آخر الأخبار

وقفات تدبرية في قصة قارون.. عاقبة البغي والطغيان

Picture of د.علي محمد الصلابي

د.علي محمد الصلابي

شارك المقال على :

وقفات تدبرية في قصة قارون.. عاقبة البغي والطغيان

بقلم: د. علي محمد الصلابي

الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

إن قصة قارون من
أبرز القصص القرآنية التي تجسّد خطورة الكبر والغرور بالمال والاغترار بالدنيا، إذ
تعرض نموذجًا لإنسانٍ جمع بين الثراء الفاحش والطغيان المفرط والشحّ البغيض، وقد
أشار القرآن الكريم إلى سرّ ضلال واستكبار قارون، وهو (البغي) وذلك في قوله
سبحانه:
﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ
مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ
لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ
إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾
]القصص:76[.
وإن في تدبر قصة قارون وهذه الآية ما يحذّر من البغي بكافة أشكاله، فالبغي هو أحد
أهم أبواب ومقدمات الظلم والاستكبار وسوء استخدام النعمة.

أ‌-         ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾:

كان قارون
إسرائيلياً من قوم موسى، لكنه خرج على قومه بني إسرائيل وانحاز إلى فرعون وملئه،
ونصرهم على قومه بني إسرائيل، وقد وردت خلاصة قصته في آخر سورة القصص التي اختصت
بالحديث عن قصة موسى عليه السلام منذ ولادته وحتى خروجه ببني إسرائيل من مصر وغرق
فرعون. وقد ورد اسم قارون أربع مرات في القرآن:

الأولى: في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ
(٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤)﴾
]غافر:٢٣-٢٤[.

وقد أخبرنا القرآن الكريم أنه لما بعث موسى
عليه السلام نبياً رسولاً إلى فرعون وملئه كان “الثالوث الباغي” يحكم
مصر، وهو المتمثل في فرعون وهامان وقارون، ولذلك نصت آية سورة غافر على أن الله
أرسل موسى -عليه السلام- إلى فرعون وهامان وقارون، وهذا يعني أن قارون كان في قمة
قوته وفتنته وقت بعثة موسى عليه السلام، وأنه كان جزءاً أساسياً من النظام الحاكم
في مصر ومساعداً رئيسياً لفرعون، إن النظام الفرعوني كان يقوم على أربع قوى:

   القوة المالية
الاقتصادية التي يمثلها فرعون.

   القوة الإدارية
التنفيذية التي يمثلها هامان والملأ.

   القوة الإعلامية
التأثيرية التي يمثلها السحرة المسترهبون.

   القوة الفرعونية،
حيث كان فرعون يستخدم القوى الثلاث ويسيطر عليها ويوظفها في إخضاع شعبه له.

ولذلك قرنت
الآيات بين الطغاة الثلاثة: فرعون وهامان وقارون، والجامع الذي يجمع بينهم هو
الكفر والطغيان والفساد.

   طغيان فرعون بسبب
ملكه وسلطانه، ولهذا دعا قومه إلى عبادته.

   وطغيان هامان
بسبب وظيفته ومركزه.

   وطغيان قارون
بسبب ماله وكنوزه.

واتفق موقف الطغاة الثلاثة، حيث استقبلوا موسى
عليه السلام بالتكذيب، واتهموه بأنه ساحر كذاب، وترك قارون لقومه بني إسرائيل،
وانفصاله عن موسى الإسرائيلي مثله وانحيازه لفرعون القبطي ضد قومه دليل على التقاء
الكفار على الكفر والطغيان، مهما اختلفت أصول وأجناس الكفار، فالكفر ملة واحدة.

الثانية: والآية الثانية التي ذكر فيها قارون ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى
بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩)
فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا
وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ
وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا
أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾

]العنكبوت:٣٩-٤٠[.

والثالثة: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ ]القصص:٧٦[:

والرابعة: في قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ
يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ
إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾

]القصص:٧٩[.

وتخبرنا آيات القرآن الكريم أن قارون
إسرائيلياً قُبطياً:
﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ
قَوْمِ مُوسَى﴾
، ونحن لا نعرف
نسب قارون الإسرائيلي ولا مدى قرابته لموسى عليه السلام، كما لا نعرف كيف كانت
بداية قارون ولا كيف كانت مسيرة حياته وعلو شأنه كرمز من رموز الطغيان (الخالدي،
3/43).

وكل ما نأخذ من آيات القرآن أن قارون
الإسرائيلي كان من كبار الأغنياء أيام حكم فرعون، وأنّه اغتر بأمواله وكنوزه،
ولهذا انحاز إلى جانب فرعون ضد قومه بني إسرائيل، وأن فرعون اعتمد عليه وعلى قوته
المالية في دعم نظامه (الخالدي، 3/43).

وأشارت كتب
التراث والروايات التاريخية إلى أن قارون هو أحد أكبر وأشهر الأثرياء على مرّ
التاريخ الإنساني كله وهو من بني إسرائيل، وأنه كان يمت بصلة قرابة من موسى عليه
السلام، ولكن حرصه على المال والثراء جعلاه يتقرب من فرعون مصر، بل يتحرك معادياً
لسيدنا موسى محاولاً تشويه دعوته في عيون أتباعه (نبهان، ص 274).

وقد خاض رواة
الإسرائيليات كثيراً في الحديث عن قارون وكنوزه ومفاتيحه وذهب بعضهم إلى أن هذه
المفاتيح كانت تحمل على سبعين بغلاً ولا يزيد حجم الواحد منها عن إصبع.

وكفانا الإمام
ابن كثير في الرد على من زعموا أن قارون كان يعرف اسم الله الأعظم، وأنه كان يتقن
“الكيمياء” التي تحول المعادن إلى ذهب، فقال: وأما من زعم أن المراد من
ذلك أنه كان يعرف صنعه الكيمياء، وأنه كان يحفظ الاسم الأعظم فاستعمله في جمع
الأموال، فليس بصحيح، لأن الكيمياء تخيل وصنعة، ولا تحيل الحقائق ولا تغيرها، ولا
تشابه صنعة الخالق والاسم الأعظم لا يصعد الدعاء به من كافر (ابن كثير، ص 373).

أ‌-  ﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾:
والبغي هو التعدي.

وهو لفظ عام يدخل
فيه جميع أنواع المظالم التي تصدر من الباغي بحق من يبغى عليهم سواء أكان: بغياً
مادياً يصدر عن الاستئثار بالمال وغيره من الأشياء المادية، وبغياً معنوياً يتمثل
في التكبر مما يسبب أذىً نفسياً للآخرين، وبغياً قولياً من شطحات اللسان، وبغياً
عملياً يتمثل في تصرفات الباغي بما يسبب الإساءة للآخر.

ولذا فلم يذكر
البغي في القرآن الكريم إلا في موضع الذم، لما يحمل من تبعات سلبية ونتائج تصل إلى
حد القبح، إن لم يكن القبح بعينه، لذلك حرّم الله تعالى البغي على المؤمن والكافر
فكان تحريمه مطلقاً.

   قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا
وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا
بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا
لَا تَعْلَمُونَ﴾
]الأعراف:٣٣[.

   إن الله سبحانه
وتعالى نهى عن البغي وقرن ذلك النهي بالفحشاء والمنكر في قوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ
ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾

]النحل:٩٠[.

   إن اختلاف الأمم
وتفرقهم وابتعادهم عن الحق كان سبب البغي فيما بينهم، وقد أخبر الله تعالى عن ذلك
بقوله تعالى:
﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ
الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ
مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ
فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾
]آل عمران:١٩[.

   إن كفر كثير من
الأمم كان بسبب البغي، وذلك عندما حسدوا الآخرين على ما آتاهم الله من فضله، قال
تعالى:
﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى
مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ
وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾
]النساء:٥٤[.

وقال الله سبحانه
وتعالى في هؤلاء:
﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ
أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ
اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ
عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾
]البقرة:٩٠[.

   لقد أجاز الله
تعالى لن يُبغى عليه أن ينتصر لنفسه إن أصابه البغي أو وقع عليه من قبل أحد، قال
تعالى:
﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ
الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾

]الشورى:٣٩[.

   إن البغي لابد أن
يعود أثره على الباغي طال الزمان أم قصر، وهذا الأثر لا يجاوز الباغي ولا يتعداه،
قال تعالى:
﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ
يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا
بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا
مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
]يونس:٢٣[.

   إن كثيراً من
العقوبات والجزاءات والحرمان الذي ينال كثيراً من الناس هو سبب بغيهم، حيث قال
تعالى:
﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا
حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ
شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا
اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾
]الأنعام:١٤٦ [(عقيل، ص 254).

إن قارون آتاه
الله من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة غير أنه طغى وبغى على الناس
بهذا المال ولم تحدد الآيات فيم كان البغي ليدعه مجهولاً يشمل شتى الصور، فربما
بغى عليهم بظلمهم وغصبهم أرضهم ومتاعهم كما يصنع طغاة المال في كثير من الأحيان
وربما بغى عليهم بحرمانهم حقهم في ذلك المال، حق الفقراء في أموال الأغنياء كي لا
يكون دولة بين الأغنياء وحدهم ومن حولهم محاويج إلى شيء منه، فتفسد القلوب وتفسد
الحياة وربما بغى عليهم بهذه وبغيرها من الأسباب (سيد قطب، 5/2711).

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر والمراجع:

1.    
الخالدي،
صلاح. القصص القرآني؛ عرض وقائع وتحليل أحداث، دمشق، دار القلم، ط4، 2016م.

2.    
نبهان،
خالد علي. فرعون وموسى، خالد علي نبهان، مصر، مكتبة النافذة، 2005م.

3.    
ابن
كثير، أبو الفداء إسماعيل. قصص الأنبياء، مكة المكرمة، مكتبة الطالب الجامعي، ط3،
1408ه/ 1988م.

4.    
عقيل،
عقيل حسين. موسى من وحي القرآن، دمشق، دار ابن كثير، 2010م.

5.    
 سيد قطب. في ظلال القرآن، القاهرة، دار الشروق،
ط32، 1423ه/ 2003م.

6.    
الصلابي،
علي محمد. موسى كليم الله. دار ابن كثير.

د.علي محمد الصلابي
+ posts

أخبار ذات صلة

الهند: حيث يصان الحيوان ويذبح الإنسان

إن المشكلة الحقيقية ليست في احترام الحيوان، فالرحمة بالحيوان خلق

الصلاة وتأثيرها في القيم الأخلاقية

الصلاة تربى الإنسان خلقياً وعقلياً، فهي تربط الإنسان بالله، كما

برنامج «تحسين عبادة الصلاة» ينطلق في ترنقانو الماليزية بمشاركة 102 من الأيتام

برنامج «تحسين عبادة الصلاة» ينطلق في ترنقانو الماليزية بمشاركة 102