مقاصد الحج في القرآن الكريم
[من خلال تفسير (في ظلال القران) لسيد
قطب – رحمه الله]
بقلم: د.
دحّام إبراهيم الهسنياني
عضو الاتحاد العالمي لعلماء
المسلمين
تبرز أهمية الدراسة لمقاصد الحج في القرآن
الكـريم بـالنظر إلى أن الحـج ركـن مـن أركان الإسلام يطالب به كل مسلم استطاع
إليه سبيلاً، مرة واحدة في العمر، وهو موسم يتكـرر كـل عـام، ويشهده الملايين من
المسلمين، ولكن الكثير منهم يغفل عن تأمـل المقاصـد الجليلـة التـي لأجلهـا شرع
الحج، وينشغل بالأحكام الفقهية الدقيقة على أهميتها وحاجة الحاج إليها عن المقاصد
والغايات والحكـم والدلالات، وهو ما يضعف أثر الحج في إصلاح النفوس والمجتمعات.
لذا سأبين في هذا البحث أهم المقاصد والحِكَم
التي تضمَّنتها هذه الشَّعيرة الربَّانية في القرآن الكريم، ومن خلال التفسير
القيم (في ظلال القرآن) للأستاذ الشهيد سيد قطب رحمه الله تعالى. حيث أن كثير من
المشاكل التي تقع في الحج نجد حلولها في نصوص القرآن الكريم، التي تناولت مقاصد
الحج في القرآن، وهذا ما حاولت بيانه، أسأل الله تعالى أن يتقبل منا، وأن يعيننا على خدمة كتابه
الكريم، وبيان هداياته في العالمين، ومعالجة لقضايا واقعنا على ضوء توجيهات الذكر
الحكيم.
1. تحقيق
التوحيد والإخلاص لله عز وجل
فالله عز وجل لم يأمر إبراهيم عليه السلام ببناء
البيت إلّا لتحقيق توحيده تعالى، وذلك يظهر جليًّا من اقتران الأمر ببناء البيت
بالنهي عن الشرك والتخلّص من مظاهره، حيث قال تعالى: وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ
مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ
لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ، وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ
بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ
عَمِيقٍ. (الحج: 26-27).
يؤكد سيد قطب أن هذا البيت أقيم لأجل تحقيق
التوحيد والإخلاص لله عز وجل، فيقول رحمه الله: (ثم يرجع إلى نشأة هذا البيت
الحرام، الذي يستبد به المشركون، يعبدون فيه الأصنام، ويمنعون منه الموحدين بالله،
المتطهرين من الشرك.. يرجع إلى نشأته على يد إبراهيم عليه السلام بتوجيه ربه
وإرشاده، ويرجع إلى القاعدة التي أقيم عليها وهي قاعدة التوحيد، وإلى الغرض من
إقامته وهو عبادة الله الواحد، وتخصيصه للطائفين به والقائمين لله فيه: وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ
مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ
لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ، وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ
بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ
عَمِيقٍ..
فللتوحيد أقيم هذا البيت منذ أول لحظة، عرف الله
مكانه لإبراهيم عليه السلام وملكه أمره ليقيمه على هذا الأساس: أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا فهو
بيت الله وحده دون سواه.
وليطهره به من الحجيج، والقائمين فيه للصلاة: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ
لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ
فهؤلاء هم الذين أنشئ البيت لهم، لا لمن يشركون بالله، ويتوجهون بالعبادة إلى سواه.
ثم أمر الله تعالى إبراهيم عليه السلام باني
البيت إذا فرغ من إقامته على الأساس الذي كلف به أن يؤذن في الناس بالحج؛ وأن
يدعوهم إلى بيت الله الحرام ووعده أن يلبي الناس دعوته، فيتقاطرون على البيت من كل
فج، رجالا يسعون على أقدامهم، وركوباً وَعَلَى
كُلِّ ضَامِر
جهده السير فضمر من الجهد والجوع: وَأَذِّنْ
فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ
كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ..
وما يزال وعد الله تعالى يتحقق منذ إبراهيم عليه
السلام إلى اليوم والغد. وما تزال أفئدة من الناس تهوى إلى البيت الحرام؛ وترف إلى
رؤيته والطواف به.. الغني القادر الذي يجد الظهر يركبه ووسيلة الركوب المختلفة
تنقله؛ والفقير المعدم الذي لا يجد إلا قدميه. وعشرات الألوف من هؤلاء يتقاطرون من
فجاج الأرض البعيدة تلبية لدعوة الله تعالى التي أذن بها إبراهيم عليه السلام منذ
آلاف الأعوام..)([1]).
وأمّا عن تحقيق الإخلاص فهو أعظم ثمرات التوحيد،
وقد نبّه الله عز وجل عباده لضرورة تحقيقه في الحج فقال تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ
وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ
(البقرة: 196).
يقول الشيخ القاسمي رحمه الله: (أي: أدّوهما
تامَّين بمناسكهما المشروعة لوجه الله تعالى)([2]).. ويقول سيد قطب رحمه
الله وهو يبين كيف يكون تحقيق
التوحيد والإخلاص لله عز وجل وفق الآية: (وأول ما يلاحظ في بناء الآية هو تلك الدقة
التعبيرية في معرض التشريع، وتقسيم الفقرات في الآية لتستقل كل فقرة ببيان الحكم
الذي تستهدفه. ومجيء الاستدراكات على كل حكم قبل الانتقال إلى الحكم التالي.. ثم
ربط هذا كله في النهاية بالتقوى ومخافة الله عز وجل..
والفقرة الأولى في الآية تتضمن الأمر بإتمام
أعمال الحج والعمرة إطلاقاً متى بدأ الحاج أو المعتمر فأهلّ بعمرة أو بحج أو بهما
معاً؛ وتجريد التوجه بهما لله: وَأَتِمُّوا
الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ.. وقد فهم بعض
المفسرين من هذا الأمر أنه إنشاء لفريضة الحج. وفهم بعضهم أنه الأمر بإتمامه متى
بدئ، وهذا هو الأظهر، فالعمرة ليست فريضة عند الجميع ومع هذا ورد الأمر هنا
بإتمامها كالحج. مما يدل على أن المقصود هو الأمر بالإتمام لا إنشاء الفريضة بهذا
النص. ويؤخذ من هذا الأمر كذلك أن العمرة، ولو أنها ابتداء ليست واجبة، إلا أنه
متى أهل بها المعتمر فإن إتمامها يصبح واجباً. والعمرة كالحج في شعائرها ما عدا
الوقوف بعرفة. والأشهر أنها تؤدى على مدار العام. وليست موقوتة بأشهر معلومات
كالحج)([3]).
2. تحقيق
معنى العبودية والانقياد لله تعالى
وهذا يظهر بوضوح عند استجابة الحاج للقيام بهذه
الفريضة وارتداء لباس الإحرام والطواف بالكعبة والسعي بين الصفا والمروة والوقوف
بعرفة، فهو يقوم بهذا الأعمال منقادًا لأمر الله عز وجل ومتأسيًا برسول الله صلى
الله عليه وسلم وإن غابت عنه الحكم والمقاصد من القيام بهذا الأفعال إلّا أنه لم
يغب عنه أنه عبد منقاد لأمر سيده.
قال الله تعالى: )قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي
وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ
الْمُسْلِمِينَ( (الأنعام: 162)، وهو خطاب دالٌّ على محضِ العبودية، وعلى محض
الذلة لله الواحد القهار، هذه الآية المعبِّرة أيما تعبير عن أصدق ما يجدُه العبد
الذي ذاق حلاوةَ الإيمان حقًّا وصدقًا، وتتجلَّى مظاهر هذه العبودية في الإذعان
لأمر الله تعالى في أداء المناسك؛ وهذا ما بينه سيد قطب، أن أداء الحج وأهم مقاصده
هو تحقيق معنى العبودية والانقياد لله عز وجل، فيقول رحمه الله: (إنه التجرد
الكامل لله، بكل خالجة في القلب وبكل حركة في الحياة. وبالصلاة والاعتكاف.
وبالمحيا والممات. بالشعائر التعبدية، وبالحياة الواقعية، وبالممات وما وراءه..
إنها تسبيحة (التوحيد) المطلق، والعبودية الكاملة، تجمع الصلاة والاعتكاف والمحيا
والممات، وتخلصها لله وحده. لله رَبِّ الْعَالَمِينَ..
القوام المهيمن المتصرف المربي الموجه الحاكم للعالمين.. في (إسلام) كامل لا
يستبقي في النفس ولا في الحياة بقية لا يعبدها لله، ولا يحتجز دونه شيئاً في
الضمير ولا في الواقع.. وَبِذلِكَ أُمِرْتُ..
فسمعت وأطعت: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ(..)([4]).
والربط بين العقيدة والشعائر واضح في الآيات،
ولنستمع إلى ما يقول سيد قطب
رحمه الله: (هكذا يربط بين العقيدة والشعائر. فهي منبثقة من العقيدة وقائمة عليها.
والشعائر تعبير عن هذه العقيدة ورمز لها. والمهم أن تصطبغ الحياة كلها ويصطبغ
نشاطها بتلك الصبغة، فتتوحد الطاقة ويتوحد الاتجاه، ولا تتمزق النفس الإنسانية في
شتى الاتجاهات.
3. تنقية
النفس من الأخلاق المذمومة
الحج سفر، والسفر قطعة من عذاب. وفي الحج من
بُعد الشُّقة، وزيادة الكلفة، وحصول الازدحام، ما يتطلب مستوىً خلقياً رفيعاً، من
الصبر والاحتمال، تدفع الضجر، وأريحية بالغة، تتسامى عن الأثرة، وتحمل على
الإيثار، والصفح، ومجاهدةً وغالبةً للنفس الأمارة، تهزم الشهوات وحظوظ النفس..
لذلك نهى اللهُ تعالى الحاج عن الفحش والسباب واللغو والجدال والمماراة، فقال
تعالى: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ
فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ
خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ (البقرة:
197).
وذلك تعظيمًا لفريضة الحج من جهة، وليعتاد
المسلم على الابتعاد عن مثل هذه الأخلاق المذمومة بعد الحج من جهة أخرى؛ لأنها
مذمومة في كلّ زمان ومكان.. وعن كيفية تنقية النفس من الأخلاق المذمومة في الحج، يقول سيد قطب رحمه
الله: (فمن فرض الحج في
هذه الأشهر المعلومات، أي أوجب على نفسه إتمامه بالإحرام، فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا
جِدَالَ فِي الْحَجِّ.. والرفث هنا
ذكر الجماع ودواعيه إما إطلاقاً وإما في حضرة النساء. والجدال: المناقشة والمشادة
حتى يغضب الرجل صاحبه. والفسوق: إتيان المعاصي كبرت أم صغرت.. والنهي عنها ينتهي
إلى ترك كل ما ينافي حالة التحرج والتجرد لله في هذه الفترة، والارتفاع على دواعي
الأرض، والرياضة الروحية على التعلق بالله دون سواه، والتأدب الواجب في بيته
الحرام لمن قصد إليه متجرداً حتى من مخيط الثياب!
وبعد النهي عن فعل القبيح يحبب إليهم فعل
الجميل: وَمَا
تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ(.. ويكفي في حس المؤمن أن يتذكر أن الله تعالى يعلم
ما يفعله من خير ويطلع عليه، ليكون هذا حافزا على فعل الخير، ليراه الله منه
ويعلمه.. وهذا وحده جزاء.. قبل الجزاء..
ثم يدعوهم إلى التزود في رحلة الحج.. زاد الجسد
وزاد الروح.. فقد ورد أن جماعة من أهل اليمن كانوا يخرجون من ديارهم للحج ليس معهم
زاد، يقولون: نحج بيت الله ولا يطعمنا! وهذا القول، فوق مخالفته لطبيعة الإسلام
التي تأمر باتخاذ العدة الواقعية في الوقت الذي يتوجه فيه القلب إلى الله تعالى
ويعتمد عليه كل الاعتماد، يحمل كذلك رائحة عدم التحرج في جانب الحديث عن الله،
ورائحة الامتنان على الله بأنهم يحجون بيته فعليه أن يطعمهم!!)([5]).
4. الحثّ
على تعظيم شعائر الله تعالى
إن من علامات الحج المبرور الذي ليس له جزاء إلا
الجنة أن يكون الحاج معظماً حرمات االله وشعائره، غير منتهكٍ شيئاً منها بقول أو
بفعل، وهو أيضاً من دلائل التقوى والإخبات الله عز وجل. لذلك قال الله تعالى في
ذيل الحديث عن أعمال الحج: ذَلِكَ
وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (الحج: 32).. وفي تفسير هذه الآية يقول سيد قطب رحمه الله: (يعود
السياق من تعظيم حرمات الله باتقائها والتحرج من المساس بها.. إلى تعظيم شعائر
الله وهي ذبائح الحج باستسمانها وغلاء أثمانها: ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ
شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ، لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ
إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ.
ويربط بين الهدي الذي ينحره الحاج وتقوى القلوب؛
إذ أن التقوى هي الغاية من مناسك الحج وشعائره. وهذه المناسك والشعائر إن هي إلا
رموز تعبيرية عن التوجه إلى رب البيت وطاعته. وقد تحمل في طياتها ذكريات قديمة من
عهد إبراهيم عليه السلام وما تلاه. وهي ذكريات الطاعة والإنابة، والتوجه إلى الله
منذ نشأة هذه الأمة المسلمة. فهي والدعاء والصلاة سواء.
وهذه الأنعام التي تتخذ هدياً ينحر في نهاية
أيام الإحرام يجوز لصاحبها الانتفاع بها. إن كان في حاجة إليها يركبها، أو في حاجة
إلى ألبانها يشربها، حتى تبلغ محلها وهو البيت العتيق. ثم تنحر هناك ليأكل منها.
ويطعم البائس الفقير.
(وقد كان المسلمون على عهد النبي صلى الله عليه
وسلم يغالون في الهدي، يختارونه سميناً غالي الثمن، يعلنون بها عن تعظيمهم لشعائر
الله، مدفوعين بتقوى الله. روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: (أهدي عمر
نجيباً فأعطى بها ثلاث مائة دينار، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول
الله إني أهديت نجيباً([6])، فأعطيت بها ثلاث مائة دينار. أفأبيعها واشتري
بثمنها بدناً؟ قال: لا. انحرها إياها)([7]).
والناقة النجيب التي جاءت هدية لعمر رضي الله
عنه قومت بثلاث مائة دينار لم يكن عمر رضي الله عنه يريد أن يضنَّ بقيمتها، بل كان
يريد أن يبيعها فيشتري بها نوقاً أو بقراً للذبح. فشاء رسول الله صلى الله عليه
وسلم أن يضحي بالنجيب ذاتها لنفاستها وعظم قيمتها، ولا يستبدل بها نوقاً كثيرة، قد
تعطي لحماً أكثر، ولكنها من ناحية القيمة الشعورية أقل.
والقيمة الشعورية مقصودة فَإِنَّهَا
مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ. وهذا هو المعنى الذي لحظه رسول الله صلى
الله عليه وسلم وهو يقول لعمر رضي الله عنه (انحرها إياها) هي بذاتها لا سواها!)([8]).
5. الموازنة
بين المصالح الدنيوية والأخروية
فالموازنة بين المصالح الدنيوية والمصالح
الأخروية من محاسن الإسلام ومقاصده، وذلك يظهر جليًّا في كثير من الشرائع
والعبادات ومن ذلك عبادة الحج، فقد أباح الله تعالى للحاجّ أن يجمع بين أداء
المناسك وبين التجارة والتكسّب، بشرط أن لا تؤثِّر على المقصد الأصلي ألَا وهو
العبادة، يقول سيد قطب رحمه الله: (ثم يمضي في بيان أحكام الحج وشعائره، فيبين حكم
مزاولة التجارة أو العمل بأجر بالنسبة للحاج. وحكم الإفاضة ومكانها. وما يجب من
الذكر والاستغفار بعدها: لَيْسَ
عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ
عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما
هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ..
والمنافع التي يشهدها الوافدون إلى بيت الله
الحرام، كثيرة، متنوعة، تختلف حظوظ الناس منها)..
فهناك منافع روحية تفيض من جلال المكان وروعته
وبركته، بل الحجّ نفسه، هو صورة مصغرة للحياة الآخرة، التي تبدأ من الموت، ثم
البعث، والحشر، والحساب، والجزاء.. وعن الموازنة بين المصالح الدنيوية والمصالح
الأخروية في الحج يقول سيد قطب رحمه الله: (ويقف
السياق عند بعض معالم الحج وغاياته: لِيَشْهَدُوا
مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا
رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ
الْفَقِيرَ.. والمنافع
التي يشهدها الحجيج كثير. فالحج موسم ومؤتمر. الحج موسم تجارة وموسم عبادة. والحج
مؤتمر اجتماع وتعارف، ومؤتمر تنسيق وتعاون. وهو الفريضة التي تلتقي فيها الدنيا
والآخرة كما تلتقي فيها ذكريات العقيدة البعيدة والقريبة.. أصحاب السلع والتجارة
يجدون في موسم الحج سوقاً رائجة، حيث تجبى إلى البلد الحرام ثمرات كل شيء.. من
أطراف الأرض؛ ويقدم الحجيج من كل فج ومن كل قطر، ومعهم من خيرات بلادهم ما تفرق في
أرجاء الأرض في شتى المواسم.. يتجمع كله في البلد الحرام في موسم واحد. فهو موسم
تجارة ومعرض نتاج؛ وسوق عالمية تقام في كل عام.
وهو موسم عبادة تصفو فيه الأرواح، وهي تستشعر
قربها من الله في بيته الحرام. وهي ترف حول هذا البيت وتستروح الذكريات التي تحوم
عليه وترف كالأطياف من قريب ومن بعيد)([9]).
إن موسم الحج فرصة لالتقاء مختلف الشعوب
الإسلامية لتحقيق منافع مشتركة، ومصالح متبادلة، ومنها المنافع التجارية، والمصالح
الاقتصادية، دون أن يغض ذلك من قدر النُّسُك؛ فقد رفع الله عز وجل الجُناح عن
الأمة في مزاولة هذه المناشط الحيوية التي تعود عليها بالقوة والخير.
6. ربط
قلب المسلم بذكر الله تعالى
فالذكر مِن أحبّ العبادات إلي الله تعالى
وأعظمها أجرًا، وقد ربط الله به كثيرًا من العبادات ومن أبرزها عبادة الحج، ويظهر
ذلك واضحًا في ربط القرآن الحديث عن مناسك الحج بذكر الله في كثير من المواضع، حيث
قال الله تعالى: لَيْسَ
عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ، فَإِذَا أَفَضْتُم
مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ
كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ، ثُمَّ أَفِيضُوا
مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
رَّحِيمٌ، فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ
آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا
(البقرة: 198-200).
وفي تفسير هذه الآيات يقول سيد قطب رحمه الله:
(إنما هو يطلب من فضل الله، فيعطيه الله. فأحرى ألا ينسى هذه الحقيقة؛ وهي أنه
يبتغي من فضل الله، وأنه ينال من هذا الفضل حين يكسب وحين يقبض وحين يحصل على رزقه
من وراء الأسباب التي يتخذها للارتزاق. ومتى استقر هذا الإحساس في قلبه، وهو يبتغي
الرزق، فهو إذن في حالة عبادة لله، لا تتنافى مع عبادة الحج، في الاتجاه إلى
الله.. ومتى ضمن الإسلام هذه المشاعر في قلب المؤمن أطلقه يعمل وينشط كما يشاء..
وكل حركة منه عبادة في هذا المقام.
إن من آثار الحج في حياة المسلم الذي يؤدي
فريضته أنه يقوي صلة المحبة بينه وبين خالقه، وذلك عن طريق شعار الحج المعلن ـ
لبيك اللهم لبيك ـ، فيها يجدد المسلم ذكر الله في مواقع ومواقف متعددة، يصحب ذلك
خشوع وخضوع للخالق البارئ سبحانه وتعالى، والمسلم بهذه التلبية يطرح كل شواغل
الحياة وصوارفها التي تمنعه من القرب من خالقه طاعة وامتثالاً وخشوعاً وخضوعاً
وتذللاً وإجلالاً ـ لبيك اللهم، لبيك لا شريك لك لبيك….)([10]).
فمن اعتاد على ذكر الله عز وجل في الطواف، وفي
السعي، وعند رمي الجمار، وعند الوقوف بعرفة، وعند ذبح الهدي، وفي المشاهد جميعًا
فمن الصعب عليه أن يجفّ لسانه عنه بعد الحج، وقد ذاق حلاوة الذِّكْر وتعلّق قلبه
بالمذكور تعالى.
7. التأكيد
على روح المساواة بين الناس
فالإسلام دين المساواة وهذا يظهر واضحًا في
اجتماع الناس للصلاة واجتماعهم للحج حيث يقف الغني بجوار الفقير والعربي بجوار
العجمي في صعيد واحد بثياب واحدة بخلاف ما كان عليه أهل الجاهلية، فقد قال تعالى: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ
أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (البقرة: 199).
يقول صاحب (الظلال) في تفسير هذه الآية: (قِفُوا
معهم حيث وَقَفوا، وانصرِفوا معهم حيث انصرَفوا، إنّ الإسلام لا يعرف نَسبًا، ولا
يعرف طبقةً، إنّ الناس كلّهم أمة واحدة، سواسية كأسنان المشط، لا فضل لأحد على أحد
إلا بالتقوى، ولقد كلَّفهم الإسلام أن يتجرّدوا في الحج من كلّ ما يميزهم من
الثياب، ليلتقوا في بيت الله إخوانًا متساوِين، فلا يتجرّدوا من الثياب ليتخايلوا
بالأنساب، ودعوا عنكم عصبية الجاهلية، وادخلوا في صبغة الإسلام، هكذا يقيم الإسلام
سلوك المسلمين في الحج، على أساس من التصوّر الذي هدى البشرية إليه، أساس المساواة،
وأساس الأمة الواحدة التي لا تفرقها طبقة، ولا يفرقها جنس، ولا تفرقها لغة، ولا
تفرقها سمة من سمات الأرض جميعًا، وهكذا يردُّهم إلى استغفار الله من كلّ ما يخالف
عن هذا التصوّر النظيف الرفيع)([11]).
8. تربية
المسلم على الدقّة والانضباط
وذلك يظهر بتحديد المواقيت الزمانية والمكانية
للحج، فالمواقيت الزمانية هي الأشهُر التي حدّدها الله تعالى للذهاب للحج، كما
وَقَّت تعالى وقتًا محددًا للوقوف بعرفة، إذا تجاوزه الحاج بطل حجه، ووقتًا لرمي
الجمار، فقال الله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا
ف
-150x150.jpg)