آخر الأخبار

حجُّ القلوب والأرواح

Picture of الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين

شارك المقال على :

حجُّ القلوب والأرواح

بقلم: د. سعد الحلبوسي

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

ونحن نعيش في أيام الحج المباركات ونرى قوافل
الحجيج تشدّ رحالها الى بيت الله الحرام، فإن من عباد الله من لم تتيسر له فرصة
أداء الفريضة – كما هو حالي – فإنه يكتوي بنار الشوق ويكتفي بالدمعات التي لا تسمن
ولا تغني، ولكن من رحمة الله أن جعل لنا ما يسمى بحج القلوب والأرواح، فليس كل من
لم يقف بعرفة محرومًا ولا كل من لم يطف بالبيت مقطوعًا عن القرب؛ فثمّة قلوبٌ إذا
ضاقت بها الأسباب فُتحت لها أبواب، وكم من عبدٍ حُبس عن الحج بضعف ذات اليد أو
قيدته الظروف أو حالت بينه وبين السفر عوارض الحياة فبكى شوقًا لا يراه الناس وسار
إلى الله بقلبٍ لم يطأ أرض الحرم لكنه بلغ منازل القرب بما لا تبلغه الأقدام.

إن الحنين إلى الحج هو نداء فطرةٍ تتجه إلى بيت
الله، ورغبةُ روحٍ تهفو إلى المشاهد العظيمة التي جعلها الله مواطن للرحمة
والمغفرة، وحين يُحرم صاحبه من تحقيقه ظاهرًا، قد يتحول إلى عبادةٍ أخرى وهي عبادة
الشوق وصدق التوجّه وعمارة القلب بالله.

والحج في حقيقته هو رحلة قلبٍ قبل أن يكون رحلة
مكان، فكم من حاجٍ طاف ببدنه ولم يطف بقلبه، وكم من محرومٍ لم يرافق الحجيج لكنه
وصل بقلبه! ولذلك كان حجُّ القلوب بابًا واسعًا – والحمد لله – لا يُغلق في وجه
أحد من عباد الله.

وإنّ حجُّ القلوب يبدأ من تصحيح النية؛ أن يصدق
العبد مع الله أنه لو تيسّرت له الأسباب لكان من أوائل الساعين إلى بيته، وهذه
النية الصادقة هي عمل قلبي عظيم يُكتب به الأجر ويُرفع به العبد أعلى الدرجات، فمن
صدق في نيته كتب الله له أجر ما نوى وإن حالت دونه الحوائل.

فكيف يبلغ العبد منزلة الحاج إذا حالت دونه
الحوائل؟ بمعنى أن نفتح أبواب القرب لمن حُرم من أداء الحج حتى لا ينكسر قلبه، بل
يتحول حرمانه إلى منحة ويكسب الأجر مع الحرمان.

وأول ما يفعله هو أن يعيش مع أيام الحج بروحه، لا
بجسده فقط، فإذا أقبلت عشر ذي الحجة جعلها موسمًا استثنائيًا في حياته؛ يكثر فيها
من الذكر والتكبير والتهليل ويملأ أوقاته بالطاعات، فإذا وقف الحجاج بعرفة، وقف هو
بقلبه بين يدي الله رافعًا يديه ومستغفرًا وباكيًا ومستشعرًا أنه في أعظم أيام
الدنيا.

وإذا كان الحاج يطوف بالبيت فإن المحب يطوف حول
معاني العبودية؛ يطوف حول الإخلاص والتوبة والخشوع وكأنه يدور بقلبه حول مركز
التوحيد، وإذا سعى الحاج بين الصفا والمروة، فإن المحروم يسعى بين الخوف والرجاء
لا ييأس من رحمة الله ولا يأمن مكره، بل يبقى قلبه معلقًا بينهما.

أما يوم النحر حين يقدّم الحاج هديهُ فإن المحب
يقدّم أعز ما يملك وهو أن يذبح شهواته ويكسر كبرياءه ويقرّب قلبه قربانًا خالصًا
لله، فالأضحية ليست لحمًا ودمًا، بل هي معنى الفداء والتسليم، وهو معنى يستطيع كل
عبد أن يعيشه مهما كان حاله.

ومن لم يُكتب له الحج فليعلم أن أبواب الخير كثيرة
وأن الله لم يحصر القرب في عبادة واحدة، فالصلاة في وقتها بخشوعها وحضورها هي صلةٌ
دائمة بالله وهي أعظم ما يتقرب به العبد بعد التوحيد.

والصيام خاصة في أيام العشر ويوم عرفة بشكل أخص باب
عظيم لمغفرة الذنوب ورفع الدرجات، وقد ورد في فضل صيام يوم عرفة أنه يكفّر سنتين،
وهي فرصة لمن حُرم الوقوف بعرفة أن ينال من بركاتها.

وكذلك الصدقة فإنها من أعظم القربات وهي باب مفتوح
لكل من عجز عن الحج بماله؛ فيجعل ما يقدر عليه من إنفاقٍ في وجوه الخير رجاء أن
يبلغه الله بها ما لم يبلغه بسفره.

ولا يُغفل الذكر فهو زاد القلوب وبه تحيا الأرواح،
فالتكبير في هذه الأيام والتحميد والتسبيح والاستغفار، كل ذلك يقرّب العبد من ربه
ويملأ قلبه بأنوار الطاعة.

وإنّ الحنين إلى الحج إذا صُحب بالصبر والرضا يتحول
إلى عبادة فالله لا ينظر إلى صورنا وأجسادنا، بل إلى قلوبنا، وربّ دمعةٍ صادقة في
جوف الليل اشتاق بها صاحبها إلى الكعبة كانت عند الله أعظم من خطواتٍ كثيرة خلت من
الإخلاص.

ولربما يربي هذا الحنين في النفس معاني عظيمة كالتواضع
والانكسار والافتقار إلى الله، ويذكّر العبد بحقيقة الدنيا وأنها دار ابتلاء يُحرم
فيها الإنسان أحيانًا مما يحب ليُعطى ما هو أعظم وهو القرب من الله سبحانه وتعالى.

وكم من عبدٍ ظن أن حرمانه من الحج خسارة فإذا به
يجد نفسه أقرب إلى الله مما لو حجّ! وكم من إنسانٍ عاد من الحج كما ذهب ولم يتغير
قلبه ولم تتحول حياته، فالعبرة ليست بالمشاهد، بل بما يقع في القلب من ايمان يدفع
العبد للقرب من مولاه.

ولا ينبغي لمن حُرم الحج أن يستسلم للحزن واليأس،
بل يجعل من هذا الحرمان دافعًا للعمل ومحرّكًا للإخلاص وبابًا للتقرب من الله،
فإنّ الله إذا علم من عبده صدق الطلب بلّغه منازل القرب ولو لم يبلغها بقدمه وهذه
من رحمته بعباده.

فمن سُدّ في وجهه باب الحج فليعلم أن أبواب السماء الأخرى
لا تُغلق وأن طرق القرب منه لا تنحصر، فيا من حرمت الحج اجعل قلبك حاجًا ولسانك
ملبّيًا وجوارحك عاملة ودمعتك شاهدة على شوقك وقل في سرك لئن حرمتني السير إلى
بيتك فلا تحرمني الوصول إليك.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*
ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
+ posts

أخبار ذات صلة

الهند: حيث يصان الحيوان ويذبح الإنسان

إن المشكلة الحقيقية ليست في احترام الحيوان، فالرحمة بالحيوان خلق

الصلاة وتأثيرها في القيم الأخلاقية

الصلاة تربى الإنسان خلقياً وعقلياً، فهي تربط الإنسان بالله، كما

برنامج «تحسين عبادة الصلاة» ينطلق في ترنقانو الماليزية بمشاركة 102 من الأيتام

برنامج «تحسين عبادة الصلاة» ينطلق في ترنقانو الماليزية بمشاركة 102