التأمين
التكافلي: مشروعيته، مبادئه، وأهميته
بقلم: أد/ محمد دمان ذبيح
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
الحمد
لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين ثم أما بعد..
تعد
الصناعة التأمينية التكافلية من أكثر القطاعات المؤثرة بشكل مباشر في تحقيق
التنمية المستدامة للدول، وضرورة من ضروريات توفير الأمن للأفراد، والمؤسسات، وكذا
المساهمة في حسن استثمار الأموال، وأمان توجيهها، فطبيعة عمل هذه الصناعة، ومؤسساتها
القائم على التعاون، والتكافل يفتح المجال أمام الجميع لضمان أسلوب تأميني بعيد عن
الاستغلال، ومضيعة الثروات دون وجه حق، وسنحاول في هذه المقالة المتواضعة أن نتعرف
وبإيجاز على التأمين التكافلي، وذلك من خلال ما
يلي:
أولا: تعريف التأمين التكافلي
يعرف
التأمين التكافلي بأنه “عقد تأمين جماعي يلتزم بمقتضاه كل مشترك بدفع مبلغ
معين من المال، بقصد التعاون، والتضامن مع بقية المشتركين لتعويض المتضررين منهم
على أساس التبرع، وتتولى إدارة العمليات التأمينية شركة تحمل صفة وكيل بأجر معلوم”.[1]
وبالتالي
نلاحظ أن التأمين التكافلي يعبر عن “نظام تعاقدي بين مجموعة من الأشخاص
للتعاون على تلافي الأخطار التي يتعرض لها أحدهم، بتعويضه عن الضرر الناتج عن تلك الأخطار،
حيث يقوم كلّ منهم بدفع مبلغ مالي على
سبيل التبرع يدعى «الاشتراك»، بما يؤدي إلى تكوين صندوق يسمى
«صندوق المشتركين»، وتقوم شركات التأمين
التكافلي بإدارة صندوق المشتركين، واستثمار الأموال المتجمعة فيه مقابل عمولة
معيّنة بما يتفق مع أحكام، ومبادئ الشريعة الإسلامية”.
وهذا
النوع من التأمين يحمل عدة مسميات:
·
فيسمى “تعاونيا” لتعاون مجموع
المشتركين في تعويض الأضرار الناجمة عن المخاطر المؤمن منها التي تلحق أحدهم.
·
ويسمى “تكافليا” لنفس الهدف السابق، ولمعنى
الكفالة أيضا في ذاتها، وإن كانت هنا من جماعة، أو مجموع المشتركين، وهذا المعنى
هو أنها تفعل أيضا على وجه التبرع عند أكثرية الفقهاء، وقد سماه البعض بالتكافل
الجماعي.
·
ويسمى “تأمينا تبادليا” لسببين هما:
– أن
مجموع المشتركين يتبادلون فيما بينهم تحمل الأضرار التي تلحق بأحدهم نتيجة حصول
الخطر المؤمن منه.
– لأن كل
عضو من هيئة المشتركين في التأمين يجمع بين صفتي المؤمن والمؤمن له، أو المستأمن
·
كما يرغب بعض
الباحثين بتسميته “بالتأمين الإسلامي” لتمييزه عن التأمين الربوي
الذي عرفه الغرب.
ثانيا: مشروعية التأمين التكافلي
يستمد
التأمين التكافلي مشروعيته مما يلي:
أ-
القرآن الكريم
هناك
الكثير من الآيات القرآنية التي تحث على التعاون على البر والتقوى من ذلك قوله
تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوانٌ} [المائدة
02].
ولا شك أن
هذه النصوص وغيرها تدل دلالة واضحة على مشروعية التأمين التكافلي.
ب-
السنة النبوية الشريفة
كذلك فإن
السنة النبوية الشريفة تزخر أيضا بمثل هذه النصوص، من ذلك قوله -صلى الله عليه سلم-
“مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو
تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”.[2]
ففي هذا
الحديث دعوة إلى التعاون والتراحم بين أفراد المجتمع المسلم، وهي صورة من صور
التأمين التكافلي.
وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: “إن
الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في
ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني، وأنا منهم”.[3]
ففعل
الأشعريين هذا تعاون جماعي، ودليل على مشروعية التأمين التكافلي بين المسلمين.
فالمسلم
يقدم ما عنده ولا يعلم كم سيأخذ، هل مثله، أو أقل أو أكثر، وقد أباح ذلك رسول الله
-صلى الله عليه وسلم- بقوله في مدح الأشعريين: “فهم مني، وأنا منهم“.
ثالثا: المبادئ الأساسية للتأمين التكافلي
يقوم
التأمين التكافلي على المبادئ الأساسية التالية:
–
مبدأ التكافل والتعاون: إن التأمين باعتباره فكرة ونظام يقوم على التعاون
والتضامن، مما يجعله محققا لمقاصد الشريعة متفقا مع غاياتها وأهدافها، فهو تضامن
ونكافل يؤدي إلى توزيع الخطر على مجموع المؤمن لهم عن طريق التعويض الذي يدفع
للمتضرر من المال المجموع من حصيلة أقساطهم.[4]
–
مبدأ التبرع: وهو بذل المال للغير في الحال بلا عوض، بقصد البر
والمعروف غالبا.[5]
–
مبدأ الفصل بين أموال المشتركين والمساهمين
من أهم
مبادئ التأمين التكافلي نجد ضرورة الفصل بين حسابي كل من هيئة المشاركين، وهيئة
المساهمين باعتبارهما هيئتان مستقلتان[6].
–
مبدأ توزيع الفائض التأمينى[7] على
المشتركين
لا يعتبر
الفائض التأميني المتحصل عليه ربحا، فهو يتمثل في تلك القيمة المتبقية من
الاشتراكات وعوائد استثمارها، وهذا بعد خصم التعويضات، وإعادة التكافل، وكذا خصم
الاحتياطات القانونية، وهو من حق المشتركين في هذه العملية التكافلية[8].
–
مبدأ العمل تحت إشراف لجنة للفتوى والرقابة الشرعية
نظرا لأن
شركات التأمين التكافلي تقوم على أساس التعامل بأحكام الشريعة الإسلامية فإن ما
يعينها على تحقيق هدفها ان تستعين بذوى الاختصاص الشرعي لضمان تجسيد المبادئ
الشرعية السامية فى حقل التأمين التكافلي، حيث تقوم هيئة دائمة للفتوى والرقابة
الشرعية بالرقابة على جميع الاعمال لضمان عدم تعارضها مع احكام الشريعة الإسلامية،
وتكون قرارات هذه الهيئة ملزمة.
رابعا: أهمية التأمين التكافلي
تتجلى
أهمية التأمين التكافلي في عدة نقاط نذكر منها ما يلي[9]:
–
تحقيق الأمن والأمان للمشتركين، فمبدأ نظام التأمين
التكافلي يساعد على تخفيف المخاطر التي قد تصيب أحد الأعضاء، وتوزيعها على
المستأمنين، ويقصد بالأمان للمشترك أن المؤمن يزاول أعماله بصورة طبيعية، دون تهور
وباطمئنان، لأن الخطر الذي يصيبه سيوزع على باقي المشتركين، باعتبار أن التعويض
يكون من صندوق الاشتراك.
–
تحقيق الكسب الحلال، حيث يعتبر هذا التأمين طريقا للكسب
الحلال بالنسبة للمشتركين وللشركة باعتبار أن كافة المشاريع والاستثمارات التي يتم
توظيفها تكون موافقة للشريعة الإسلامية.
–
تعتبر شركة التأمين مظهرا من مظاهر صلاحية الشريعة
الإسلامية، ومواكبتها لكل زمان ومكان، مع تحقيق مفهوم التعاون والعدالة بعيدا عن
أسلوب الاستغلال والأنانية.
–
المساهمة في دعم الاقتصاد وبناء مسيرته وازدهاره، وذلك
من خلال استغلال أموال المشتركين واستثمارها بالطرق المشروعة، ما يؤدي من تقليل
حجم البطالة والفقر في المجتمع، وخلق مناصب شغل جديدة.
–
استكمال حلقات الاقتصاد الإسلامي، حيث تشكل ركنا من
أركان الاقتصاد الإسلامي، وحلقة من حلقاته جنبا إلى جنب مع المصارف الإسلامية،
وشركات إعادة التأمين الإسلامية، والأسواق المالية الإسلامية، والعلاقة التي تنشأ
بين هذه المؤسسات علاقة تكاملية، ونجاح كل منها يتطلب دعم بقية تلك المؤسسات.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر
عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
** الهوامش
[1]أحمد سالم ملحم، التأمين الإسلامي، دراسة فقهية تبين حقيقة التأمين التعاوني
بصورتيه النظرية والعملية وممارساته في شركات التأمين الإسلامي، ص: 18.
[2]أخرجه مسلم، برقم 2586.
[3]
رواه البخاري برقم: 2486.
[4]
صليحة فلاق، متطلبات تنمية التأمين التكافلي- تجارب
عربية-، أطروحة دكتوراه، جامعة حسيبة بن
بوعلي،الشلف،الجزائر،2014/2015،ص: 69.
[5]
حسن علي الشاذلي، التأمين التعاوني الإسلامي، حقيقته،
أنواعه، مشروعيته، ورقة مقدمة
لمؤتمر التأمين التعاوني-أبعاده وآفاقه، وموقف الشريعة الإسلامية منه، المنعقد 11-13/04/ 2010، الجامعة الأردنية، ص:
14 وما بعدها.
[6]
توايتية الطاهر، براهمي خالد، التأمين التكافلي كبديل
لتعزيز الصناعة التأمينية في الجزائر، مجلة
دراسات متقدمة في المالية والمحاسبة ، جامعة العربي التبسي، تبسة، الحزائر،
م1، ع1،جانفي 2018،ص:37.
[7]
يعرف الفائض التأميني بأنه الفائض الحسابي بين إيرادات
ومصروفات حساب هيئة المشتركين.
[8]
المرجع السابق، ص:38.
[9]
هرموش إيمان، مقيمح صبري، واقع آفاق التأمين التكافلي في
الجزائر، محاكاة تجارب عالمية، مجلة العلوم الإدارية والمالية، جامعة الوادي ،
الجزائر، م03، ع02، 2019، ص: 69.