، كما قال ابن رجب: العمل في أيام العشر أحبُّ إلى
الله من العمل في أيام الدنيا من غير استثناء شيء منها، وإذا كان أحبَّ إلى الله فهو
أفضل عنده، وإذا كان العمل في أيام العشر أفضلَ وأحبَّ إلى الله من العمل في غيره من
أيام السنة كلِّها، صار العمل فيه وإن كان مفضولاً أفضلَ من العمل في غيره وإن كان
فاضلاً. فتح الباري لابن رجب:
6/119.
ومعنى ذلك: أن العمل المفضول الذي رتبته أقل يمكن أن
يصبح هو الأفضل عندما يؤدى في هذه الأيام؛ لعموم فضيلتها، وعظمة فضيلتها كما أشرنا،
وتأكيد هذا التفضيل بالمقارنة بالجهاد.
وسؤال الصحابة يدل على عظمة الجهاد وعظمة مثوبته: (فقالوا:
يا رسول الله! ولا الجهاد؟) فالجهاد عندهم من أعظم الأعمال أجراً، فاستعظموا أن تكون
فضيلة هذه الأيام أعظم، وقد سئل النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أي الجهاد أفضل؟ فقال:
من عقر جواده، وأهريق دمه) رواه أحمد والحاكم، فصاحبه أفضل الناس درجة عند الله.
وكذلك سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يدعو ويقول
في دعائه: (اللهم أعطني أفضل ما تعطي عبادك الصالحين)، فقال عليه الصلاة والسلام: (إذن
يعقر جوادك وتستشهد) رواه النسائي والحاكم، فهذا هو العمل الذي استثني على وجه الخصوص.
وإن إدراك هذه العشر نعمة
عظيمة من نعم الله تعالى على عبده، لأنه يدرك موسماً من مواسم الطاعة التي تكون
عوناً للمسلم – بتوفيق الله – على تحصيل الثواب واغتنام الأجر، فعل المسلم أن
يستشعر هذه النعمة، ويستحضر عظم أجر العمل فيها، ويغتنم الأوقات، وأن يُظهر لهذه
العشر مزية على غيرها، بمزيد الطاعة، وهذا شأن سلف هذه الأمة، كما قال أبو عثمان
النهدي: (كانوا يعظمون ثلاث عشرات: العشر الأخير من رمضان، والعشر الأَوَّلَ من ذي
الحجة، والعشر الأَوَّلَ من المحرم) لطائف المعارف: 39
حازت هذه الأيام العشر خير
يومين في العام، وهما يوم عرفة ويوم النحر، ففي يوم عرفة يدنو الله تعالى ثم يباهي
ملائكة السماء بأهل الموقف، فعن عائشة رضي الله عنها عن النبي -صلى الله عليه وسلم-
أنه قال: (فما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبيداً من النار من يوم عرفة، وإنه
ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟). رواه مسلم، قال النووي: (وقد
يريد دنو الملائكة إلى الأرض أو إلى السماء بما ينزل معهم من الرحمة ومباهاة الملائكة
بهم عن أمره تعالى) شرح صحيح مسلم: 9/117.
في يوم عظيم في حياة
الإسلام؛ تنهمر العبرات، وتعمّ النفحات؛ ويتطلع القاصي والداني إلى رحمة المولى
الجليل؛ فجموع الحجيج في المشاعر المقدسة يبسطون أيديهم لمولاهم، في ملابس تشبه
الأكفان، متجردين من كل متاع الدنيا، في موكب مهيب يتوجه إلى ملك الملوك رغباً
ورهباً، وخوفاً وطمعاً.
وفي شتى بقاع الأرض يعيش
سائر المسلمين نفحات اليوم المبارك.. يرجون مثل ما يرجو الحجيج؛ فإن فاتتكم
الأماكن الفاضلة فالزمان الفاضل بين أيديكم!
وجعل الله تعالى لغير الحجيج
فيه نصيباً، فمنحهم على صومه تكفير الذنوب لسنتين، سنة ماضية وسنة قابلة، وهو اليوم
الذي أكمل الله تعالى فيه الدين، فأتم النعمة على المسلمين، ونزل فيه قول الله تعالى:
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً (المائدة: 3)، قال بعض أهل العلم في تفسيرها:
أكثر المسلمين لم يكونوا قد حجوا حجة الإسلام؛ لأن الحج فرض في العام السادس، وحج أبو
بكر ببعض المسلمين في التاسع، وحج النبي عليه الصلاة والسلام ومعه أكثر الصحابة العام
العاشر، فبذلك أتموا إسلامهم؛ لأنهم أتوا بالركن الخامس، فقال تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ فأتموا أركان الإسلام.
وفي الحديث دليل على أن دعاء يوم عرفة مجاب في الأغلب،
وأن أفضل الذكر: لا إله إلا الله، ومعناه: أكثر ما أفتتح به دعائي وأقدمه أمامه من
ثنائي على الله تعالى، وذلك أن الداعي يفتتح دعاءه بالثناء على الله تعالى، ويقدمه
أمام مسألته، فسمي الثناء دعاء.
ويوم النحر من أيام العشر، وهو يوم الحج الأكبر، وقد
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يوم الحج الأكبر يوم النحر)، رواه البخاري، وهو
يوم التقرب إلى الله تعالى وتوحيده بالنسك العظيم، في أكبر مشهد لتوحيد الله تعالى
بهذه العبادة، التي ضل فيها كثير من الناس فقدموها لغيره تعالى من الأصنام والأوثان
والقبور، ومن ثم جاء التنبيه على توحيد الله تعالى فيها في آيات عديدة، كما في قوله
تعالى: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (الكوثر: 2)، أي: وانحر لربك ذبيحتك له
وعلى اسمه وحده، وأمر عز وجل بذكر اسم الله تعالى وحده لا شريك له على الهدايا والأضاحي،
فقال: لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ
مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا
الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (الحج:
28). قال ابن عباس: (الأيام المعلومات أيام العشر) رواه البخاري، والأيام
المعلومات أيام العشر، أي عشرة ذي الحجة.
الأعمال التي ينبغي فعلها في العشر
من ذي الحجة
تحتاج حياتنا بين الحين والحين إلى تجديد يعيد لها قوة
الإيمان، ويحيي فيها نبض العقيدة، ويُنمّي فيها إحساس العبودية لله تعالى، ويدفع بها
نحو ربها عز وجل وهي نادمة على معصيته، مجتهدة في طاعته.
تجديد يعيد إلى القلب رقته، فيخشع لآيات القرآن الكريم،
ويتدبر في معانيها، وينقاد لحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ويهتدي بسنّته. تجديد
ينتقل بالنفس من رتابة الأداء في العبادة إلى حضور القلب فيها، والإحساس بجمالها ومبانيها،
ويقف بها عن المعاصي والمحرمات، ويبعث فيها الأمل بسعة الرحمة، وقبول التوبة، وغفران
الذنوب ومحو السيئات. تجديد يتحول بحياتنا لتكون أكثر قرباً من الله تعالى، في فكرنا،
وأعمالنا، ومعاملاتنا، وعلاقاتنا.
ومما لا شك فيه أن عبادة الله تعالى والتقرب إليه
بالطاعات القولية أو الفعلية من الأمور الواجبة والمطلوبة من الإنسان المسلم في كل
وقتٍ وحين، إلا أنها تتأكد في بعض الأوقات والمناسبات التي منها هذه الأيام العشرة
من شهر ذي الحجة، حيث أشارت بعض آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية إلى بعض تلك
العبادات على سبيل الاستحباب، ومن الأعمال الفاضلة
التي ينبغي للمسلم أن يحرص عليها في عشر ذي الحجة ما يأتي:
1. قيام الليل
وصلاة
الليل عبادة رغب فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وامتدح الله تعالى أهلها
ووعدهم الأجر العظيم، وهي أفضل الصلاة بعد صلاة الفريضة. قال ابن رجب الحنبلي: وأما
قيام ليالي العشر فمستحب. وورد إجابة الدعاء فيها. واستحبه الشافعي وغيره من العلماء.
وكان سعيد بن جبير، إذا دخل العشر قال: (لا تطفئوا سرُجُكم ليالي العشر)، تعجبه العبادة.
لطائف المعارف: 524.
2. الصـيـام:
يستحب الصوم في العشر الأول من ذي الحجة ما عدا العاشر
منه، وهو يوم النحر الذي هو يوم عيد الأضحى المبارك، فلا يجوز الصيام فيه باتفاق.
فيسن للمسلم أن يصوم تسع ذي الحجة. لأن النبي صلى
الله عليه وسلم صام هذه الأيام، وحث على العمل الصالح في أيام العشر، والصيام من
أفضل الأعمال.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي
الحجة، فعن هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت:
(كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام
من كل شهر، أول اثنين من الشهر وخميسين). رواه النسائي وأبو داود. وهنا دلالة
على فضيلة الصوم في هذه الأيام وأنها أعظم ما يتقرب به المسلم إلى ربه، (ما عدا
اليوم العاشرـ يوم العيد ـ فهو محرم بيقين). قال النووي: (صيامها مستحب استحبابا شديدًا).
وأوكد الصيام في هذه الأيام وأفضلها يوم التاسع،
يوم عرفة، اليوم الذي يقف فيه الحجيج شعثاً غبراً، بملابس الإحرام التي تشبه أكفان
الموتى، متجردين لله ملبين له، ضارعين إليه، فالحجاج يتقربون إلى الله هناك
بالإحرام والتلبية والدعاء، وغيرهم في ديار الإسلام يتقربون إلى ربهم بالصيام،
فهذا اليوم شعاره في بيوت الأمة الصيام؛ تقرباً إلى
الله تعالى، وطمعا في الأجر العظيم؛ إيماناً
واحتساباً، (سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرفة فقال: يكفر
السنة الماضية والباقية). رواه مسلم
3. ذكر الله تعالى:
فيسن التكبير والتحميد والتهليل والتسبيح أيام
العشر، والجهر بذلك في المساجد والمنازل والطرقات وكل موضع يجوز فيه ذكر الله تعالى
إظهاراً للعبادة، وإعلاناً بتعظيم الله تعالى، ويجهر به الرجال وتخفيه المرأة، قال
الله تعالى: ليَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي
أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ (الحج:
28). والجمهور على أن الأيام المعلومات هي أيام العشر لما ورد عن
ابن عباس: (أيام العشر: هي الأيام المعلومات، وأيام التشريق: هي الأيام
المعدودات). رواه البخاري
وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأيام
كثرة التسبيح والتحميد والتكبير كما جاء عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن
من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد). رواه
احمد والبيهقي.
ومن
الذكر الذي لا ينبغي أن يغفل: تلاوة كتاب الله عز وجل، فعليك أن توليه مزيداً من الاهتمام
في هذه العشر كذلك، فكتاب الله لا ينبغي أن يهمل؛ لأن تلاوة كتاب الله تعمر الديار،
وترك التلاوة يخرب الديار.
4. الأضحية:
ومن الأعمال الصالحة في هذا العشر
التقرب إلى الله تعالى بذبح الأضاحي واسـتسمانها واستحسانها وبذل المال في سـبيل
الله تعالى. لأنها من العبادات المشروعة التي يتقرب بها المسلم إلى الله تعالى في
يوم النحر أو خلال أيام التشريق، عندما يذبح القُربان من الغنم أو البقر أو الإبل،
ثم يأكل من أُضحيته ويُهدي ويتصدق، وفي ذلك كثيرٌ من معاني البذل والتضحية
والفداء، والاقتداء بهدي النبوة المُبارك.
قال الله تعالى: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (الكوثر:
2)، والنحر: النسك والذبح يوم الأضحى.
وقد جاءت أحاديث كثيرة في الترغيب
في الأضحية، والتنديد فيمن لم يضح مع القدرة، يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-:
(من وجد سعة لأن يضحى فلم يضحِ، فلا يحضر مصلانا). رواه
البيهقي والحاكم.
ويقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-:
(ما عمل آدمي من عمل يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم إنها لتأتي يوم القيامة
بقرونها وأشعارها وأظلافها وأن الدم ليقع من اللَّه بمكان قبل أن يقع من الأرض
فطيبوا بها نفساً) رواه الترمذي.
وفي إحياء هذه السنة ذكرى
للذاكرين وموعظة للمتقين بما حصل لأبينا إبراهيم عليه السلام من امتحان عظيم، فقد
أمره الرب عز وجل بذبح ابنه إسماعيل عليه السلام وهو ابنه الوحيد حينئذ، فلما علم
أنه حسن التوجه وصدق اليقين وتله للجبين، فداه بذبح عظيم، فكان ذلك سنة في عقبه
للمتقين ولهم بها أجر عظيم، بالإضافة إلى أن فيها توسعة على الأهل وإطعام للفقراء
والمساكين، وبها كذلك يكرم الجيران والأصدقاء المقربين، ألا ترى أن السنة فيها أن
تثلث أثلاثا، ثلث يأكله الرجل وأهل بيته، وثلث يهديه، وثلث يتصدق به على الفقراء
والمساكين، ففيها نفع عظيم لآحاد المسلمين وجماعاتهم إلى جانب أنها شعيرة من شعائر
هذا الدين العظيم.
5. أداء صلاة العيد
يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إن أعظم الأيام
عند الله تعالى يوم النحر ثم يوم القَرِّ). رواه أحمد وأبو داود. ويقول صلى الله
عليه وسلم: (يومُ عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق، عيدنا أهلُ الإسلام…). رواه أبو
داود
وعيد النحر أفضل من عيد الفطر، لأن عيد النحر فيه
الصلاة والذبح، وذلك فيه الصدقة والصلاة، والنحر أفضل من الصدقة، كما أن يوم النحر
يجتمع فيه شرف المكان والزمان لأهل الموسم.
العيد في نظر الإسلام ميقات زمني يربط حاضر المسلمين
بماضيهم المجيد، بما يوجب من الالتفات إلى ذلك المجد الذي يوقظ الوعي في الشخصية الإسلامية،
لإدراك السنن الإلهية التي أفضت إلى تحصيل ذلك المجد العتيد.
إن عيد الأضحى يذكرنا بتضحيات السابقين من أجل نصرة
الإسلام، الإسلام الذي هو الدين الحق، وبما أنه الحق فإنه يستحق أن يعيش الإنسان به
وله.
6. الإكثار من الأعمال الصالحة عموماً
إن العمل الصالح محبوب لله تعالى في كل زمان ومكان،
ويتأكد في هذه الأيام المباركة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من
أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله منه في هذه الأيام العشر). وهنا دعوة للفعل الجميل
وهل هناك فعل جميل سوى العمل الصالح؟
والعملُ الصالح يشمل كلّ خير ومعروف وبر وإحسان من الأقوال
والأفعال والسلوك، ومن أعظمِ ذلك تفقد أحوالِ المسلمين في كلّ مكان، والاهتمام بشؤونهم،
والتخفيف من كرباتهم، وسدّ حاجاتهم، وصرفُ صالحِ الدعاء لهم بإصلاح الأحوال وكشف المضار
والنصر على الأعداء.
كما يشمل العمل الصالح امتثال الأوامر، واجتناب
النواهي، وقراءة القرآن، والذكر، والدعاء، والصدقة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام،
وزيارة الإخوان، والدعوة إلى الله، والنصيحة لخلقه، والحث على الخير، ونشر
الفضيلة، وتعليم الناس معالم الدين والأخلاق، والتعاون على البر والتقوى، والأمر
بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصلح بين المتخاصمين، ولم شمل المسلمين، وجمع
كلمتهم، والتوحيد بين صفوفهم، ونشر الأخوة والألفة والمحبة فيما بينهم… إلى غير
ذلك من طرق الخير وسبل الطاعة.
وقد كان سلفنا الصالح رضوان الله عليهم يعظمون ثلاثة
أعشار من السنة: عشر ذي الحجة, والعشر الأواخر من رمضان, والعشر الأوائل من المحرم,
وفي هذا دليل على أن العمل المفضول في الوقت الفاضل قد يكون خيرًا من الفاضل عند الله
عز وجل, فهذه الأعمال التي تعمل في عشر ذي الحجة أفضل من الجهاد في سبيل الله لخصوصية
هذه الأوقات والأيام, وذلك فضل من الله ونعمة, فكثير من المسلمين في آفاق الأرض لا
يستطيعون حج بيت الله الحرام, فجعل الله عز وجل لهم هذه العشر كي يعملوا فيها الأعمال
المعتادة, فعلى المرء أن يكثر من الأعمال الصالحة عموماً، لأن العمل الصالح محبوب
إلى الله تعالى وهذا يستلزم عِظَم ثوابه عند الله تعالى، بطاعة الله تعالى في هذه
الأيام الفاضلة من أعمال البر الكثيرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها،
ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
-150x150.jpg)