المدارس الدولية والهوية العربية الإسلامية: من قلق الأسر إلى وعي
تربوي راسخ
قلق واعٍ يكشف فجوة في الممارسة التربوية
في ظل
التوسع المتسارع للمدارس الدولية في العالم العربي، تتصاعد تساؤلات الأسر حول أثر
هذا النمط التعليمي على منظومة القيم والهوية لدى الأبناء، بين ما يكتسبونه داخل
الصفوف الدراسية وما يعيشونه في محيطهم الثقافي والاجتماعي.
وفي هذا
السياق، نظّم الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين – فرع قطر (النشاط
النسائي) لقاءً تربويًا علميًا بعنوان: “المدارس الدولية
والقيم: كيفية المحافظة على الهوية العربية الإسلامية”، وذلك في مجمع
الشيخ عبد الله الأنصاري، بمشاركة نوعية من أولياء الأمور والمهتمين بالشأن
التربوي.
وافتُتح
اللقاء بكلمة للدكتور عايش القحطاني، أكد فيها أن التحدي الحقيقي لا يكمن في طبيعة
التعليم الدولي بحد ذاته، بل في مدى جاهزية الأسرة للقيام بدورها التربوي كشريك
فاعل، مشددًا على ضرورة الانتقال من المتابعة الشكلية إلى الوعي التربوي العميق
القائم على الفهم والحوار.
من التحليل العلمي إلى التشخيص الواقعي
شكّلت
نتائج الاستبيان الموجّه لأولياء الأمور مدخلًا محوريًا للنقاش، حيث كشفت عن مستوى
مرتفع من “القلق الإيجابي” لدى الأسر تجاه تأثير البيئة التعليمية على
هوية الأبناء، في مقابل حاجة ملحّة إلى أدوات عملية تمكّنهم من المتابعة الواعية
للمناهج، وتعزز قدرتهم على بناء حوار تربوي مؤثر مع أبنائهم. هذا القلق لم يُطرح
بوصفه أزمة، بل كإشارة وعي تستدعي تطوير الممارسة التربوية داخل الأسرة.
وفي
قراءة علمية معمّقة، استعرض الدكتور أحمد عارف الجذور التاريخية لنشأة المدارس
الدولية في السياق العربي، مبيّنًا كيف أسهمت تعددية المرجعيات المعرفية في
خلق حالة من التذبذب القيمي لدى بعض الأبناء، ومؤكدًا أن الحسم في هذا التوازن
يبدأ من داخل الأسرة عبر سياسات تربوية واضحة.
من
جانبها، قدّمت الدكتورة هند الحمادي تأصيلًا مفاهيميًا لمصطلحات “القيم”
و”الهوية”، من خلال طرح معايير دقيقة تسهم في ضبط الفهم، وصولًا إلى
قراءة اجتماعية تربوية تبرز أهمية الهوية في تحقيق التوازن النفسي والسلوكي،
وتعزيز الشعور بالانتماء لدى الأبناء في بيئات تعليمية متعددة الثقافات.
الأسرة في قلب المعادلة التربوية
وفي
انتقال لافت نحو الجانب التطبيقي، ركّز الدكتور عبد الرحمن الحرمي على الدور
المحوري للأسرة، معتبرًا أن الأم تمثل “وعاء الثقافة” الذي تتشكل
فيه ملامح الهوية الأولى، فيما يشكّل الأب عنصرًا أساسيًا في اكتشاف قدرات الأبناء
وتوجيهها في إطار القيم. وطرح تساؤلًا جوهريًا يعكس عمق الإشكالية: أين نحن من
تفعيل القيم التي نمتلكها؟
واختتمت الدكتورة
جميلة الشعبي المحاور بعرض متوازن تناول أثر المناهج وطرائق التدريس في البناء
القيمي، مؤكدة أن الاستفادة من مزايا المدارس الدولية -خاصة في تنمية مهارات
اللغة والتفكير النقدي- لا ينبغي أن تأتي على حساب الهوية، بل ضمن رؤية واعية
تحافظ على الثوابت وتُحسن توظيف الانفتاح.
شراكة تربوية تصنع التوازن
وشهد
اللقاء تفاعلًا ثريًا خلال الجلسة الحوارية التي أدارتها الدكتورة إيمان سفيان،
حيث عرض الحضور تجارب واقعية ومداخلات عكست وعيًا متناميًا بأهمية الشراكة بين
المدرسة والأسرة.
وأسفرت
النقاشات عن مجموعة من التوصيات العملية التي أكدت على أن بناء الهوية لم يعد
مسؤولية جهة واحدة، بل هو نتاج تكامل بين البيت والمؤسسة التعليمية.
وفي ختام
اللقاء، عبّر المشاركون عن تقديرهم للمستوى العلمي والمضامين التطبيقية التي
طُرحت، مشددين على أهمية استمرار هذه المبادرات التي تنطلق من الواقع، وتستند إلى
بيانات علمية، وتقدّم حلولًا قابلة للتطبيق، بما يسهم في إعداد جيل متوازن، راسخ
الهوية، وقادر على التفاعل الواعي مع متغيرات العصر.
(المصدر:
الاتحاد)